بعد ثلاثة أشهر من انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسًا، شهدت العاصمة الفرنسية باريس، في الثاني عشر من سبتمبر الماضي، أول مظاهرات حاشدة للتنديد بتعديلات قانون العمل الذي تم تمريره في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، ما يثير التساؤل حول قدرة الرئيس الجديد على الاستجابة لطموحات الفرنسيين المرتفعة وأملهم فيه.

ويبدو أن ماكرون كان مطمئنًا لتراجع التأثير التقليدي للأحزاب الجماهيرية (حزب الجمهوريين والحزب الاشتراكي)، خاصة بعد فوز حزبه “الجمهورية إلى الأمام” بأغلبية مقاعد مجلس النواب. لكن الاستقطاب الرئيسي في المجتمع الفرنسي أضحى ذا طابع فئوي اجتماعي وليس حزبي أيديولوجي مع انتقال الحركة السياسية وأدوات الحشد في الجيل الحالي إلى الشارع وقوى “المجتمع المدني”.

ومن شأن التظاهرات التي شهدتها فرنسا -مؤخرًا- أن تلفت نظر الرئيس الفرنسي وحكومته إلى التحديات الداخلية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) التي تواجههما، وأن تذكر ماكرون أن كثيرًا من الفرنسيين قد صوتوا له لا عن اقتناع، بل لقطع الطريق أمام مرشحة اليمين المتطرف “مارين لوبان” لمنصب الرئاسة.

استقطاب مجتمعي

ما بين عشيةٍ وضحاها، أدرك ماكرون أن التحدي الرئيسي أمامه يكمن في استقطاب المجتمع الفرنسي من قبل قوى ذات ثقلٍ في المجتمع المدني، أو من قبل تجمعات فئوية. فاعتمادًا على ما هو مذكور في برنامجه الانتخابي، قامت جمعيات أهلية ونقابات عمالية، مثل: الاتحاد العام للعمل، والتضامن الديمقراطي الموحد (نقابة للتجاريين)، بالخروج في مظاهرات متفرقة للتنديد ببرنامج الرئيس الجديد.

وفي مواجهة هذا التحدي، ركز ماكرون على تسليط الضوء على الركائز الوطنية المشتركة التي تجمع الفرنسيين كلهم، وضرورة الخروج من الانتماءات الضيقة. وفي هذا الشأن، قام بإطلاق مبادرة “تخليق” الحياة السياسية؛ لكي يوحد الفرنسيين تحت مبادئ القومية المشتركة ومفهوم “الوطن”، وذلك اتساقًا مع وصفه لذاته بـ”القومي التقدمي”.

لكن لا تزال المبادرة في مراحلها النظرية، ولا نستطيع دراسة مدى نجاحها في الوقت الحالي. كما أن الأحزاب التقليدية تمارس نوعًا من الاستقطاب المضاد بإعادة الترويج للأيديولوجيات القديمة؛ كوسيلة لاسترجاع قواعدها المفقودة.

إن تحدي “الاصطفاف الوطني” يتطلب فترة زمنية طويلة يرافقها إنجازات ملموسة بصورة منتظمة، الأمر الذي يضع الرئيس الفرنسي بشكل مستمر في ضغط لإثبات الذات أولًا أمام ناخبيه، وثانيًا أمام معارضيه.

تحدي قانون العمل

يأتي ملف تعديلات قانون العمل على رأس التحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية التي تواجه ماكرون، حيث اعتبر محللون فرنسيون التعديلات مقياسًا لمدى قدرته على إحداث تغيرات جذرية دون فقدان قواعده الشعبية. وحفاظًا على تأييده بين الناخبين أبقى الرئيس على بعض بنود هذا القانون دون مساس، مدركًا أن التغيير الجذري في مثل تلك المسائل الحساسة قد تكون له عواقب وخيمة على ولايته الثانية، حيث أبقى على عدد ساعات العمل الأسبوعية والمقدرة بـ35 ساعة دون زيادة، والاحتفاظ بالحد الأدنى للأجور، وكذلك الاحتفاظ بسن المعاشات وإعانات البطالة بدون تغيير.

لكن التغيير طال آليات التواصل بين أصحاب الأعمال من جهة والموظفين والعمال من جهة أخرى. فقد شجعت التغييرات المفاوضات الجماعية الداخلية داخل الشركات، والتي تتيح لمديري الشركات ومجالس الإدارة التواصل مباشرة مع الموظفين والعمال فيما يتعلق بالرواتب وظروف العمل وغيرها، دون الحاجة للرجوع للنقابات والتجمعات العمالية في كل خطوة.

وفي الواقع، تنبع أهمية هذا التحدي في الأساس من مساس تلك التعديلات بقطاع واسع في المجتمع الفرنسي، ألا وهو موظفو الشركات الصغيرة والمتوسطة. فمن المعروف أن 96% من تلك الشركات لا يتواجد بها مقرات لنقابات عمالية أو مهنية. ووفقًا للتعديلات يقوم مندوب معين من خارج النقابات بمفاوضة صاحب العمل على المسائل العالقة، أو يقوم هذا الأخير بمبادرة منه بتنظيم استفتاء داخلي لحسم تلك المسائل.

وقد مثّلت نتائج استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل إقرار التعديل جرس إنذار للحكومة الحالية بتوقع 65% من المستجوبين أن تقوم تلك التعديلات بإضعاف دور النقابات بشكل كبير. ولهذا كانت التجمعات العمالية والنقابات المهنية قوى الحشد الرئيسية في التظاهرات الأخيرة بزعامة فيليب مارتينيز أمين عام نقابة “الاتحاد العام للعمل”. وقد استغل “جان لوك ميلونشون” -أحد مرشحي اليسار في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية- هذه التظاهرات للتنديد بـ”الليبرالية المتوحشة” للرئيس الجديد، واصفًا إياه بتفضيل مصالح أرباب الأعمال على الفئات الأخرى.

وفي مقابل بعض التحليلات التي تُشير إلى أن “قانون العمل” يشكل التحدي الأهم للرئيس ماكرون، يرى جان دانيال -مؤسس هاريس إنترأكتيف لاستطلاعات الرأي- أن المظاهرات المعارضة للتعديلات في القانون تُعتبر الأضعف منذ فترة طويلة؛ لغياب البديل السياسي. كما أن خطاب ماكرون المليء بالوعود ينجح في أحيان كثيرة في جذب تأييد شريحة كبيرة في المجتمع التي تنتظر أي تحسن في معدلات البطالة المرتفعة في فرنسا، حيث أكد أن التعديلات تهدف إلى تزويد الشركات بالمرونة، وتشجيعها على التوظيف لتقليص معدل البطالة من 9.5% إلى 7.8%.

وفي حقيقة الأمر، فإن هدف تلك التعديلات الأساسي هو معالجة نسب البطالة المزمنة في فرنسا التي تقترب من 10%، في حين تبلغ في ألمانيا 3.9% و8% كمتوسط في القارة الأوروبية. وتعامل ماكرون مع هذه المسألة بالذات جاء حاسمًا وسريعًا وبعيدًا عن القنوات البرلمانية، حيث كان يخشى تعطيل مجلس النواب لمثل تلك التعديلات، مفضلًا مواجهات ساخنة وقصيرة الأمد مع المجتمع المدني عن مواجهة طويلة الأمد وبطيئة الوتيرة مع الأحزاب في البرلمان.

إرهاب متصاعد

منذ يناير 2015، كبدت الهجمات المتفرقة التي تشنها خلايا تنظيم “داعش” فرنسا خسائر بشرية تُقدر بـ239 ضحية. ووفقًا لمارك هيكر -خبير العلاقات الدولية بالمعهد الفرنسي- فإن التنظيم لا يُخفي رغبته المعلنة في تهديد التماسك الوطني في فرنسا لا سيما بين المسلمين وباقي الفرنسيين. ولهذا يشكل التحدي الأمني ضرورة قصوى طالما استمرت داعش في التمدد في بلدان جنوب المتوسط، وطالما ظلت فرنسا على رأس الدول الأوروبية المصدرة للمقاتلين في سوريا والعراق. ويزيد من تعقيد هذا التحدي عدم ألفة ماكرون مع مثل هذا النمط من التحديات، فبصفته رئيسًا للجمهورية يجب عليه الإلمام أيضًا بمهامه كقائد أعلى للقوات المسلحة حيث الأخطار الأمنية الداخلية والخارجية.

بالإضافة إلى أن مشكلات الإرهاب وما خلّفته من آثار مدمرة على استقرار الشرق الأوسط قد نتج عنها ظاهرة اللجوء والهجرة غير الشرعية. ومقاربة ماكرون في التعامل مع تلك المسألة يختلف عن اقتراب اليمينيين المتطرفين الذين يسعون لإغلاق الحدود، وتضييق حالات اللجوء، حيث فاز في الانتخابات بخطاب وسطي يؤمن بمسئولية فرنسا التضامنية. ولهذا فقد أوصى بضرورة وجود مساكن آمنة لاستقبال حالات اللجوء الطارئة، منوهًا إلى أن معاملة المهاجرين في الشهور الأولى لوصولهم للأراضي الفرنسية “غير آدمي”.

ويعمل ماكرون على ثلاثة أصعدة لمواجهة هذا التحدي، هي: بناء مساكن للطوارئ، وتسريع إجراءات طلبات اللجوء، وأخيرًا إعادة اللاجئين غير الشرعيين لبلادهم بطريقة كريمة. ويواكب ذلك إرسال مهمات إنسانية لإعادة إعمار ليبيا وسوريا حتى يتم إثناء من ليس لهم حق اللجوء عن الهجرة غير الشرعية. وما بين سندان الاحتواء ومطرقة القبضة الأمنية، يجد الرئيس الفرنسي نفسه أمام تحدٍّ بالغ التعقيد.

عرقلة بيروقراطية

يجد الرئيس الفرنسي بعض الصعوبات في التعامل مع بيروقراطية بعض المؤسسات التي اعتادت نمط عمل معينًا تحت الحكم اليميني أو اليساري الفرنسي الذي دام طويلًا. بالنسبة لماكرون “أن تحكم هو أن تتوقع”، وفي المقابل فإن البيروقراطية الفرنسية -من وجهة نظره- تأخذ جانب رد الفعل لا التوقع الاستباقي، لهذا فإنه دعا وزراءه لعدم تكبيل مشاريعه الطموحة بتمسكهم بالركود والبطء الإداري الذي اعتادت عليه المؤسسات الفرنسية.

ولم يقتصر تحدي المؤسسات الداخلية على بطء الإجراءات في البيروقراطية الفرنسية فحسب، بل وصل الأمر لصدام مصالح بين الرئيس وبعض المؤسسات العريقة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية الفرنسية. فرغبة منه في تخفيض الإنفاق الحكومي، قام الرئيس الفرنسي بتقليص مخصصات وزارات عديدة، حيث شكل نصيب وزارة الدفاع ووزارة الخارجية 47% من هذا التخفيض، بواقع 1.4 مليار دولار. وقد ترتب على استقطاع 850 مليون يورو من ميزانية وزارة الدفاع وحدها استقالة رئيس الأركان بيير دو فيلييه في التاسع عشر من يوليو الماضي.

وإلى جانب استقطاع المبلغ السابق، تم تجميد صرف 2.7 مليار يورو، مما يشكل حوالي 10% من الميزانية العامة للقوات المسلحة الفرنسية. ولهذا، رأى القادة العسكريون أن تصرفات الرئيس تتعارض مع الأولويات التي سبق وأعلن عنها في خطابات عديدة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، وتنشيط الدبلوماسية الفرنسية.

وفي الواقع، لا يتمثل التحدي في إمكانية معارضة العسكريين لمثل هذه القرارات في ظل تمتع الجيش الفرنسي بدرجة عالية من الاحترافية وعدم انخراطه في السياسة، إنما يتمثل في الصدام مع شركات السلاح والنقابات المهنية. فلكي تعوض المؤسسة العسكرية المبالغ المستقطعة مع الحفاظ على نفس مستوى كفاءة التسليح والتدريب، فسوف تقوم الإدارة العامة للتسليح بالتفاوض مرة أخرى مع كبرى الشركات لتخفيض أسعار الأسلحة والمعدات. ويشكل هذا بدوره أزمة لتلك الصناعات التي توظف ما يقرب من 165 ألف عامل في الأراضي الفرنسية، ما سيدفعها لتخفيض الرواتب أو تسريح بعض الموظفين للاستجابة لانخفاض السعر المطلوب.

الخلاصة، انتقلت التحديات في فرنسا من أروقة البرلمان والغرف المغلقة في مقرات الأحزاب إلى الشارع والمؤسسات القادرة على الحشد الجماهيري والفئوي. ويرجع ذلك لغياب البديل الحزبي الذي يثق فيه الفرنسيون، والذي إن شكل عنصر قوة لإيمانويل ماكرون إبان الانتخابات، إلا أنه قد يشكل أيضًا عنصر المعارضة الرئيسي لفترة حكمه. ولهذا فإن الرئيس الفرنسي أمام تحدٍّ شبيه بما قاله الرئيس البوسني على عزت بيجوفيتش: “إذا كان من الممكن استلام السلطة بالوعود، فإن الحفاظ عليها لا يكون إلا بالنتائج”.

*مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة