عبدالالاه بلوادي

في سابقة من نوعها، تعيش مدينة جرسيف أزمة نقص الماء الشروب، بعدما كانت تسبح فوق فرشة مائية كبيرة، و تمر بجانبها وديان لم تجد الا البحر لتصب مياهها. في اعتقادي البسيط بحكم أنني لست اهل اختصاص ولكن من المتتبعين للشأن الاقليمي فأزمة الماء سواء الشروب او المخصص للأغراض الفلاحية و الزراعية هي ازمة مرتبطة بعدة عوامل أهمها:

1- الزحف أو التمدد العمراني:
عرفت المدينة في السنوات الاخيرة نموا كبيرا يعزى الى ظاهرة الهجرة و ارتفاع في عدد المهاجرين القادمين من المناطق و المدن المجاورة وارتفاع نسبة النمو الديمغرافي، وضعف التهيئة العمرانية، بحيث تحولت العديد من المناطق الخضراء و المغروسة والتي كانت تعتمد على السقي عن طريق مجاري مياه الوديان اإلى مناطق سكنية ذات كثافة سكانية عالية تميزت في الغالب بإنتشار البناء العشوائي مما رفع معدل استهلاك الماء الصالح للشرب.

وغالبا ما يكون هذا النمو غير منسق وغير منظم و لا يحضي بالقدر الكافي من الدراسة التوقعية اثناء التخطيط الاستراتيجي والتصميم العمراني للمدن. ويساهم الزحف العمراني في خلق نمو غير متكافئ وغير منظم وغير مخطط له و يؤدي إلى عدم تساوي توزيع الموارد الطبيعية والخدمات، والقضاء على الغطاء النباتي الذي يحيط بالمدينة و المساحات الخضراء، والاخلال بالجانب البيئي وتهجير الحيوانات و الطيور وتلوث الهواء الذي ينعكس بشكل سلبي على صحة الانسان و باقي الكائنات، وإنعدام الامن و إرتفاع معدل الجريمة…

وهو مشكلة عالمية تعاني منها جميع الدول على مستوى العالم، مما رفع من نسبة الإنفاق الحكومي لتنظيم هذه المجتمعات، وبناء مراكز حيوية وخدماتية لهم.

2- الاستثمار الزراعي
تشهد مناطق اقليم جرسيف نشاطا فلاحيا كثيفا جعله يتبوأ الصدارة وطنيا من حيث إنتاج الزيتون و بعض الأنواع من الخضر والحوامض، وجلبت فرشته المائية الغنية العديد من المستثمرين، فتحولت آلاف الهكتارات العارية إلى مساحات مزروعة ساهمت في خلق فرص الشغل بالاقليم و الرفع من الناتج المحلي.

ولكن كان لهذا النشاط أثره العميق على الفرشة المائية، وأمام شح التساقطات المطرية وتزايد المساحات المسقية بالمياه الجوفية سنة بعد أخرى عن طريق الآبار والثقب المائية… عوامل جعلت جرسيف تعرف إشكالية حقيقية تتمثل في استنزاف الثروة المائية الجوفية.

وإذا كانت الفلاحة بجرسيف قد تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي امام ما يتطلبه التوسع العمراني و ولجت بعض الاسواق الوطنية و الدولية، فإن الرهان يبقى مستقبلا على انجاز مشاريع من شأنها تأمين الماء سواء الماء الموجه للشرب أو لأغراض فلاحية وزراعية والنهوض بأوضاع الفلاح الصغير، والدولة مدعوة اليوم قبل الغد إلى الالتفاتة إليه بإعتباره الحلقة الأضعف في هذه المنظومة وليس تحميله المسؤولية في ما آلت إليه الاوضاع.

3-غياب قطاع وزاري وصي
بعد الاعفاء الغريب و المفاجأ لكتابة الدولة المكلفة بالماء وإلحاق الوزارة المنتدبة المكلفة بالماء بوزارة التجهيز والنقل، وقبله توقف اللجنة الوزارية المشتركة للماء عن العمل منذ سنوات، وعجز وكالات الاحواض المائية عن تحقيق حكامة ناجعة بسبب قلة الموارد البشرية و ضعف للاختصاصات الموكولة لها، اصبحت تقارير المجلس الأعلى للماء و المناخ حبرا على ورق. مما جعل قطاع الماء يتخبط العشوائية في التدبير و التسيير، وتوقفت عملية تتبع و مواكبة المشاريع المائية وإنجاز الدراسات التوقعية بشكل فعلي، و هو ما سمح للعديد من الشركات من مواصلة الاستحواذ و تبذير الثروة المائية و تحقيق ارباحا تفوق ما تحققه الشركات البترولية.

وقد سبق للوزيرة شرفات افيلال قبل إعفائها ان أحدثت جهاز الشرطة المائية حيث أنيطت له مراقبة و تتبع جلب و استغلال الماء، كما أجرت عدة دراسات احصائية حول استغلال الثروة المائية، وفي عهدتها شرع في بناء سد تاركا او مادي بإقليم جرسيف. لكن يبدو أن يد لوبيات الاستغلال كانت أطول، مما جعل قطاع الماء يعيش فراغا تنظيميا في التخطيط و التدبير و انعدام رؤية مستقبلية، و هو ما خلق ازمة سواء على مستوى الماء الشروب او المخصص لأغراض فلاحية و زراعية بالعديد من المدن المغربية.

وقد كان الراحل الحسن الثاني يشير دائما في خطاباته الى أن العالم سيواجه ازمة الماء، وهو ما جعل المغرب ينهج سياسة حكيمة لبناء السدود بالعديد من المدن، حيث مكنت هذه السياسة من تخزين مياه الأمطار و توفير الماء الصالح للشرب و استدامة المشاريع الفلاحية و الزراعية، مما أتاح توسيع مساحة الاراضي الزراعية المسقية.

إلا أن هذه السياسة لم تستمر خصوصا في السنوات الاخيرة بالبلاد، وتوقفت عملية بناء السدود و ضعفت قدرات التخزين لبعضها بفعل تراكم الاوحال بها. وهو ما جعل العديد من المناطق تتخبط مع مشكل الماء سواء الماء الشروب او المخصص لأغراض زراعية.

والوضعية الحالية تتجه نحو تعميق الأزمة، خصوصا مع طلب لا يفتأ يتزايد، وعرض تهدده عوامل منها الاستغلال المفرط و التغيرات المناخية. وتفعيلا لمبدا الحق في ماء صالح للشرب صحي ونقي، كحق من حقوق الانسان، وحق أساسي للحياة، كما تدعوا إليها عدد من النصوص للتشريعية و الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل المغرب وتقارير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي و القانون الاطار المتعلق بالميثاق الوطني للبيئة و التنمية المستدامة، وتحقيقا لأهداف الألفية للتنمية و الرؤية الاستراتيجية للتنمية المستدامة.

ويقتضي تفعيل هذه القوانين و القرارات وضع سياسة حمائية و مثمنة للموارد، مجددة و مبتكرة، ومستفيدة من افضل التجارب الدولية في مجال تدبير الماء، وتبنى هذه السياسة وفق رؤية مشتركة بين جميع الجهات المختصة و مكونات المجتمع المدني مع إشراك الفاعلين المحليين وتكوينهم و تزويدهم بالمعطيات اللازمة حتي يتمكنوا من استثمارها عند صياغة المخطط الجماعي للتنمية طبقا لمبادئ المقاربة التشاركية، و ادماج التكنولوجيات الحديثة في مجال الانتاج و الجرأة في تسخير الطاقة النووية لتحلية ماء البحر نظرا لحفاظها على البيئة وسلمية استعمالاته، ووضع مخطط استباقي لتدبير والتحكم في المخاطر المتوقعة لضمان حاجيات الساكنة المستقبلية.

ولا يمكن فصل أزمة الماء الشروب بجرسيف عن مشكل التنمية بشكل عام بالإقليم، فالماء يعتبر فقط النقطة التي أفاضت الكأس بحكم تأثيره المباشر و السريع و ارتباطه بقضيتي حياة أو موت.

وهو ما يستدعي البحث عن حلول جدرية و رسم خطط استراتيجية و وضع رؤية استباقية من شأنها التخفيف و القضاء على الازمة حتى وان كان ليس لا تأثيرا خطيرا على المدى المتوسط، ولكن قد تنبأ بوضعية خطيرة على المدى البعيد.

لا يمكن الاستغناء عن الفلاحة بالاقليم بل هي بحاجة الى مزيدا من الدعم للتغلب على العديد من الاكراهات التي تتخبط فيها من بينها مشكل السقي، فالفلاح الصغير بحاجة الى تكوين و تحسيس بأهمية المحافظة على الماء، فإذا اعتمد على الطاقة الشمسية لتجنب التلكفة الثمينة لجلب الماء و الحفاظ على الطاقة، فعليه ان يلجأ الى طرق اخرى للمحافظة على الماء، كبناء خزانات المياه و الاعتماد على السقي الموضوعي بالتنقيط بدل الطرق التقليدية هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، يتوفر اقليم جرسيف على العديد من الروافد المائية تهدر مجمل مياهها في البحر ولا تستغل في تزويد الضيعات الفلاحية بمياه السقي أو الري، وقد يشكل الاستثمار في بناء سدود او ربط الاقليم بسد اوطاط الحاج او تحويل سد تاركا او مادي من خزان للماء الشروب الى مصدر لمياه السقي أو الري… من شأن هذه الحلول تخفيف الضغط على استغلال واستنزاف المياه الجوفية في الاغراض الفلاحية و كذلك دعم الفرشة المائية.

ومن هذا المنظور، يتضح أن المخطط الذي يتعين رسمه، هو مخطط يجب ان يعتمد على محورين اساسين، يبدأ بتثمين الموارد المائية بالاعتماد على تخزين مياه الامطار عن طريق إحياء سياسة بناء او الربط بالسدود، مع مراعاة الوضعية الحرجة لبعضها بسبب ضعف قدرتها التخزينية بفعل تراكم الاوحال بها وضعف نسبتي التجدد و الملء بفعل العوامل المناخية كالجفاف و التبخر. ويأتي بعدها حماية الموارد المائية عن طريق وضع و تفعيل قوانين تنظيمية و زجرية، والنهوض و دعم التقنيات و الأنظمة المقتصدة للماء، وتحسيس المستهلكين بضرورة الاقتصاد في استهلاك الماء و نهج استراتيجية مبنية على حسن تدبير الطلب و اقتصاد الماء و الحد من التلوث و تفعيل التضامن بين الجهات للحد من الفوارق المجالية.

و من سوء حظ جرسيف موقعه الذي يقع ضمن خريطة المناطق المهمشة و غير النافعة ذات الطابع القروي كما وصفها البعض رغم ما تتوفر عليه من ثروات مائية و غابوية وفلاحية… ، وهو ما يتطلب انزال رؤية جديدة من شأنها تحقيق النمو العادل وفق مقاربة مجالية و مستدامة لضمان مستقبل أفضل كباقي الاقاليم المحظوظة بالبلاد.