تتعدد الآراء حول أسباب الحراك الشبابي والشعبي الذي انطلق من مدينة الحسيمة المغربية على أرضية “فرم” بائع سمك، كان يبحث عن لقمة عيش لاطفاله، فهناك من يعيدها الى أسباب اقتصادية ناجمة عن البطالة، واستفحال الفساد، ونهب المال العام، وهناك من يجادل بأن التهميش السياسي والاجتماعي لابناء الريف المغربي، والفئات المسحوقة عموما، هو النار التي تشتعل تحت الرماد، ولا يمكن اغفال رأي ثالث أيضا، يتحدث عن تدخلات خارجية من جماعات ذات طابع عنصري عرقي مناطقي، تستغل هذا الحراك لتفتيت المغرب واغراقه في بحر من الدماء مثل سورية والعراق واليمن وليبيا، ولكن وايا كانت الآراء والاجتهادات فان هؤلاء جميعا هم أبناء المغرب.

المظاهرات ذات الطابع السلمي التي انطلقت في منطقة الريف اكدت طوال الوقت انها ذات طابع محلي صرف، وانها مع الوحدة الترابية المغربية، وتتمسك بالدستور، وتعارض الانفصال القائم على منطلقات عرقية، ورفعت العلم المغربي الموحد، وان جميع مطالبها الشعبية المشروعة تتمحور حول العدالة الاجتماعية، وتوفير المساواة في التنمية وتوزيع الثروة.

الحكومة المغربية استشعرت عدالة هذه المطالب وسارعت بالإعلان عن تخصيص مليار دولار لتمويل مشاريع تنمية في المنطقة في اعتراف منها بضرورة التجاوب مع مطالب الحراك، ومحاولة لامتصاص الازمة والحيلولة دون امتداد الاحتجاجات الى مناطق أخرى، وهذه خطوة أولى جيدة ومقدرة، ولكنها تظل قاصرة اذا لم تتوازى مع تحرك إصلاحي سريع.

الانباء القادمة من المغرب تفيد بان مدن كبرى مثل الدار البيضاء وطنجة واغادير شهدت مظاهرات تضامن مع نظيراتها في الحسيمة ومنطقة الريف، وهناك من يحذر “من ان النار تقترب من الحطب”، وان اتساع نطاقها بات مرجحا بعد اعتقال السيد نصر الزفزافي الذي يوصف بأنه قائد هذا الحراك ومجموعة من زملائه.

السلطات المغربية تعاملت بالكثير من الحكمة مع احتجاجات مماثلة في 9 آذار (مارس) عام 2011، انطلقت بالتزامن مع نظيراتها في عدد من الدول العربية في اطار ما يسمى في حينها بالربيع العربي، وقرر العاهل المغربي محمد السادس حل البرلمان، والدعوة الى انتخابات عامة، والتنازل عن بعض صلاحياته الدستورية، ونجحت هذه الخطوات في امتصاص الازمة، وتهدئة الشارع، خاصة بعد السماح لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الفائز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات بتشكيل الحكومة.

هناك حالة من الاستياء عبر عنها الكثير من النشطاء المغاربة على وسائل التواصل الاجتماعي من جراء طريقة معالجة السلطات المغربية لملف الريف، واستخدام القوات الأمنية العصا الغليظة الحديدية في التعاطي مع الحراك والمشاركين فيه، واتهام وسائل إعلامية مقربة من السلطة لقادة الحراك بالعمالة لجهات خارجية، ولا بد من اخذ هذا الاستياء بعين الاعتبار والتعاطي معه واسبابه بكل الجدية من قبل السلطات الحاكمة في قمة الدولة، وتجنب كل أنواع الاستفزاز والتسرع في اطلاق الاتهامات دون التحقق منها.

كرة اللهب في المغرب تزداد كبرا يوما بعد يوم، وهناك من أعداء المغرب وتجربته الديمقراطية المتقدمة وجوهرها التعايش من يريد ان يصب المزيد من الزيت فوقها حتى تزداد اشتعالا وتصل الى حالة يصعب السيطرة عليها او إطفاء لهيبها.

لا نجادل مطلقا في هذه الصحيفة “رأي اليوم” بأن هناك عناصر تخريبية وسط الحراك لا تريد الامن والاستقرار والرخاء للمغرب، ولكنها تظل فئة محدودة، وتشكل اقلية بالمقارنة مع الأغلبية العظمى، التي تتحلى بأعلى مشاعر الحرص والمسؤولية على الوحدة الوطنية وتعزيز الامن والاستقرار في البلاد، وتجنبها مخاطر لا يحمد عقباها.

نطالب بالفرز بين هذه الأقلية التي لا تريد الخير للمغرب وأهله لاسباب متعددة، ربما من بينها الطيش والنزق والحرمان، وبين الأغلبية المسؤولة التي لا نشك مطلقا في عدالة مطالبها، ونرى ان الحوار، وليس الاقصاء، هو الأسلوب الأمثل والانجع، لحل الازمة وتطويق آثارها، فهؤلاء جميعا، سواء كانوا معتدلين او متشددين، هم ابناء المغرب في كل الأحوال.

ربما تبدو هذه اللغة “المعتدلة” في الخطاب الذي تتبناه هذه الصحيفة مستهجنة من قبل البعض، ولكننا نتبنى هذا النهج بعد ان اكتوينا من نيران تجارب أخرى، ربما بدأت بطريقة مماثلة، في سورية والعراق وليبيا واليمن، أدت الى نتائج كارثية، لا نعتقد ان احرار المغرب وشرفاءه وعقلاءه، بل وقادة الحراك الحالي، غافلون عنها.

اختلفنا ونختلف كثيرا مع سياسات السلطات المغربية الداخلية والخارجية، ولكننا لا نتردد مطلقا في معارضتنا لاي تحرك يريد نسف تجربة التعايش في المغرب، او أي بلد عربي ومسلم آخر، حتى لو كانت في حدودها الدنيا.

المنعطف الذي يمر به المغرب وعر وخطير، الامر الذي يتطلب وقوف كل المحبين الى جانبه خاصة الدول العربية النفطية التي تنفق مئات المليارات من الدولارات على صفقات أسلحة او لدعم البنى التحتية ومشاريعها في أمريكا، ونذكّر هذه الدول بأن المغرب وقف دائما الى جانبها وشعبه الكريم الطيب الصابر، أولى بملياراتها من الامريكان والأوروبيين.

اسمحوا لنا ان نعتبر انفسنا، وان باعدت بيننا المسافات، من “اهل مكة” وان كنا في الوقت نفسه لا ندعي بأننا الأكثر دراية بشعابها.

مدير نشر صحيفة “رأي اليوم”