مدخل عام عبر بوابة المستقبليات

يتكهن علم المستقبليات Futures Science ؛ بما أصبح يمتلكه من أدوات الرصد والمعالجة والإحصاء والتوقعات؛ أنه في ظل التوسع الذي تعرفه وسائل الاتصال والتواصل، وولوج الإنسان إلى الطفرة الرقمية Digital leap ستأخذ الرقعة الجغرافية البشرية؛ في المستقبل المتوسط؛ في التضاؤل إلى درجة سيكون في مقدوره؛ بفضل أجهزة التنصت والمراقبة والتجسس؛ رصد كل ظاهرة وتتبعها وامتلاكها وإخضاعها إلى البنك المعلوماتي Data Bank. والأدهى من هذا توظيفها في حقول التزييف واستنبات حقائق ومشاهد مماثلة، بقصد السطو على الحقوق والسعي إلى تملكها، مهما كانت الوسائل والتي ستعرف بدورها خروقات سافرة لكل المعايير الأخلاقية والقيم الكونية التي درج عليها أسلافنا.

تعاظم الإمبراطوريات المالية

يشهد تاريخ الاقتصاديات الدولية حاليا حركية محمومة في تعاظم الإمبراطوريات المالية واتساع نفوذها ؛ مكتسحة كل الأسواق الصغرى، وبالتالي ستعرف الاقتصاديات المحلية Local Markets نكوصا وتراجعا أمام تغول نظيراتها الكبرى، وستجد نفسها أمام تحد يحكم عليها بالفناء، إذا هي لم تشكل مع الوحدات الصغرى سوقا بمواصفات معينة قابلة وقادرة لأن تصبح شريكا لسوق إقليمية أو قارية مرتهنة لحاجيات الإنسان.

هذه المنافسة الاقتصادية الشرسة غير المتكافئة بين الدولية الموسعةGlobal wide والإقليمية الضيقة Regional narrowed سيتولد عنها توجيه العقل البشري إلى تعميق ثقافة النصب والاحتيال والسعي الحثيث إلى الغش والتدليس ومراكمة الثروات والربح السريع بأقل تكلفة؛ وفي خرق سافر لكل قوانين قيم السوق والتنافسية.

تداعيات جد خطيرة

من التداعيات الأولية لانتشار ثقافة الربح بهذه المواصفات انحسار القيم الإنسانية والأخلاقية ، وولوج الإنسان إلى عالم يسوده الشك ، ويرتفع فيه منسوب القلق إضافة إلى أمراض مزمنة، كما تكهنت به منظمة الصحة العالمية World Health Organization ) WHO ( كداء العصاب وتصاعد معدلات ظواهر الانتحار والاكتئاب بمعدلات جد مهولة تفوق كل التوقعات، إلى جانب تصدر الجريمة؛ بمختلف صورها؛ الأخبار اليومية. وفي ظل هذه البيئة القاتمة ستغدو الحقوق بمفهوم ذات حدين؛ يتم تكريسها من طرف الدول الأكثر هيمنة على اقتصاديات العالم، كسلاح تشهره في وجه الدول المارقة.. بيد أن حقوق المواطن العادي ستكون محل مساومات ، طالما كان الخصم شرسا قادرا على إغراء القضاء . على أن مصادرة الحقوق بهذه البشاعة سيستتبعها ازدهار سوق أسلحة الدمار، والفتك بالإنسان سواء عبر الأسلحة الكلاسيكية أو الجرثومية أو الرسائل الملغمة.. أو الاختطاف أو النفي…

وفي هذا السياق يجدر بنا التوقف عند ظاهرة الإرهاب التي ستأخذ لنفسها مسارات وتشعبات لتتحول إلى ظاهرة كونية لامنتمية لجنس أو عقيدة أو جغرافية معينة، كما أن وسائلها ستعرف؛ هي الأخرى؛ صورا جد تراجيدية مرعبة؛ يمكن في عملية إرهابية واحدة لها أن تزهق أرواحا بالمئات، عبر أسلحة بيولوجية أو جرثومية. كما سيكون بمقدورها تعطيل شبكات التواصل عبر العالم أو التحكم في مسارات الطائرات والسفن والبوارج الحربية، فضلا عن إقدامها بين الحين والآخر على تعطيل الإضاءة بالمدن الكبرى.

انشطارات وتصدعات في بنية الدول

تشير الأبحاث وكذا الإحصائيات المستقبلية Future Statistics إلى أن الدولة؛ بالمفهوم القانوني المتصل بالإنسان والجغرافية والتاريخ واللغة ..؛ في طريقها إلى الزوال لتحل محلها أو بالأحرى لتنبثق عنها دويلات أو مجموعات إثنية محتلة، تبعا للنموذج البشري الذي سيهيمن على الساحة؛ نموذج بشخصية ذات خصوصيات متفردة ستبدو لنا حاليا؛ وعلى بعد بضعة عقود؛ موغلة في الغرابة والتميز ، مقارنة لها بالإنسان السوي؛ إنسان يسعى بكل وسائله المسخرة للاستقلالية وعدم التبعية لأحد، أو سيكون مضطرا إلى خلق جماعة ضاغطة لها طقوسها وعاداتها المتفردة؛ قد تعود به القهقرى إلى عصور الظلام أو بداية العصر البرونزي، وبالتالي فالولاء إلى الدولة سيعرف عصيانا غير مسبوق؛ ومن ثم الإسراع بانشطارها وتفجيرها من الداخل. هذا الانشطار والتفتت سيلاحق العديد من الدول ، سواء في أمريكا أو أوروبا أو إفريقيا.

م.ا.هـ –