علي أنوزلا: مصطفى الرميد هو وزير دولة مكلف بحقوق الإنسان في ثاني حكومة يقودها الإسلاميون في المغرب. وبصفته هذه، يعتبر الرجل الثاني في الترتيب البروتوكولي، بعد رئيس الحكومة الإسلامي سعد الدين العثماني. وسبق له أن شغل منصب وزير العدل والحريات في الحكومة السابقة التي قادها أيضا الإسلاميون. وحتى قبل مشاركة حزب العدالة والتنمية (الإسلامي)، لأول مرة في الحكومة عام 2011، كان الرميد يوصف واحدا من “صقور” الحزب آنذاك عندما ترأس فريقه داخل البرلمان، وهو في المعارضة.
والرميد أيضا محام برز كثيرا في دفاعه عن الإسلاميين، سواء الذين كان يُشتبه في تورّطهم في تهريب السلاح إلى إسلاميي الجزائر المتطرفين إبّان العشرية السوداء هناك، أو من سمّوا “شيوخ السلفية الجهادية” الذين أدينوا بتوفير الغطاء الإيديولوجي لمنفذي الهجمات الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء عام 2003.
وداخل الحركات الإسلامية المعتدلة، عُرف الرميد بأنه كان صلة وصل بين “إخوانه” والسلطة بكل أجهزتها، فقد سبق له، هو نفسه، أن اعترف بأنه كتب بخط يده تقريرا عن الحركة الإسلامية في المغرب، وقدمه لإدريس البصري، وزير الداخلية القوي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. وحتى في عهد أول حكومة يقودها الإسلاميون في المغرب، ظل مصطفى الرميد صلة وصلٍ بين رئيس الحكومة الإسلامي عبد الإله بنكيران، و”دار المخزن” أو الدولة العميقة في المغرب التي لم يكن بنكيران يتوانى في نقد بعض رجالها.
وكان لافتا للانتباه مرافقة الرميد بنكيران، في أثناء تعيين الملك محمد السادس الأخير رئيسا مكلفا بتشكيل حكومته الثانية، قبل أن يتم إفشال كل محاولاته فيما سمي “البلوكاج الحكومي”، أي حالة الانحباس المفتعلة التي أدت إلى إقالة بنكيران، واستمرار الرميد في الحكومة، وهو الذي سبق له مرارا أن صرّح بأنه لا يرغب في الاستمرار في أي منصب رسمي، ورفض النزول إلى الانتخابات التشريعية، بدعوى زهده في المقعد البرلماني.
الحديث اليوم عن الرميد في المغرب مرتبط بتصريحاته المثيرة للجدل التي كشفت أن الرجل يمكن أن يكون هو ونقيضه في الآن نفسه، فهو كان مع “الملكية البرلمانية” وخرج في تظاهرات 20 فبراير/شباط المغربية (تعادل حراك الربيع العربي) رافعا شعارا يقول “لا ديمقراطية بدون ملكية برلمانية”، أما اليوم فهو من أشد المدافعين عن الملكية التنفيذية التي يسود فيها الملك ويحكم. وهو كان يُحسب من المدافعين عن حقوق الإنسان، حتى لو أن دفاعه اقتصر فقط على “الإسلاميين”، لكنه تحول اليوم إلى واحدٍ من أكثر المبرّرين للتدخلات الأمنية العنيفة ضد المتظاهرين السلميين. وفي أثناء وجوده وزيرا للعدل، وعد مراتٍ بفتح تحقيقات في العنف الذي كان يتعرّض له المتظاهرون السلميون، والادعاءات بالتعذيب الذي كان يزعم معتقلون أو مسجونون أنهم تعرّضوا له، لكن لم يظهر أي أثرٍ لأيٍّ من تلك التحقيقات التي كانت تترك لعامل الوقت، حتى يمحو آثارها الإهمال والنسيان.
وأكثر ما سيرتبط بمرور الرميد على وزارة العدل، ورئاسته النيابة العامة، تطبيعه مع الفساد وسكوته عن المفسدين، في وقتٍ كان يُزجّ فيه بفاضحي الفساد في السجون. أما التعديلات الذي أدخلها الرميد على القانون الجنائي المغربي، وكلفت خزينة الدولة المغربية ميزانية كبيرة فإنها اليوم من أسوأ التعديلات التي حوّلت القضاء المغربي إلى مجرد أداة للانتقام السياسي من كل معارض أو صاحب رأي مخالف.
كان الرميد في عيون كثيرين من أنصار حزبه رمزا للتصدّي لاستبداد السلطة، ومثالا للمناضل الصلب، وهو ما جعل رصيد شعبيته يرتفع داخل حزبه، حتى بات المرشّح الأوفر حظا لخلافة زعيم الحزب ورمزه الحالي، عبد الإله بنكيران، لكن إعفاء الملك الأخير وتعيينه سعد الدين العثماني الذي قبل بالشروط التي ظل سلفه يرفضها ستة أشهر سيتضح فيما بعد أن من زيّن للعثماني قبول شروط الدولة العميقة وأحزابها لم يكن سوى الرميد الذي لعب دور المتعهد فيما سيعتبر “انقلابا أبيض” ضد بنكيران، كشفه الأخير بنفسه، عندما تحدث عن المؤامرة التي حيكت ضده بمساعدةٍ من “أهل الدار”، وكان يقصد إخوانه في الحزب الذين انقلبوا عليه، بعدما أعفاه الملك من رئاسة الحكومة.
لكن الرياح لا تجري دائما كما تشتهي السفن، لأن “حراك الريف” الذي لم يكن في الحسبان، جاء ليحرّك المياه العميقة داخل المجتمع المغربي، ما جعل بنكيران الذي أعفي بطريقةٍ مهينة، وبتآمر، كما قال هو ، من “أهل الدار”، يجلس اليوم مرتاحا في بيته، وهو يتابع أقوى حراك اجتماعي يعرفه المغرب بعد حراك النسخة المغربية من الربيع العربي، وهو بعيد كل البعد عن شظاياه. ومع استمرار الحراك، وتأزم الوضع الاجتماعي والسياسي، بسبب نهج الدولة سياسة أمنية متشدّدة تجاهه، كان من نتائجها اعتقال عشرات النشطاء والصحافيين، وجدت الحكومة نفسها عاجزة عن تبرير منسوب العنف المتزايد الذي تواجه به مطالب حركةٍ اجتماعيةٍ سلمية، فما كان من الرميد، وهو الوزير المكلف بحقوق الإنسان داخل الحكومة نفسها، إلا أن صرح بأنه “وزير كل شيء ووزير لا شيء”، في إشارة منه إلى عجزه عن القيام بما تفرضه عليه مسؤوليته وزيرا مكلفا بحقوق الإنسان، في وقتٍ انتشرت فيه تقارير، يتحدث واحد رسمي منها عن تعرّض معتقلين من “حراك الريف” للتعذيب والمعاملة الحاطة من كرامتهم في أثناء فترات اعتقالهم.
وجديد إطلالات مصطفى الرميد الإعلامية كانت “بالون اختبار”، ألقى به في جو متوتر يُلمح إلى استقالته من الحكومة. لكن، كما هي عادته، ليست هذه أول مرة يلوح بها الرميد بالإستقالة، فقد سبق أن فعلها مراتٍ، عندما كان نائبا برلمانيا، وعندما كان على رأس فريق حزبه البرلماني وعندما كان وزيرا.. وفي كل مرة، كان الرجل يعود متشبثا بمنصبه، مدافعا عن تراجعه عن استقالته التي لم يفرضها عليه سوى نفسه، فخبر “الاستقالة” الوهمية لم يكن سوى محاولةٍ أخرى من الرجل للهروب بنفسه إلى الأمام من تداعيات المقاربة الأمنية التي تنهجها السلطة ضد “حراك الريف”، إذا لم تكن مناورةً أخرى منه، لاستعادة ما تبقى من رصيد شعبيته داخل حزبه، استعدادا لخلافة زعيمه الحالي بنكيران. وفي الحالتين، ستبقى الاستقالة الحالية مستحيلة مثل سابقاتها.