لا تدري نَفْسٌ متى تُعتقلُ غداً، ولا بأي تُهمةٍ تُحاكَم، وحدهم العليمون..نحن متأكدون فقط، من نزول القضاء ونسألهم اللطف فيه.

فقدرُنا مسطَّرٌ سلفا، ورقمُ زنزانتنا معروف، صورُنا من اليسارواليمين والأمامالتقطتْها عدسةٌ خفية ورُتبت بعنايةٍ في ملف خاص،الكتيبة التي ستتكلف بالإشادةبالقبض علينا أخذت مستحقاتهامسبقا، والبلاغ الذي ستنشره وكالاتُ الأنباء شبهُجاهز، ينقص فقط،نوعُ التهمة لينزل القضاء المقدر الذي ينعدم فيه اللطف.

إعداد التهمة المناسبة لمقاسك ولونِ عينيك ونبضِ قلمك، هوالإشكالُ الوحيد الذيقد يؤخر القضاء المنزل في دولة الحقوالقانون، التهمة تحتاج ترتيبا دقيقا، وتفكيراعميقا، وتخطيطامسبقا، وسيناريو مشوق ومتماسك في حبكته الدرامية..فبلدالإنصاف والمصالحة لا يقمع الحريات ولا يمنع الحق في الرأي ولايضع معارضيهداخل الأكياس في الظلام الدامس ويخفيهم عنالأنظار في المعتقلات السرية، بلدإصلاح العدالة يفضل القبضعليهم في الصباح الباكر، يَطرق بابهم بأدب، يمنح لهمالوقت لأخذحمامهم وفطورهم وتقبيل جبين من يحبون، ثم يأخذهم إلىالجحيم،بتهمة واضحة المعالم، ومعللة بالقرائن والأدلة وأدواتالجريمة، مع توفير كلالإكسسوارات الشكلية لتبدو المتابعة عادلة.

في بلد دستور الحريات، يمكنك النوم في أمان بعد أن تنشر علىحائطك حكمة عن الحرية، ويمكنك السير مطمئنا في درب ضيق بعدعودتك من وقفة تطالب بفصلحقيقي للسلط، ويمكنك تأمل البحربعد تحقيقك الصحفي عن التوزيع غير العادللثروات البلد، كما يمكنكشرب قهوة مع صديق في شرفة مشمسة بعد أن تنشر مقالاعنالربيع ..ففي الوقت الذي تنشغل فيه بالحلم أو بكتابة قصيدة حبفي الوطن،يكونون منشغلين بكتابة أخرى، كتابة السيناريو المحبكللتهمة.

التهمة.. مهمة صعبة، كلما علا شأنك في سلم الأخلاق والقيم،تعقدت مهمةحبكها..وكلما تشابكت علاقاتك، تأخرت العقدةالدرامية..وكلما اتسعت رقعة الأتباعوالمريدين والمعجبين، تطلبالأمر تهمة حقيقية من صنع يديك، لهذا يربطونشرايينك بجهازللرصد لضبطك متلبسا بخفقة قلب أو زلة لسان أولمسة زر أورسالةطائشة أورعشة محرمة أو بسمة على شفتيك وأنت تشاهدفيديو.

لن تنال أبدا شرف التهمة النبيلة، تهمة عشق الوطن والهيامبالحرية..فالتهمةالمناسبة للمطالبين بالكرامة يجب أن تكون مذلةومنحطة ومقززة وكريهة الرائحة،ومن الأفضل أن تحمل أثر الدم أورائحة الحشيش أو بقايا غبار حوافر خيولالقاعدة أو بقعة أحمرشفاه بائعة هوى..

والتهمة يجب أن تكون صادمة وفضائحية ومتعددة الوظائف، لايكفي أن تدينفقط المتهم البريء، بل من الأفضل أن تدمر الصورةالأخلاقية لمهنته النبيلةأوحركته الاحتجاجية أوحزبه السياسي أوهيأته الحقوقية.. تأملوا معي هذا«الكاطالوغ» المتنوع من التهم،وتأملوا وقعها الساحر على الرأي العامتهمة الزنىلفنان منالعدل والإحسان في بيت للدعارة، تهمة المتاجرة في الكوكايينلنقابييدافع عن العمال الفقراء في شركة نافذة، تهمة بيعالحشيش لناشط في 20 فبراير،تهمة النصب لمدير نشر جريدةمزعجة، تهمة الضرب لحاقد على الوضع، وتهمةالإرهاب لصحفييطالب بالديمقراطية

تأملوا الذكاء في حبك التهم، رسالتها المشتركة هيلاتصدقوهم، ولا تلتفتوالهذيانهم، إنهم مجرد صعاليك وحشّاشينوإرهابيين وقُطَّاع طرق.

* نشر في موقع “اليوم24” في 26 شتنبر  2013