امتلأت الخطب الملكية هذا الموسم بالتشريح الدقيق للوضع الاجتماعي للبلاد، والنقد الحاد للإدارة العمومية، والجلد للمؤسسات السياسية، أحزابا ومنتخبين. وتزاحمت الأفكار، وتعددت الآراء، فسالت الأقلام، وتبللت الصحف، واشتعلت المواقع الإلكترونية، وارتجفت القلوب لدى البعض، وشُدت الأعناق إلى السماء تنتظر الزلزال السياسي المنتظر.

فإذا زلزلت الساحة السياسية زلزالها إن اقتضى الأمر كما قال جلالة الملك، فهل ستحل الحكومة؟ أم يحل البرلمان وتعاد الانتخابات من جديد؟ أم تحل الأحزاب ونذهب إلى حكومة تكنوقراطية خالصة لا يشوبها شائب من السياسي الذي لم يعد مقنعا خطابه أو النقابي الذي نكس في الخلق رمزيته؟.

تلك الواقعة إذا ما وقعت، وإذا ما زلزلت الساحة السياسية، فهل فعلا يختفي برنامج التنمية القديم ويندرس إلى الأبد، وينفتح أمامنا برنامج تنمية جديد كما يناشد جلالته جميع الفاعلين من حكومة ومنتخبين ومسؤولين إداريين إعداده وتنزيله؟ وهنا نتساءل أي برنامج تنموي يريده جلالة الملك للبلاد؟.

من خلال الخطب التي اطردت بين الناس، وتواترت بين المواطنين، يمكن رسم خمسة مرتكزات للبرنامج التنموي الجديد الذي ابتغاه الملك لشعبه.

المرتكز الأول: برنامج يجعل الشباب في صلب اهتماماته، ومن أولوياته خلق فرص الشغل وتمكين الشاب من استكمال دراسته أو الدفع به إلى مراكز التكوين التطبيقي والتأهيل المهني ليسهل عليه ولوج سوق الشغل .. خلق الفضاءات السوسيورياضية ودور الشباب والثقافة ضرورة مجتمعية لا بد من العمل على توفيرها؛ مع تمكين الشباب أيضا من الولوج إلى المرافق الصحية مجانا.

المرتكز الثاني: برنامج يركز على تغيير العقليات وتأهيل المجتمع؛ وذلك بخلخلة الفضاء العمومي قليلا أو زلزلته كثيرا ليفتح الباب أمام الشباب في الإعلام الرسمي بدل الوجوه القديمة التي لم تعد تتجاوب وحاجيات الشباب في النقاش العمومي.

المرتكز الثالث: برنامج يؤهل الإدارة العمومية ويبسط المساطر ويسهل عملية الولوج للمرتفقين؛ إذ كثرت الوثائق والملفات التي تواجه المواطن عند ولوج أي مرفق، والتي يجب القطع معها وتسريع وتيرة الإجراءات الإدارية لدى جميع القطاعات الحكومية.

المرتكز الرابع: برنامج يربط المسؤولية بالمحاسبة. وهنا يقول جلالته إن زمن التساهل ولى ولا بد من ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهنا يبرز دور المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات المركزية والقضاء في تحقيق وتنزيل البرنامج التنموي الجديد.

المرتكز الخامس: برنامج يمتاز بالسرعة في التنفيذ والنجاعة في التطبيق والحزم في التتبع والمراقبة. ولتحقيق ذلك لا بد من تحديث الإدارة وتأهيلها ومراجعة المساطر التقليدية والانفتاح على عالم الرقمنة داخل جميع المرافق العمومية.

تبقى هذه المرتكزات الخمسة، حسب رأيي، ضرورية لوضع معالم البرنامج التنموي الجديد.. برنامج ينطلق من رؤية ملكية ذات نظر ثاقب ومقاصد جليلة وغايات مجتمعية سامقة وجب على الفاعلين، حكومة ومنتخبين، وشبابا ومثقفين، التقاطها من أجل طَي مرحلة التواكل والبدء في مرحلة التفعيل والتسريع والضبط والنجاعة.

م.ا.هـ