توطئة لا بد منها:

بادئ ذي بدء، لا يهدف هذا المقال إلى إطلاق أي حكم مسبق، وليس هناك أحكام نستند إليها في قضية “اختفاء” الكاتب الصحافي السعودي “جمال خاشقجي” في القنصلية السعودية في اسطنبول التركية، وهذا التريث ليس مجّانيا، بل تمليه أسباب ودواع موضوعية، مثل إعمال القاعدة القانونية “قرينة البراءة”، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، لذلك لن نتهم أحداً إلا المثقفين، ولن نتكلم في ما يروج من تهم في هذا الفسطاط أو ذاك وسلسلة التراشق الإعلامي، بخصوص قتل الكاتب وتقطيعه وما يروج من أشياء تبقى مجرد تخمينات ما دام لا شيء رسميا وموثقا إلى حد الآن مقابل تهم بالاستهداف وتشويه السمعة …

لكلا الطرفين ما يستند إليه في إطار الصراع التركي-السعودي من أجل زعامة العالم الإسلامي السُّنِّي، أو بشكل آخر الصراع الإخواني-العلماني بين المعسكرين، لكننا سنتطرق لواقعة “الاختفاء” بمعزل عن الاتهامات هنا وهناك بين اختطاف وقتل وتقطيع الخ، فهذه الأمور إلى لآن غير ثابتة، وإن ثبتت فستكون وبحقّ كارثة وجرحا غائرا في ضمير الإنسانية جمعاء… وما يزيد الجرح ألماً والمشهد قتامة والبؤس فظاعةً الصمت المريب إلى درجة الاستفزاز لمن يسمّون أنفسهم “المثقفين”.

دخل ولم يخرج:

سريعا ودون إسهاب ولا إطناب، بدأت الحلقة الأولى في هذا المسلسل بدخول الصحافي والكاتب المعارض “جمال خاشقجي” إلى مبنى القنصلية السعودية بإسطنبول، للحصول على وثيقة إدارية تمكّنه من الزواج بمن قيل إنها خطيبته التركية، هذا الدخول لم يعقبه إلى حد الآن خروج الرجل من ذلك المبنى، وهذا ما يمكن أن يتفق عليه العالم بأسره أنه اختفاء، وطبعا هذا الاختفاء لا شك أنه قسري، لأن الرجل جاء مرفوقا بخطيبته التي بقيت تنتظره خارج مبنى القنصلية، فعاينت دخوله، لكنها لم تشهد خروجه، لتقوم بتبليغ الصحافة التركية، ثم تنفجر القضية.

حرب إعلامية، حقوقية، دبلوماسية وسياسية ضروس:

بمجرد انطلاق الشرارة الأولى لهذا الحدث الغريب غير المألوف، بدأت وكالات الأنباء العالمية في نشر الخبر، وهو ما جرّ طرفي الأزمة (السعودية ومن معها في جهة، وتركيا ومن لفّ في لفّها من جهة أخرى) إلى الدخول في نفق أزمة سياسية ودبلوماسية تبدو سوداء، فالصحافة الموالية للسعودية ترى في الأمر محاولة لإحراج نظامها الوليد، وتشويه سمعتها والزّج بها في مواجهة مع العالم… وتتهم تركيا وقطر والإخوان المسلمين بالوقوف وراء هذه “المؤامرة”.

والطرف الآخر يتحدث عن سيناريو فيلم مرعب، فيه اتهامات بتعذيب خاشقجي وقتله وتقطيعه وإخفاء جثته، ودخلت المنظمات الحقوقية على الخط، فزادت من احتقان الموقف وحدّته، فاضطر معظم ساسة وزعماء دول العالم بضغط من الصحافة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية إلى الإدلاء بدلوهم من “ترامب” إلى “ماكرون”… غير أن الملاحظ مع الأسف هو أن الكلّ انخرط في حملة اتهام طرف أو نفي الاتهام عن الطرف الآخر، ولكن لا أحد اهتم بمصير بطل القصة، ولا مأساة عائلته…

وهذا أيضا يمكن تسميته بالمتاجرة الرخيصة بمصير إنسان رحمه الله سواء كان حيّاً أو ميتاً، ونتمنى أن يكون حيّاً، رغم أن توالي الأيام تعزّز فرضية موته… والله أعلم. ولا شك أن التطورات الحالية من قبيل دخول الأمم المتحدة على الخط، والمطالبات بلجنة تحقيق دولية، وتعيين عائلة المختفي قسراً لمحامي في الولايات المتحدة (مقر إقامة خاشقجي) لإقامة دعوى قضائية، وفتح المدّعي العام التركي لملف جنائي، ستعطي للأمر زخما كبيرا، دون إغفال الشهرة الكاسحة التي كان يتمتّع بها المختفي، وهو الصحافي الذي كان له عمود في كبريات الصحف الأمريكية والبريطانية، وكانت له علاقات متميّزة مع جهات نافذة في دوائر القرار في دول عديدة، بل كان له منصب سام سابقا في الدولة السعودية.

إنّي أتهم المثقفين العرب:

وأنا أتابع بنهم شديد تفاصيل وتراكمات اختفاء خاشقجي، والزّخم الذي تتخذه يوما بعد يوم مثل كرة ثلج تزداد ضخامة، وصل مداها إلى كبريات عواصم العالم، تذكّرت موقف “إيميل زولا”، وقولته “من واجبي أن أتكلم” في معرض رسالته الشهيرة بعنوان “إنّي أتّهم” الموجّهة إلى رئيس فرنسا آنذاك “فيليكس فور” التي نُشرت بجريدة “لورور” بتاريخ 13 يناير سنة 1898 دفاعا عن الضابط الفرنسي “ألفريد دريفوس” ذي الأصل اليهودي، حيث حُوكم ظلما بالتخابر مع ألمانيا وجُرّد من رتبته العسكرية علنا ونُفي إلى جزيرة “غويانا”، والتي أدّت إلى ظهور مفهوم “المثقف” بالشكل المتعارف عليه حديثا، كناقد اجتماعي وسياسي.

فالكلمة سلاح المثقف، وهي وسيلة فرض السلطة، هذه الأخيرة التي تُفرض أصلا وابتداءً بالقوة والإكراه، ولم يتكلم زولا رغبة في الكلام، بل من منطلق الشعور بالواجب… وقد جاء في رسالة زولا أيضا: “ما انتدبت نفسي للقيام به، إن هو إلا أداة ثورية لاستحثاث الحقيقة والعدالة على التحقق”. وهذا بالضبط ما يريده أي متابع لهذا الملف الشائك… لا شيء سوى الحقيقة والعدالة فقط لا غير… لا يهم الأشخاص ولا الدّول ولا صراع المخابرات… فقط الحقيقة وإنصاف أهل الصحافي المختفي…

نعم إنّي أتّهم المثقفين العرب تحديداً بالتخاذل والصّمت المريب، هناك إنسان مختف، وأنتم كمثقفين، كإعلاميين، كحقوقيين…. أين صوتكم؟ أين مواقفكم التي لا نراها أبداً في القضايا الكبرى؟ بل ولا نكاد نراها إلا في كل حدثٍ تافه؟ أذكّركم بما قاله مارتن لوثر كينغ: “إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في وقت المعارك الأخلاقية الكبرى”.

لا يكاد يمرّ يوم إلا وتتأكّد مقولة “موت المثقف” أو على الأصح “انتحاره”، فلتنعم أيها المثقف العربي حبيس برجك العاجي، لا تنزل منه، فالقضايا الكبرى لم تخلق لك، ابقَ يا صاح حبيس أشعارك ونثرك وكتاباتك… دع المواقف للرجال من مثقفي الغرب، وابك كالنساء مجدا لم تحافظ عليه كالرجال، فالمجد التليد الذي صنعه وخلفه إيميل زولا وأعطى به قيمة للمثقف كفاعل مدافع عن المظلومين، ومنخرط في هموم المجتمع، انقرض ومات، وبات يتطلب إحياءً، لكن مع المثقف العربي لا رجاءَ لنا في هذا الإحياء لأنه قد انعدم الحياء، ولم يبقَ أمامنا سوى البكاء كالنساء. فعلا الفرق بين العرب والغرب نقطة، لكنها نقطة بحجم السماوات والأرضين، شتان بين الثّرى والثّريّا. المثقف العربي لم يعد سوى طبّالا وزمّاراً، وطبعا لا يمكن للعاهرة الحديث عن الشرف، لأنها لا تملكه، وفاقد الشيء لا يعطيه، أنتم مدانون من شعر رؤوسكم إلى أخمص أقدامكم…

أتذكر بالمناسبة كلمة للدكتور “علي أومليل” مؤلف كتاب “السلطة الثقافية والسلطة السياسية” في ندوة له حضرتها بكلية الآداب بنمسيك يوم الأربعاء 17 أكتوبر 2018، وكان لي الشرف طبعا، وكان محورها الحديث عن النهضتين الأوروبية والعربية، إذ قال في ختام محاضرته القيمة إن النهضة العربية لم تتعدّ أنها كانت نهضة للغة العربية فقط لا غير، نهضة كان فيها تصوّر وافتراضات فقط، ولكنها لم تكن يوما ما واقعا وما نزال ننتظرها، على عكس النهضة الأوروبية التي انطلقت كواقع، ثم تبلورت كأفكار، والفرق بين الفريقين اليوم واضح وضوح الشمس في واضحة النهار، وهكذا يمكننا القول إن حال المثقف العربي الحالي هو أنه مجرد ظاهرة صوتية تظهر في برامج يؤدى ثمنها مسبقا، في مناسبات معينة، ليتم استغلاله كبوق لتلميع صورة ما أو تجميل وجه ما، بغرض تخدير الناس وتنويمهم مغناطيسيا…

ملاحظة لا علاقة لها بالمقال:

حادثة قتل أحد “المشرملين” وهو “مقرقب” لأستاذه ذي الأربعين ربيعا، كارثة لا تقل فظاعة عن قتل الشاب السلاوي أيام عيد الأضحى المنصرم، بل عن فاجعة وفاة حادثة القطار الأليمة … فقتل نفس مثل قتل ألف نفس… بتنا نعيش في غابة، ينقصنا فقط ماوكلي!!!