أحمد صبار: تخاصم الاخوة الأعداء، تصدعت العديد من التحالفات بعدد من الجماعات الترابية التابعة لإقليم جرسيف قبل انتهاء “الشوط” الأول من الولاية الانتخابية الجارية، تفكك التماسك الداخلي لبعض الأحزاب السياسية سواء تلك التي تسير أو التي تشارك في التسيير بمنطق التحالف أو حتى التي تقبع في جنح ظلام المعارضة، إلا أن النتيجة واحدة لا محيد عنها، ضياع مصلحة الناخبين، مصلحة من كلفوا أنفسهم عناء التوجه إلى صناديق الاقتراع، سواء المرغمين أو الذين ذهبوا عن طيب خاطر وفي نيتهم أمل التغيير المفقود، فهل سينتقم الناخب في الآتي من الاستحقاقات ممن خانوا العهد وانقلبوا على برامجهم الانتخابية ووعودهم العسلية؟

لم يكن البيان (دفتر التحضير) الذي أصدره نواب رئيس المجلس الإقليمي لجرسيف وكاتبه (رئيس جماعة هوارة أولاد رحو) الذي يعتبر أحد مهندسي تشكيلة هذا المجلس كما بعض المجالس الأخرى، إلا دليل على مقولة العنوان “كلها يلغي بلغاه”، فما الجدوى من إطلاق رصاصة لا تقتل؟ ما الخطوات القانونية والتنظيمية التي سلكها هؤلاء ولو صدقنا جدلا ما يدعون؟ لماذا نزل هذا البيان بهذا الشكل وهذا المضمون في هذا الوقت بالضبط؟ علما أننا نحترم كثيرا ذكاء من وقعوه وهم أسماء يُشهد لها بالانضباط السياسي وميثاق الشرف الموقع بين الأطراف الحزبية التي يمثلها بعضهم في إطار مجموعة من التحالفات؟

ألم يكن يعرف “قرواش” أنه سبح ضد التيار ووقع ضد أحد أعمدة حزب العدالة والتنمية وهو واحد من إخوانه؟ ألا يعرف أن إقالته من الحزب قد تجرده من مسؤولياته بكل من مجلس جماعة بركين والنيابة بالمجلس الإقليمي؟

ألم يكن يعرف “ع – الدريوش” والذي لا يعترف بمنطق المساومة، أنه “مبحوث عنه” من طرف المفتش (مول الاستقلال) خصوصا وانه شق عصى الطاعة من جهة ووقف وجها لوجه مع رئيس جماعته برأس لقصر المنتمي سياسيا لحزب الاستقلال، وقد يتوصل بتجميد عضويته في الآتي من الأيام، عوض الإقالة التي قد تُوقع الخصم في المحظور؟ ألا يعرف أن علاقة “عومير” بــ “العزوزي” أحسن بكثير من علاقة “عومير” برئيسه “الجغاوي”؟

ألا يعرف الخبير بخبايا انتخابات وسياسة إقليم جرسيف “أ – السنوسي” أن بين علي الجغاوي وأحمد العزوزي ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم ويمكن القول بالعامية (موس واحد يذبحهوم) وأن أحدهم برلماني ورئيس أهم جماعة حضرية والآخر رئيس المجلس الإقليمي؟ ألا يعرف رئيس جماعة هوارة أولاد رحو أن الرئيسين أحدهما يكمل الآخر وتجمعهم تحالفات أخرى غير تلك التي تجمعه كحزبين بالمجلس الإقليمي؟ ألم يعي “مولاي أحمد” أنه كاتب المجلس الإقليمي ومن المفروض أنه يؤشر على جميع المحاضر التي تتضمن قرارات المجلس الإقليمي؟ لماذا ربط وبشكل آلي بين ما يقع بجماعته وبين ما يقع من تجاذبات بالمجلس الإقليمي؟ ألم يكن قادرا على احتواء مطالب معارضته، وهو الملقب بالداهية السياسية، ولعب دور الحكيم في اختلالات المجلس الإقليمي إن هي وُجدت؟

ألا يعرف “بزكور” أنه سقط في الممنوع وتسرع في اتخاد القرار وهو المعروف بكاريزميته وتبصره وبعد نظره؟ ألم يفهم حكيم مجلس مزكيتام أن أفق اللعبة محدود ويحكمها منطق (شدلي نقطع ليك)؟ ورغم ذلك يبقى الوحيد الآمن انتخابيا رغم خرجته غير المحسوبة سياسيا.

ألا يعرف الأربعة أن ما قاموا به هدية لرئيس المجلس الإقليمي خصوصا وأن “القرطاسة خرجت خاوية”؟ ألا يعرف من وقعوا مسودة البيان أن هناك معارضة شرسة متربصة وقادرة على حمل المشعل باسم حزب الأصالة والمعاصرة قد تستغل الوضع وتطيح بالتحالف الهش؟ هل يقوى المنتفضون على توضيح الخطوة في بيان آخر يستجيب لمعايير كتابة البيانات؟ ألا تربطهم علاقات خفية بأهم عناصر المعارضة قصد فرض الأمر الواقع والذهاب إلى تغييرات جدرية قد تطيح بالرئيس الحالي للمجلس الإقليمي مقابل حصولهم على امتيازات في التشكيلة المقبلة بقيادة حزب الجرار مثلا؟ هل يفكر “البرنيشي” في استغلال الوضع أم يستركهم وجها لوجه مع (حائط الموت) علما أنه عائد بقوة والأوفر حظا في القادم من الاستحقاقات؟

وفي الأخير، تجدر الإشارة إلى أنني لست في موقف الدفاع عن أحد، وكنت أتمنى لو كانت هناك حركية سياسية حقيقية فعلا على أساس مطالب مشروعة قد نتقاطع في تبنيها والدفاع عنها جميعا، لكن لا أعيب ذلك على نواب الرئيس الثلاثة وكاتب المجلس، إذا كان ما قاموا به مجرد طاكتيك من أجل تفجير الوضع وتقديم حسن السيرة، وأن التحاق باقي أعضاء المجلس شيء ممكن كخيار استراتيجي في أفق التغيير، وهذا إن كان الباقون أذكياء سياسيا فعلا ونهجوا سياسة (نجربو الواد براس لحمق) وهذا مستبعد جدا.