بلادنا أحوج ما تكون إلى “ورشة فكرية” مؤهلة لتقييم وإصلاح ما أفسدت نخبة سياسية عبر عقود من “الاستقلال”!

استقلالنا ناقص..

وليس ناقصا فقط على مستوى الحدود الترابية.. هو ناقص على صعيد بناء الفكر المؤهل لبناء نخبة قادرة على بناء البلد، بعقلية تحافظ على مكتسبات، وتتابع وتطور مسيرتنا الوطنية..

إن أخطر ما وقعت فيه السياسة العمومية في بلدنا، يمكن تلخيصها في تسليم ثروات البلاد لشبكات اسمها الأحزاب والنقابات.. شبكات انتهازية.. عصابات حولت الثروة الوطنية إلى مناصب زبونية، وقبلية، وانتفاعية.. وحولت الديمقراطية إلى بقرة حلوب..

وهذه العصابات تواطأت مع فئة من السلطات، فنشرت المزيد من التفقير والتجهيل، وتمكنت من إقناع المجتمع أن المخزن هو أيضا يبقى من يشاء، ويغني من يشاء..

عقود من الزمن، وهذه الحال من الطبقية الظالمة، أحدثت شرخا فظيعا في المجتمع، وكسرت الفوارق، وأحداث لهاثا اجتماعيا في اتجاه إدارات تبيع وتشتري في البشر، وتصنع منهم مخبرين وسماسرة..

وهكذا نحروا التعليم العمومي نحرا، مارسوا تنمية السلطات المخزنية التي صار الكثير من الناس، في خضم الجهل والفقر والمرض والبطالة، يتسابقون إلى رضا الشيخ والقائد والبابا والعامل والوزير…

وتضمنت الكارثة الوطنية عندما صار المخزن يجهر بأنه هو يرسم الخريطة الانتخابية، أي يطلع من يشاء، وينزل من يشاء، على غرار إقرار من يشاء، وإعطاء من يشاء..

واليوم، وقد أصبحنا في مؤخرة العالم، قادرين على تصدير المخدرات، وتنشيط قوارب الموت، ها نحن تقرع الأجراس، ونضرب الطبول..

ولم تتمكن عصابات الأحزاب من تحويل أنظار المجتمع عن مسؤوليتها هي والمخزن، في تخريب مؤسسات البلد: لا تعليم، لا صحة، لا عدالة، لا شغل..

ملايين من الشباب، وفيهم من بلغوا الأربعين فأكثر، عاجزون عن بناء أسرة..

ملايين من الشابات لا يجدون طريقا إلى الزواج، بسبب بطالة الشبان..

ولم يعد المخزن قادرا على إضفاء مصداقية على شبكة الأحزاب والنقابات، ومن ثمة البرلمان والحكومة، ومؤسسات الحكومة..

أصبحنا على شفا حفرة…

كل سلبيات الماضي، عبر عقود وعقود، تتكدس في طريقنا..

ولا تشفع لنا “سياسة البنايات” في تلميع صورتنا أمام العمق الشعبي الذي أصبح واعيا بما يحدث من ظلم اجتماعي، ومن تواطؤ الإدارات مع رموز الفساد..

والفساد لم تعد له حدود..

الفساد حاضر فاعل في كل اتجاه..

وحتى من تبقت في البلد من أدمغة، لا تجد من يقرأ أفكارها واقتراحاتها وحلولها، في المؤسسات المسؤولة، لأن هذه المؤسسات ما زالت مبرمجة على الماضي، وما زالت تحركها سميرة الحاضر، نتمناها من استيعاب الخطر الذي نحن فيه..

لقد قتلت نخبتنا السياسية المعاونة دور التعليم العمومي، وهمشت المثقفين الواعين، وسحقت الصحافيين الأحرار، ووضعت حاجزا بين النقد البناء ومن عليهم أن يدركوا حقيقة ما نحن فيه..

لقد اغتالوا الفكر..

ولم تعد الأحزاب، في مجملها، قادرة على إنتاج حلول فعلية لمشاكل البلد..

وانتهت هيبة الدولة..

الأحزاب تصرفت بشكلها الانتهازية المعروف، وهذا أدى إلى مواجهة مباشرة بين القمة والقاعدة..

ودخل على الخط من يأتون بالزجر..

والجزر عمق المواجهة..

ولم يعد في أكثر الناس من يثق في حلول “ديمقراطية”، أو قانونية، لأن القوانين نفسها حولوا لصالح لوبيات الثراء الفاحش..

و الدولة أصبحت أمام باب مسدود..

وتركت المحاكم تفعل ما ترى..

والسجون تفعل ما اعتادت عليه..

والسلطات العمومية تعود إلى أسلوب اللاإنسانية..

– إلى أين نحن سائرون؟

الأموال تم تهريبها إلى الخارج..

والحال يتعقد أكثر فأكثر..

وتحدث الثمار المرة لتهميش “العلوم الإنسانية”، ومن خلالها القدرة الوطنية على “صناعة الفكر”..

والفكر لا تصنعه المعاهد التقنية، ولا كلية الطب..

الفكر تصنعه مدارس أخرى: الآداب، علم النفس، الاتصال، الحقوق، علم الاجتماع، وغيرها…

ولو كان بلدنا اعتنى بهذه المهارات، لكان قد وجد مفكرين قادرين على إنتاج حلول جذرية لما نحن فيه..

وما زالت السياسة العامة تحارب كل ما هو فكر..

وهذا خطأ جسيم..

وما يمكن أن يقال للسياسة العامة: “عدو عالم خير من صديق جاهل”..

إنها مقولة قديمة، ولكنها تحيلنا إلى واقعنا الذي يطغى عليه تجار الدين مع تجار السياسة، بتواطؤ مع أباطرة المخدرات والمهربين والمخربين وعصابات “المال والأعمال”..

وما زال المال متواطئا مع السياسة، ضد حرية التعبير..

وما زال حالنا على نفس ما كنا فيه أواخر الخمسينات والستينات والسبعينات…

ما زال الهاجس الأمني كافيا على أصحاب القرار..

الهاجس الأمني يعود بنا إلى الاستبداد وسنوات الجمر تازمامارت وكل المحطات السوداء في تاريخنا الوطني..

والحل هو إحداث قطيعة تامة مع الاستبداد، والاحتكار، واقتصاد الريع، وتهميش الفكر…

وإلى هذا: محاسبة كبار لصوص البلد، لكي يكونوا عبرة لصغار اللصوص..

– كفى من طريقة النعامة!

النعامة تدفن رأسها في التراب، وهذه طريقتها للتهرب من الواقع..

وما أكثر النعامات في الأحزاب والمؤسسات التي تعتمد الدولة عليها لإنقاذ البلاد..

النعامات عاجزة..

ليست لها أفكار.. ولا قدرة على إنتاج أفكار..

ما زالت مبرمجة على السمسرة.. والريع.. والاتجار في البلاد والعباد..

الأحزاب تشكل أكبر خطر على بلادنا.. ومعها النقابات.. وغيرها…

– عليكم بوقفة تأمل..

ربما: حكومة استثناء.. فيها كمشة من العقلاء لتصحيح مسار نموذجنا التنموي الفاشل!

ولا عيب في تصحيح المسار..

وهذا على كل حال، لا مفر منه..

التصحيح أفضل من الاستمرار في نفس السيارة، بنفس السياقة، ونفس الطريق..

البلاد لا تتحمل حوادث أخرى!