بقلم : عبد الغني قادم استاذ باحت

صدر أخيرا تقرير “لمعهد الموارد العالميةworld ressources institute” صنف المغرب ضمن 27 دولة مدرجة على قائمة البلدان التي تعاني “أزمة مائية حرجة”. (high level of water stress).

وكشف ذات التقرير أن ربع سكان العالم في 17 دولة بينها الهند والسعودية وباكستان وليبيا يعانون من أزمة مائية خطيرة (Situation critique). التقرير الدولي ذاته صنف المغرب ضمن الخانة الحمراء لأكثر الدول التي تواجه مستويات عالية من الضغط على الموارد المائية، والمهددة بالجفاف وشح المياه مستقبلا، وضعه في «الرتبة الـ12 عربيا والـ22 عالميا».

هكذا معطيات ليست مفاجئة بالنسبة للمهتمين بمناخ المغرب وموارده المائية وكذا العارفين بتداعيات التغيرات المناخية (إجهاد حراري، عجز مطري …)… فالجفاف يعتبر ظاهرة بنيوية (phénomène structurel ) يتسم بها مناخ المغرب حيث تشير العديد من الدراسات والتقارير الى أن المغرب عرف خلال القرن الماضي أكثر من عشر فترات جفاف رئيسية، تمثلت في تراجع المواد المائية السطحية و نضوب مياه العيون والآبار، مما انعكس سلبا على الإنتاج الزراعي والحيواني والغطاء النباتي.و يعزى السبب في تكرار وتوالي ظاهرة الجفاف على المغرب إلى الموقع الجغرافي الذي يحتله؛ إذ يشغل حيزاً بين خطي عرض 21 و36 درجة إلى الشمال، حيث يخضع لتأثير نوعين من التيارات الهوائية الباردة، منها ما هو قادم من الجزء الشمالي للمحيط الأطلسي، و الآخر قادم من الصحراء فيكون حاراً وجافاً، وبالتالي حدوث ظاهرة الجفاف.

إلتصاق ظاهرة الجفاف بالمغرب ليس وليد اليوم بل عهد منذ القدم على الرغم من كون الكتابات والمصادر التاريخية تركز على فترات الجفاف ما بعد منتصف القرن الثامن عشر، لعل أبرزها على سبيل المثال ”تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب” لمحمد أمين البزاز …مجاعات وأزمات زعزعت كيان البنى الاجتماعية و الاقتصادية والديموغرافية.. وسببت في حدوت هزات سياسية بالمغرب كما يشير لذلك أحمد بوشارب في بحت موسوم ب ”أزمة الضمير المغربي” يكشف فيه كيف ساهمت الكوارت الطبيعية من بينها الجفاف إلى جانب الأزمات السياسية في تدهور الأوضاع بالمغرب والتمهيد لإحتلال بعض الثغور المغربية.

فبالرغم من كون المغرب نهج سياسية مائية واضحة منذ فجر الاستقلال ابرز تجلياتها سياسة السدود التي ساهمت الى حد ما في تأمين الحاجيات من الموارد المائية … أصبحت التحديات تزداد حدتها نظرا للتطور الديموغرافي والعمراني وكذلك النمو الصناعي الذي تعرفه المملكة. تحديات تفرض على المغرب اعادة النظر في تطوير نجاعة سياسته المائية لمواجهة العجز والإجهاد المائي le stresse hydrique الذي بدأت تظهر معالمه في بعض المناطق من المغرب مؤخرا خصوصا في ما يتعلق بالماء الصالح للشرب.

مراجعة السياسة المائية كذلك يجب أن تعيد النظر في الاختيارات الاقتصادية للملكة والتي يمكن صياغتها على شكل تساؤلات كالآتي : هل يعقل في بلد يعاني من الجفاف والعجز المائي أن تظل الفلاحة على رأس الأولويات القطاعية ، والتي تستهلك أزيد من 80 % من الثروة المائية !! نفس التساؤل ينطبق على القطاع السياحي الذي تحتاج بنيته التحتية لموارد مائية مهمة ( ملئ المسابح، سقي ملاعب الكولف..)

فيما يتعلق بالفلاحة ولتوضيح أكثر للمفارقة بين وضعية الموارد المائية المتسمة بالشح ووضعية الإنتاج، نشير الى مفهوم البصمة المائية l’eau virtuelle ou l’empreinte de l’eau والذي يعني حجم الماء الذي يحتاجه انتاج منتوج معين ( كيلوغرام واحد من الفواكه يحتاج الى 962 لتر ). هنا نترك القارئ يتخيل حجم الماء الذي تحتاجه زراعة (البطيخ الأحمر ) الدلاح بمنطقة جافة مثل زاكورة !!!! بصيغة أخرى ماهي كمية الماء التي يصدرها الماء الى الخارج بمفهوم البصمة المائية ( تصدير كيلوغرام من الطماطم يعني تصدير 900 لتر من الماء ) … فهل اصبح منطقيا أن يستمر المغرب في التركيز على تصدير ثرواته المائية في ظل عجز أصبحت تتسع معالمه وتزداد حدته؟؟

الجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي يحذر فيها تقرير أممي من أزمة مياه مرتقبة في المغرب خلال الأعوام المقبلة، أبرزها تقرير منظمة الأغذية والزراعةط(FAO) التابعة للأمم المتحدة والبنك الدولي، والذي كشف أن ندرة المياه في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ضمنها المغرب، يمكن أن تكون عاملاً له تداعيات مقلقة على الإستقرار…