ابراهيم أقنسوس: ما دمنا نؤكد على الاختيار الديمقراطي في دستورنا، ونؤشر عليه في خطاباتنا، وتحرص كل الأطراف على الانتساب إليه، فيجب إذن أن نكون مهيئين جميعا للتخلي عن كل أشكال العنف، والتخلص من كل تجلياته المادية والمعنوية.

إن الإعلان رسميا عن الاختيار الديمقراطي، بل وعن الانتقال الديمقراطي، يعني مباشرة ارتفاع كل مظاهر العنف، وانتفاء كل ألوان الشطط في استعمال القوة والسلطة، فلا معنى للإعلان عن الانخراط في المسار الديمقراطي مع الإبقاء على التصرفات، والتوصيفات، والتصنيفات، والمصادرات الفكرية والسياسية نفسها.

إن تنزيل الاختيار الديمقراطي التزام جماعي، ومسؤولية مشتركة تهم الجميع ولفائدة الجميع، وتعني في النهاية مصلحة الوطن، فما علاقة الاختيار الديمقراطي بكل هذا العنف البلاغي والرمزي والمادي الذي يتخذه الكثيرون وسيلة لفض الخلافات الفكرية والسياسية، وطريقة للتخلص من المنافسين والمزعجين.

إن للاختيار الديمقراطي مقتضيات واضحة تمشي في واقع الناس والحياة، أميز منها في هذا المقال ما يلي:

أولا: ارتفاع العنف بكل أشكاله وتجلياته، المادية والمعنوية، الظاهرة والباطنة، السرية والعلانية، فالديمقراطية تعني أولا عودة الهدوء، الهدوء الذي يعني عودة العقل، والانتصار لصوت الحكمة والمنطق والمنهج، وليس الهدوء الذي يسبق العاصفة، فلا عاصفة أقوى من الإساءة، وإدامة الإساءة للوطن والمواطنين، الديمقراطية تعني وضع القطار على سكته، والتخلص من كل المشوشات والمغمضات والأحكام الجاهزة، لا علاقة للديمقراطية بالرغبة المحمومة في تصفية المخالفين، وفي النكاية بهم، وفي التخلص منهم، وإلى الأبد.

ثانيا: انطلاق النقاش الفكري الحر والحقيقي، واحتدام السجال النظري العلمي المثمر والمفيد للوطن وقضاياه، وبمشاركة الجميع، وانخراط الكل على قدم المساواة في عرض البدائل، وابتكار الحلول، وصياغة المشاريع، وإعداد البرامج، في جو يسوده التنافس الحر والقوي والشفاف الذي لا يريد في النهاية إلا الوطن، وتأتي الانتخابات بعد خمس سنين لتفرز الأجود والأنجع من البرامج والمشاريع المعروضة، ومن أي طرف كان.

هكذا يكون الإعداد السليم والعادي لما يسمى بمحطة 2021؛ فالديمقراطية تعني في النهاية فوز الوطن، لا فوز حزب بعينه ضدا على آخرين، ولا فوز جهة بعينها ضدا على أخرى، أو أخريات، ولا فوز للوطن إلا بعزائم صادقة، وإلا ببرامج واقعية تنتشله من براثن الجهل والمرض، والاستئثار بالثروة والسياسة، والتخلف بكل ألوانه.

المطلوب الآن، العودة إلى الهدوء، ونبذ كل أشكال العنف، هذا أولا، والبقية تأتي.