لا حديث في مقاهي سيدي قاسم، هذه الأيام، يعلو على تزوير الشواهد الطبية بالمستشفى الإقليمي بالمدينة؛ وذلك بعد المرافعة التي وجه من خلالها صبري الحو، المحامي بهيئة مكناس، داخل محكمة سيدي قاسم يوم الخميس 27 يوليوز الماضي، الاتهام إلى طبيب بتزوير شهادة طبية لصالح شرطي مرور، ومنحه عجزا بـ 40 يوما، مقابل منح المتهم شهادة طبية مدة العجز فيها أربعة أيام، و”الطبيب الذي منح الشهادتين هو نفسه الطبيب الذي يشتغل يوم السبت والأحد بمصحة زميله الطبيب “أ.أ” بمدينة جرف الملحة، التي تبعد عن سيدي قاسم بنحو 50 كيلومترا”، بحسب صك الاتهام.

وأوضح صبري الحو أن الشهادة الطبية الموقعة باسم الدكتور “ع.م” الذي يشتغل في المستشفى الإقليمي، كُتبت بالخط نفسه وتحمل التوقيع ذاته الذي في الشهادة الطبية التي منحها الدكتور نفسه في مصحة جرف الملحة يوم الأحد، “وهنا نريد أن نعرف كيف لطبيب أن يمنح شهادتين طبيتين بنفس الخط ونفس الإمضاء وبخاتم مختلف، وعبر مسافة 50 كيلومترا ما بين سيدي قاسم وجرف الملحة؟ كيف تنقل الطبيب من مصحة زميله بجرف الملحة كي يسلم شهادة طبية للشرطي، والطبيب لا يعمل يوم السبت، بل كان يعمل في مصحة زميله، وسلم الشهادة للشرطي بالمجان؟” يتساءل المحامي.

الطبيب “ع.م” أكد أنه هو من سلم الشهادة الطبية بمدينة جرف الملحة يوم الأحد 23 يوليوز الماضي بخط يده وموقعة بإمضائه والخاتم للطبيب “أ.أ”، وأكد أن هو من فحص الضحية ومنحه شهادة أربعة أيام من العجز، كما صرح بأنه هو من منح شهادة طبية لشرطي المرور مدة العجز فيها أربعين يوما، وقال بأنه كان يشتغل يوم السبت 22 يوليوز بالمستشفى الإقليمي بسيدي قاسم.

المحامي طالب المحكمة باستدعاء الطبيبين وإجراء خبرة طبية على الشرطي الذي منحه الطبيب نفسه مدة 40 يوما من العجز، يتولاها ثلاثة أطباء خبراء، وإجراء خبرة طبية على الخط الذي كتبت به الشهادتان الطبيتان، والوثيقتان كتبهما طبيب واحد، مع العلم أن الشرطي عاد إلى بيته من سيدي قاسم إلى جرف الملحة يوم 22 من الشهر الماضي، عبر سيارة الطاكسي، كما أنه بعد يومين، أي يوم 24، عاد إلى سيدي قاسم عبر الطاكسي حين استدعته مفوضية الشرطة بسيدي قاسم قصد الاستماع إليه مرة أخرى، ولا يزال يقضي يومه في لعب الكارطة (الروندة) بمقهى “أرينا”، كما عاينت ذلك هسبريس بعد ثلاثة أيام من الحادثة، و”الواقع يجب أن يكون هذا الشرطي طريح الفراش في مصحة خاصة أو مستشفى متخصص”، يعلق مصدر قضائي.

واتهم المحامي الحو الطبيب بـ”مجاملة شرطي” بمنحه شهادة طبية مبالغ فيها، مع “العلم أن المتهم ينفي تعرض الشرطي للضرب ولا شهود يثبتون الواقعة، سوى شهادة طبية مزورة ألقت بمتهم بريء في غياهب السجن ظلما وعدوانا من قبل محاضر الشرطة المزورة والمصطنعة”، بحسب عبارة المحامي.

مرافعة الحو كانت عبارة عن جبل الجليد الذي كشف اتهامات أخرى للطبيب نفسه بـ”تزوير الشواهد الطبية”؛ إذ اتضح أن هناك مجموعة من “الضحايا” للشواهد الطبية الذين بدؤوا يلتئمون من أجل رفع دعوى قضائية ضد الطبيب “ع. م” الذي يشتغل بالمستشفى الإقليمي بسيدي قاسم.

وفي السياق ذاته، سبق للنائب البرلماني أحمد الهيقي أن وجه سؤالا كتابيا إلى وزير الصحة يوم 20 ماي المنصرم تحت إشراف رئيس مجلس النواب، حول موضوع تسليم الشواهد الطبية للعجز المبالغ فيها، وتساءل الهيقي عما “أصبح يعرفه قطاع الصحة بإقليم سيدي قاسم من مشاكل كثيرة، ومنها تسليم الشواهد الطبية للعجز التي لا يتم فيها تحكيم الضمير المهني، وخصوصا عندما تفوق هذه الشهادة 21 يوما وما تسببه من زج للمواطنين في السجن ظلما وعدوانا”.

وطالب النائب البرلماني عن حزب “البيجيدي”، من خلال السؤال الذي تتوفر هسبريس على نسخة منه، وزير الصحة “بوضع حل عاجل لهذه الظاهرة التي صارت تسبب العديد من المشاكل”، كما ناشد الوزير “بفتح تحقيق في هذه النوازل ومحاسبة كل من تورط فيها”، بتعبير السؤال الموجه إلى الوزير الوصي عن القطاع.

وأكد مصدر قضائي من المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم، في حديث مع هسبريس، أن موضوع تسليم الشواهد الطبية للعجز أصبح “يُحرج وكيل الملك والقضاة والمحامين وكل المنتسبين لقطاع العدالة في إصدار الأحكام”، مضيفا أن تسليم هذه الشواهد الطبية من طبيب محلف وبشكل مبالغ فيه “لا يقيم وزنا لتحقيق العدالة والحفاظ على روح القانون، بل يساهم في الشطط في استعمال القانون لجهة معينة على حساب جهة أخرى قد تكون في حاجة إلى الإنصاف”.

وتوصلت جريدة هسبريس بحكايات عن شواهد طبية لمن يطلقون على أنفسهم “ضحايا الشواهد المزورة” بسيدي قاسم، وسنكتفي بعرض حكايتين معززتين بمجموعة من الوثائق في أفق العودة إلى الموضوع وما يُنتظر أن يفرزه من تداعيات في علاقة الإدارة بالمواطن.

حكاية شهادة طبية تحكم على رئيس جماعة بثلاثة أشهر سجنا

يوم 16 من شهر شتنبر انتقلت سيدة تدعى “ز.م”، وهي عضو في جماعة بضواحي سيدي قاسم، إلى المستشفى الإقليمي بالمدينة، حيث منحها الطبيب “ع.م” 28 يوما نظير الجروح التي أصيبت بها في رأسها، وادعت أنها تعرضت للضرب من قبل رئيس الجماعة، وهكذا تقدمت السيدة بشكاية إلى المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم معززة بشهادة طبية وبعض الشهود، وحكمت المحكمة على رئيس الجماعة بثلاثة أشهر موقوف التنفيذ.

لكن “المفارقة التي لم تفطن إليها السيدة العضو”، بحسب تصريح أحد أعضاء الجماعة، أن السيدة المذكورة “لما ادعت أنها تعرضت للاعتداء من قبل رئيس الجماعة، ذهبت بها سيارة الإسعاف لأول مرة إلى المستشفى المحلي بمشروع بلقصيري وتم عرضها على الطبيبة “أ.أ”، وهكذا استصدر رئيس الجماعة قرارا من المحكمة الإدارية من الرباط لاستجواب الطبيبة عن حقيقة الجروح في الرأس التي ادعتها”.

وفي المحضر الاستجوابي الذي أجراه المفوض، أوضحت الطبيبة المشار إليها، وفق السجل الخاص بمسلك المعلومات بتاريخ 16 شتنبر من السنة الفائتة، أي تاريخ ادعاء الضرب المبرح على الرأس من قبل “الضحية”، أن السيدة “ز.م”، “قدمت حوالي الساعة الحادية عشر وعشرة دقائق صباحا وكانت في حالة صحية عادية وبشكل طبيعي وعاد والضغط 7/14 وضربات القلب 85 والأوكسجين 100/100″، فضلا عن ذلك أن الطبيبة لم تعاين أي جروح ظاهرة على السيدة “ز.م”، “بل كانت تشتكي من آلام في ظهرها، الشيء الذي طلبنا منها إجراء الفحص بالأشعة السينية بالمستشفى الإقليمي بسيدي قاسم، والكل بتاريخ 16 من شهر شتنبر 2016 حوالي الحادية عشر وعشر دقائق صباحا”، كما جاء في الوثيقة.

هذا ما جاء في شهادة الطبيبة من خلال محضر المعاينة، والسؤال: كيف حصلت السيدة المشار إليها على شهادة طبية مدة عجز فيها 28 يوما؟ وكيف حصلت لها هذه الجروح ما بين مشرع بلقصيري وسيدي قاسم؟ ومن اعتدى عليها ما بين بلقصيري وسيدي قاسم علما بأنها نقلت بسيارة إسعاف تابعة لجماعة الصفصاف؟

سائق سيارة الإسعاف “م.ر”، الذي نقل “ز.م” من مشرع بلقصيري إلى سيدي قاسم، أكد في اتصال مع هسبريس أنه لم يلحظ أي جروح على السيدة، وأضاف: “لقد نقلت الكثير من النساء والرجال عبر سيارة الإسعاف ولم يسبق لي أن نقلت أي امرأة مصابة في رأسها من بلقصيري إلى سيدي قاسم”.

حكاية شهادتين من 60 و40 يوما لموقوفين على ذمة التحقيق

لم يكن (م.أ)، البالغ من العمر 18 سنة، يتوقع أن يتعرض لاعتداء مساء 14 يناير لسنة 2017، حيث تعرض لطعنتين اثنين على مستوى الجهة اليسرى بمحاذاة القلب، وبقي ينزف في المستشفى الإقليمي، وبعد إخبار والده (ح.أ)، هرع الأب لحمل ابنه مباشرة إلى مستشفى الشيخ زايد بالرباط، ومنحت له شهادة طبية من قبل البروفسور عبد الله العباسي مدة العجز 50 يوما، وتم تجديد هذه المدة لـ35 يوما أخرى.

وفي مقابل ذلك، تم إلقاء القبض على المعتديين في حالة سكر طافح، كما هو مسجل بمحضر الشرطة، وتم اعتقالهما، وبعد فحص طبي بسيط تم منحهما وصفة طبية بسيطة للتخفيف من حالة السكر الطافح، وأن حالتهما لا تستدعي أي تدخل طبي، كما هو مسجل في محضر الشرطة أيضا.

وبعد ثلاثة أيام من الحادث، أي يوم 16 يناير من السنة الجارية، تم إخراج المتهمين من السجن ومنحهما شهادتين طبيتين من قبل الطبيب “ع.م”، واحدة مدة العجز 60 يوما لأحد المتهمين، وشهادة ثانية مدة العجز 40 يوما للمتهم الثاني في قضية الاعتداء بالسلاح الأبيض، كما هو مسجل في الشواهد الطبية من مستشفى الشيخ زايد.

وبتاريخ 19 يناير، تم نقل المتهم “ك.ب” إلى سجن وطيطة، فيما الثاني تم نقله إلى السجن المحلي بالقنيطرة، وهكذا تم إطلاق سراحهما يوم 01 فبراير 2017، بناء على الشهادتين الطبيتين “المزورتين”.

الأب تقدم بإجراء خبرة طبية ضد المتهمين، وهكذا تم قبول إجراء الخبرة بمدينة مكناس لدى طبيب مختص بعيدا عن المدينة؛ بحيث توصل المتهمان باستدعاء محرر من قبل مفوض قضائي، غير أنهما لم يذهبا عند الطبيب الدكتور عبد اللطيف منظور لإجراء الخبرة الطبية على “الجروح البسيطة”، كما هو مسجل في محضر الشرطة.

الطبيب عبد اللطيف منور قام بتحرير رسالة إلى القاضي المحرر عبد الرحمن الرباح تحت إشراف رئيس المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم، يخبر فيها بأن المتهمين لم يلتحقا بمصحته لإجراء الخبرة، وهكذا تمكن المعتديان من مغادرة السجن والمتابعة في حالة سراح، بحسب الرسالة التي وجهها أب الضحية إلى وزير العدل والحريات، بينما الشاب “م.أ) لا يزال يعاني إلى يومنا هذا، كما أكد والده الذي يشتغل بالسكك الحديدية في حديث مع هسبريس.

أب الضحية، أكد أن مجموعة من ضحايا “الشواهد المزورة” التي منحها الطبيب “ع.م” طفقوا ينظمون أنفسهم لفضح ومحاربة ما سموه بـ”لوبي الشواهد الطبية المزورة” بسيدي قاسم.

من يحمي لوبي “الشواهد الطبية المزورة” بسيدي قاسم

قال عبد النبي عيدودي، رئيس جماعة الحوافات، في تصريح لـهسبريس: “بصفتي الشخصية، وبعد الحكم علي بثلاثة أشهر بناء على شهادة طبية قدمها الطبيب “ع.م” بالمستشفى الإقليمي بسيدي قاسم للسيدة “ز.م” التي صرحت عبر تسجيل صوتي لها، وهو منشور على يوتيوب، بأنها تم توصيلها من طرف المسمى “ل. م” لصناعة وقائع غير حقيقية ضدي بالضرب والجرح، وبعد حصولي على شهادة طبية تثبت سلامة المدعية من أي ضرب أو جرح من مشرع بلقصيري، وهو ما يؤكد صحة تصريحاتها في التسجيل الصوتي، نريد معرفة من يحمي هذا اللوبي الذي يترأسه الطبيب “ع.م” ويقوم بصناعة شهادات غير صحيحة واستعمالها لأغراض سياسية أو مالية… ولديّ مزيد من الملفات التي تثبت تورطه، وسننتظم من أجل رفع دعوى قضائية ضده وفضح لوبي الفساد الذي ينخر الإقليم”.

واعتبر صبري الحو، المحامي بهيئة مكناس، أن “القانون جعل من مدة العجز في الشهادة الطبية سندا وأساسا لتكييف النيابة العامة للمتابعة، هل من أجل الإيذاء الخفيف أو من أجل الضرب والجرح، إذا تجاوزت نسبة العجز المؤقت عشرين يوما، أو حتى من أجل جناية الحرمان من منفعة عضو أحيانا أخرى”.

وأشار المتحدث، في تصريح لهسبريس، إلى أن “الخطير في الأمر أن هذه تقديرات الطبيب تغل وتقيد سلطة الملاءمة لدى النيابة العامة، وهذه الأخيرة تفضل الاعتقال عندما تلاحظ نسبة العجر مرتفعة؛ لأنها تفترض أنها صادرة من طبيب مؤهل ومختص، بالرغم من امتلاك وكيل الملك لآلية قانونية للكشف عن حقيقة العجز بواسطة خبرة طبية مضادة ومتابعة الطبيب بجريمة إصدار شهادة المجاملة إذا ثبت لديه أن الشهادة الطبيبة مضمونها المستدل به غير مطابق لحقيقة الإصابات”.

وأبرز المحامي أن “النيابة العامة لها دور محوري في حماية المجتمع والمشتكى به الذي هو جزء من هذا المجتمع، ولذلك يجب حمايته من اجتماع المشتكي والطبيب على الضلال تواطؤا بينهما ضد المشتكى به، وكم من بريء زج به في السجن بسبب شهادة طبية مزورة. وكم من ضحية أرغم على التنازل بسبب ادعاء خصمه تعرضه لإصابات غير صحيحة وقائمة بمقتضى شهادة مزورة”.

وخلص الحو، في اتصال مع هسبريس، إلى أن “الحل كامن في أن تُفعل النيابة العامة اختصاصها في معاينة الإصابات قبل تقدير المتابعة، وإحالة الأطباء المتورطين أمام القضاء لزجرهم، وأن تمارس هيئة الأطباء رقابتها على الأطباء المنضوين تحت لوائها، وأن تعهد مهمة إصدار شواهد العجز إلى هيئة محلفة من الأطباء تتكون من ثلاثة أطباء على الأقل”.