كان لِأحد أباطرة الصين الأقدمين قصرٌ عظيم، اِمتزج فيه خيال الإنسان الباني والصّانِع والمُبدِع مع ثراء الطّبيعة، المُتمثِّل في الحدائِق المُزهِرة الّتي تمتدّ إلى ما لا نِهايَة، صوْب النّهر الكبير والغابة، ثمّ البحر.

وفي أسافل القصر، على جنبات النّهر الكبير، المُحاط بِالأشجار الضّخمة، كان يعيش بُلبُل رائِع الصوت، لا يبخل على أيّ مار مِن هُناك، أو مُستقِرّ، بِغِنائِه، صباح مساء..كان يُسعِد صيّاد السّمك، ويؤنسُه في صمتِه ووَحدتِه، وكان يطير صوْب الحطّاب العجوز، يُغنّي له أعذب الألحان، ليُقوي مِن عزيمتِه في مواجهة مُتطلّبات الحياة؛ وكان يدنو مِن الرّاعي، حتّى يكاد يحُطّ على كتِفيه، فيَشرع في الغِناء، ويَرتفِع صوْتُه أكثر وأكثر كلما أخرج هذا الرّاعي نايَه، ورافق غِناء البُلبُل..وبِاِختِصار، كان بُلبُلا لا يُفكِّر سوى في إسعاد الآخرين، مِن بسطاء النّاس، الّذين لا يلتفِت إليهم أحدٌ؛ خُصوصا في إمبراطورية شاسِعة لا يعتد شعبُها بِغيْر الإمبراطور وحاشيَته، والساموراي والفُرسان وأغنياء التُّجّار.

اِستهوَى قصر الإمبراطور أغنياءَ العالم، وكُتابه وشُعراءه، فراحوا يتوافدون عليه لِمُشاهِدة عجائبِه عن قُرب؛ كيْف لا وقد بُني كُلُّه بـ”البورْسُلين” الرّفيع، واِشتملت حدائقه على ملايين الزّهور المُختلِفة الأشكال والألوان.

كان الزّوّار، بعد الاِنتِهاء مِن زيارة القصر العظيم، ينحدِرون عبر حدائِقِه، وصولا إلى ضِفاف النّهر، الّذي يخترِق الغابة، ليُفضي إلى البحر؛ ما إن يصِلوا موْطِن البُلبُل، في أعالي الأشجار، حتّى يستوقفهم بِصوْتِه العذب وغِنائِه الرّائِع، الّذي لا يُمكِن أنّ تواصل سيْرك أو شُغلُك وأنت تستمِع إليِه. يتوَقّف الزّوّار مليّا ويُردِّدون كُلُّهُم:

ما أروَع هذا القصر، لكِنّ روْعته دون روْعة غِناء هذا البُلبُل.

كُلّ الكُتُب التي كتبت عن فخامة وعظمة قصر الإمبراطور تنتهي بِعِبارة: لكِنّ غِناء الهزار قُرب الوادي أُجمِل مِن القصر.

ذات يوْم جلس الإمبراطور في الشُّرفة المُطِلّة على الحدائِق، وبيده كِتاب يقرؤه؛ كان هديّة مِن إمبراطور اليابان، وموْضوعُه طبعا القصر الفخم؛ ما إن اِنتهى إلى عِبارة: لكِنّ غِناء البُلبُل أفضل مِنه، حتّى انتصب واقِفا حائِرا؛ ما يكون هذا البُلبُل الّذي أصبح يعرفه العالم كُلُّه، إلا هو؟..كيْف يكون منّ رعيْتي، ويَعرفُه مُلوك العالم وأنا لا أعرفُه، ولا سبق أنّ حدّثني عنه وُزرائي وخدّامي؟.

نادى الإمبراطور بِحِدّة على كبير وُزرائِه؛ وهو شخصٌ معروف بِعجرفتِه الكبيرة، واِحتِقاره لِلنّاس، مِن الخاصّة والعامّة..اِسمع يا كبير الوُزراء، يقول الإمبراطور، عليك بِهذا المواطِن الّذي يُسمّى “البُلبُل”؛ اُحضره مِن تحت الأرض أو مِن السّماء.

خرج كبير الوُزراء وهو لا يلوي على شيْء، وفي أثرِه فِرقة جُند وفرِقة خدم، وشرعوا في البحث عن مواطِن اِسمِه: البُلبُل..ساروا في المُدُن والحارات والأزِقّة؛ وطُرقوا الأبواب، وهيجوا العامّة في الأسواق، وفي فمِهم سُؤال واحِد:

مِن يعرف المُغنّي الّذي يُسمّى البُلبُل؟ لا أحد يعرف؛ إذن هو الفشل الذّريع في المُهِمّة، وهذا يعني غضب الإمبراطور؛ وكبير الوُزراء أوّل مِن يعرف مذاق هذا الغضب.

في المساء، وبعد أن أخبره كبير الوُزراء بِفشلِه في مُهِمّتِه، جمع الإمبراطور كبار رجال دوْلتِه، وهو غاضِب، وبِمِزاج حادّ جِدّا خاطبهُم بِكلِمات مُختصرة:

العالم كُلُّه يعرف مُغنّيا مِن رعيتي يُسمّى البُلبُل، وأنا لا أعرفُه، وأنتُم لا تعرُفونه. ما هذا الهُراء؟ إن لم يُكن بيْن يدي هذا المساء، سأفرِش ممرّات القصر بِأجساد كُبّارِكُم، وأترُك جميع الخدم يدوسون عليها بِأقدامِهم.

في ثقافة الصين القديمة تعتبر هذِه الإهانة أشد مِن القتل؛ ولِهذا سرت في كبار الضُّبّاط والوُزراء روح قِتاليّة، فهبّوا لِحلّ هذا المُشكل العظيم الّذي يُؤرِّق الإمبراطور، ويوقِف كُلّ عمل بالإمبراطورية.

بعد بحث دقيق وأسئِلة تفصيليّة لِكُلّ مِن بِالقصر والحدائِق والوادي والغابة؛ ها هي فتاة هزيلةٌ جِدّا، تشتغِل مُنظِّفة في مطابِخ القصر، تقوُّل: ومن لا يعرفُ البُلبُل ذا الصّوْت العذب، جِوار الوادي؟.

كانت لها أم مريضة تقطُن في كوخ بِمدخل الغابة، وقد دأبت المُنظِّفة على جمع بعض فُتات الموائد، تحمِلُه إليها خلسة كُلّ مساء؛ وعلى عادة البُلبُل مع كُلّ الضّعفاء، ما إنّ يراها حتّى يُمتّعها بِألحانِه وزقزقته، يظلّ هكذا جِوار الكوخ إلى أنّ تمضي.

أكملي، أكملي، يقول أحد الوزراء، ثُمّ يستدرِك: لا لا وقت لنا لِسماع ترهاتك؛ أيْن يوجد هذا الّذي تُسمينه البُلبُل؟.. تُعالوا معي.. هكذا يتبعُها كبار رجال الإمبراطورية إلى مشارِف الغابة، حيْث البُلبُل؛ ما إنّ رآهم حتّى اِعتلى غُصنا، وبدأ ينظُر إليهم مندهشا، لِأنّه لم يألف رُؤيَة غيْر الضّعفاء والفقراء في هذا الرُّكن القصيّ مِن حدائِق القصر.

يُخاطِبُه كبيرهُم: إذا كُنت أنت البُلبُل الّذي يتحدّث عنه كُلّ العالم، فإن الإمبراطور في اِنتِظارِك.

يرُدّ البُلبُل: لعلّكُم أخطأتُم العُنوان، فأنا مُجرّد طائِر يواسي الفقراء؛ ومِن المحال أن يكون الإمبراطور على عظمتِه بِحاجة إلى خدماتي الغِنائيَة.

وبعد جدل يقول: طُيِّب فما دامت هذِه هي رغبة الإمبراطور، فسأُغنّي له هذا المساء. عودوا الآن واُخبروه، واعلموا أنني ألتزِم بِوُعودي.

فرِح الإمبراطور، وأعطى أوامره لِتجهيز قاعة الفرح بِالكراسي، وباقات الزُّهور. ووُجهت الدّعوَة إلى كبار الدّوْلة لِحُضور الحفل الّذي سيُحييه بُلبُل الغابة.

وكذلِك كان، فما إنْ اِمتلأت القاعة بالمدعوين، وفي صدارتِهم الإمبراطور بِكُلّ حاشيَتِه؛ حتّى رفرف طائِرٌ صغير الحجم، رماديّ اللّوْن، فوْق رُؤوس الجميع، وكأنّه يُحيّيهم؛ ثُمّ حطّ فوْق الغُصن الذّهبيّ الّذي أعدّ له في مكان بارِز، وشرع في الغِناء بِكُلّ عفويّة طُيور الغابة.

بعد همهمات البِدايَة ساد صمت سحريّ، حتّى تخال أنّ القاعة فارِغة.

اُستمع الحُضور لِساعات، وما ملّوا، ولا تعِب البُلبُل.

ما إنّ تغيّرت نبرة الغِناء حتّى التفت الجميع جِهة الإمبراطور، المعروف بِقسوَتِه، فوَجدوه يبكي بِدُموع حارّةٍ، تنهمِر على خدّيِه.

بعد إشارة مِن الامبراطور توقف البُلبُل عن الغِناء.

دوّى تصفيق حادّ في القاعة، حتّى كاد البلبل يموت رُعبا، مُعتقدا أنّهُم يُريدون بِه مكروها.

اطمئِنّ اطمئِنّ يا بُلبُل، يقول الإمبراطور، نحن نحتفي بِصوْتِك الشّجيّ وموسيقاك العذبة. أريد أن أُجازيَك عظيم الجزاء، فما هي رغباتك؟.

يا صاحب العِزّ، يقول البُلبُل، لقد حصلْ؛ لقد جازيْتني بِدُموعِك، حينما انهمرت على خدّيِك. هذا كافّ ليَجعلُني أعتزّ بِفنّي، ولا حاجة بي لشيْء آخر. ثمّ ودع وعاد من حيْث أتى.

هكذا بدأت عاطِفة الإمبراطور تلين، وسنّ عادة الاِستِماع إلى غِناء البلبل، مرّة في الأُسبوع.

وبعد هذا تطورت الأُمور الى اِحتِجاز البُلبُل في قفص ذهبيّ، لِكي لا يُغنّي لِغيْر الإمبراطور.

كان هذا مِن تدبير كبير الوُزراء، لِأنّه يكره الشّعب، ولم يستسِغ أن يُغنّي البُلبُل لِلنّاس؛ خُصوصا وقد أصبحوا يتقاطرون عليه، مِن كُلّ حدب وصوْب، ليَستمِعوا إلى روْعة الغِناء، الّذي أبكى حتّى إمبراطورهم.

لم يقو البُلبُل على حياة الأسر داخِل القصر، ولِهذا اِحتال خلال أُمسيّة غِناء، ففرّ ولم يعد يظهر أبدا؛ لا في القصر ولا في مكانِه المعهود.

عاد الإمبراطور إلى سالِف غضبِه؛ خُصوصا وكُلّ مجهودات البحث عن البُلبُل باءت بِالفشل.

اجتهد بعض دُهاة الإمبراطورية ليَجِدوا حلّا، يُريحهُم مِن غضب الإمبراطور، وعلى رأسِهم كبير الوُزراء..اِهتدوْا إلى صِناعة بُلبُل مِن الذّهب ورصعوه بِكُلّ الجواهِر الثّمينة. وقد تفنن الصُّنّاع حتّى أوجدوا آليّة، ما إنّ تتحرّك حتّى تصدِر غِناءً يُشبِه غِناء البلبل.

في البِدايَة فرح الإمبراطور بِالتُّحفة، واِستمع إليِها مِرارا؛ لكِنّها لم تحُرك عاطِفته، ولم تُثِر فيه شجوَنا ولا بُكاء. على أيّ اِنتهى البُلبُل المصنوع مُلقًى بِه عرض الحائِط في نوْبة غضب إمبراطوري.

ومِن شِدّة حُزن الإمبراطور على بُلبُل الغابة، دخل في مرحلة كآبة خطيرة، اِنتهت بِه مريضا يحتضِر.

كان كُلّ من حوْله يتعجّل نِهايَتُه؛ بل اِستقدموا حتّى ولي عهده الّذي سيخلفُه.

هو الآن مُسجّى بارِد الجسد ولا أحد يقترِب مِنه.

فجأة رفرف في الغُرفة البُلبُل الهارِب، واِنتحى جانِبا وبدأ يُغنّي.

يُغنّي ويُغنّي إلى أنّ بدأ جسد الإمبراطور يتململ في فِراشِه.

هاهو يتحرّك، وهاهي الحياة تدبّ فيه. يواصِل البُلبُل الغناء، وقد تُحلِّق حوْل الإمبراطور كبارُ رجال دوْلتِه؛ لمّا تناهى إليهم ما يحدُث.

ها هو الإمبراطور ينهض واقِفا، مُعافى تماما، ورغم ذلِك لم يتوَقّف البُلبُل.

ما كان مِن الإمبراطور إلا أن أُجهش بِالبُكاء.

بكى وبكى حتّى أُشفق عليه البُلبُل فتوَقِّف عن الغِناء.

اِنحنى كبار رجال الدّوْلة للإمبراطور، العائِد مِن موْت مُحقِّق؛ ولمّا وجه كلامه الأوّل لِلبُلبُل شاكِرا له صنيعه ومُساعدته، طُلب مِنه هذا الأخير ألا يتحدّثا إلا على اِنفِراد.

ولمّا كان له ما أُرادّ، بِلمح البصر، قال مُخاطبا الإمبراطور:

يا صاحِب العِزّ أنا لا يطيب لي مقام غيْر الّذي أنا فيه، بِالغابة؛ خُلقت لِأُسْعِد التّعساء مِن رعيّتِك، وهُم كثيرون، ووزراؤك لا يُخبرونك أبدا عن أحوال رعيّتِك، كما هي.

ولِهذا إن أذِنت لي سأظلّ أرفرف وأُغنّي لِلتّعساء والفقراء، في الأكواخ والبساتين والغابات؛ وفي كُلّ أُسبوع آتيك بِأخبارِهِم؛ على أن يظلّ هذا سِرّا بيْني وبيْنك.. وأُعاهِدُك، إن قبِلت هذا، ألا أتوَقّف أبدا عن خِدمتِك.

ومضى البُلبُل في مهامه الإمبراطورية النّبيلة والصّادِقة، فتغيّرت أحوال النّاس، وانحسر الفقر والمرض.

ومِن جِهة أُخرى وقف الإمبراطور على الكثير مِن الفساد في إمبراطوريته، فاُستبدل الوُزراء وحُكّام الوَلايات، وصارت إمبراطوريتُه مِن أُعظم إمبراطوريات الصين القديمة.