جمال الهاشمي : وأنت في سيارتك متوقف في الإشارة الحمراء، قد يباغتك طفل أو يافع وهو يرش الزجاج الأمامي للسيارة بمحلول معين يشفطه بعدها، مقدما لهذه الخدمة لِقاء ما قد تجود به من درهم أو اثنين، في ذات إشارة المرور الحمراء، تقع عينك أو قد يقف بجوار نافذة سيارتك رجل أو امرأة من إخواننا الأفارقة جنوب الصحراء، يستمطر عطفك بكلمات عربية دارجة تلُوكها بصعوبة ألسنة إفريقية ذات لهجات غير عربية، في نفس تلك النقطة قد تلاحظ وتسمع امرأة شابة في الغالب، وهي تلتحف إضافة إلى عباءتها  لحافا يغطي رأسها، وهي تذكرك بلهجة أشقاء لنا لم نكن نسمعهم ونشاهدهم إلا عبر الشاشة في مسلسلات سورية استعذبها خاصة نساؤنا ذات يوم، وهي تستذر كذلك عطفك بلهجة شامية لطيفة.

كل هذا فضلا عن الأنماط التقليدية القديمة للتسول على قارعة الطرقات، كمن يستغل عاهة مستديمة – حقيقية أو مصطنعة- لاستدرار العطف، وليس انتهاء بمن يبدو بكامل صحته وهو مواطن مغربي كامل الحقوق، لكنه اضطر للتسول أو لعله يتخذه حرفة مربحة.

المشهد الثاني

وأنت في المسجد قد أتيت لتطرح أثقالك وأعباء هذه الدنيا بين يدي خالقك، أو ربما تكون ممن اتخذ التردد على المسجد عادة أكثر منه عبادة، وأنت على تلكم الأحوال في المسجد، بعد أن تكون صادفتك وأنت داخل إليه امرأة تفترش الأرض بمحاذاة بابه تحتضن رضيعا- قد يكون طفلها وقد لا يكون- تطلب هي الأخرى وتستدر العطف وتدغدغ عواطف المصلين عسى بعضهم يجود عليها بدريهمات تسد بها حاجتها ومن تعول، كما تقول.

وقد تجد في الجهة المقابلة من الباب رجلا أو امرأة يفترشان الأرض ويضعان بالقرب منهما وصفة دواء رثة وعلبة دواء قديمة أو أكثر، وربما وثيقة أخرى لأداء بعض مصاريف الاستشفاء، يطلبون بكل ذلك عون المصلين بالمال.

هنا قد تصادف غالبا امرأة سورية أو رجلا من ذات البلد، قد يصلي بجوارك وربما عائلة بكاملها من الشام، أو إفريقيا جنوب الصحراء، وبمجرد ما يتلفظ الإمام بالتسليمة الأخيرة يبدأ بعرض حاجته ويطلب مساعدة المصلين، هذا بينما تصدح جنبات المسجد بوابل من العبارات والجمل والطلبات تتضارب بين صياح الباعة الجائلين معلنين أثمان الخضر والفواكه وبعض المعروضات الأخرى بأعلى ما تحتمله حناجرهم من أصوات مكررة ومزعجة، وبين تلك الفئات الأخرى التي تكون أقل حدة معبرة عن مدى الانكسار والاحتياج ونبرات الصوت المؤثرة.

المشهد الثالث

وأنت في الشارع العام تمضي لقضاء بعض مآربك أو فقط للتمشي، لابد أن تصادف أشكالا وألوانا من التسول، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر، رجل يفترش الأرض ويمد قدمه المصابة بمرض جلدي أو جرح قديم متعفن  بشكل خطير يطلب بدوره المساعدة، والغريب أنه ورغم خطورة ذلك الجرح المتعفن فقد تعتاد على رؤية ذلك الشخص نفسه لشهور وربما سنوات، بينما هو لازال على نفس الوضع والحال، فلا هو كف عن عادته ولا جرحه برئ، والتساؤل المشروع والمنطقي، هو كيف  لهذا الشخص أن يخفى على المسؤولين والسلطات المحلية.؟؟

مع استمرارك في السير

فقد تكتشف مظاهر أخرى عديدة للتسول، والذي بدأ يعرف تنوعا ملفتا ببلادنا، حيث قد تبصر إضافة إلى ما سبق عائلة بأكملها يبدو أنها سورية وهي تحمل لافتة صغيرة وقد كتب عليها “عائلة سورية من بلاد الشام تطلب المساعدة”، بجوار هذه العائلة أو ليس بعيد عنها، قد تبصر أيضا امرأة سوداء البشرة، وهي تحمل طفلا رضيعا على ظهرها وتطلب المساعدة هي الأخرى.

إضافة إلى كل تلك المظاهر الجديدة والحديثة بشوارعنا، فلا شك يصادفك ذلك الأسلوب القديم في التسول كمن يقصدك بكل أدب وتودد وربما بملابس نظيفة يطلب بعض الدراهم كمساعدة لتوفير تذكرة السفر على أساس  أنه غريب عن المدينة، لكنك قد تصادفه في ذات المكان بعد أسبوع وهو بعد يطلب ثمن تذكرة السفر.

وإذا ما تعبت من المشي ومن تلك المشاهد المؤسفة، فقد تجنح إلى الراحة وبعض الهدوء في إحدى المقاهي أو النوادي، وما إن تلتقط أنفاسك حتى تقصدك فتاة في مقتبل العمر أو امرأة أو شاب فيمدك بورقة صغيرة وقد وزع نسخا منها على كافة طاولات المقهى، وقد كتب عليها بخط رديء أنه: ” شخص معاق وعائلته فقيرة وأمه مطلقة وله سبعة إخوة وليس لديه عمل ويطلب المساعدة” وغالبا ما تُرد له الورقة دون أن يمده أحد بدرهم واحد، على غرار أغلب الناس، فكيف سيؤمن هذا حياته لو كان صادقا.؟؟

وبعد ترادف كل تلك المشاهد، وقد أتعبت نفسك وأرهقت جسدك، تقصد أقرب بيت من بيوت الله لتتوضأ وتطرح عنك بعض ما قد ناءت به نفسك، فتجد في باب المسجد وفي محيطه صورا مما أسلفنا تصويره من مشاهد في هذا المقال، وبعد الصلاة وأنت خارج قد تصادف مشاهد أكثر، فلا تجد نفسك إلا وقد حِرت لمن تمد ذلك الدرهم أو الدرهمين، وقد لا تفعل من أصله، فبقدر ما زادت هذه المشاهد وما يُروى عن أبطالها، بقدر ما فُقدت الثقة ولم تزد القلوب إلا تحجرا وقساوة على الغير، خاصة أن المسؤولين عن هذه الفوضى الاجتماعية لا يأبهون بعد ولا يفكرون في حلول جذرية للمعضلة، فكأني بالمغرب والمسؤولون يتشدقون أنه أصبح جاذبا للاستثمارات وملتقى للثقافات، وقد أصبح إضافة إلى ذلك ملتقى للتسول المتعدد التقنيات والجنسيات والعابر للثقافات والدول والقارات.