وأنا أعيد النظر في بعض أوراقي المدرجة في ملفات مختلفة، وقـفت عند هذه الورقة التي تسجل انطباعاتـي عن رحلة علمية قمت بها إلى المكتبات الإستنبولية، وسعـدت فيها بالتعرف إلى علماء وأدباء أتراك عشقوا اللغة العربية فأتقنوها وأنجزوا مؤلفاتهم بها، واعتنوا بالمراكز الثقافية التي تحظى فيها اللغة العربية بعناية خاصة، إضافة إلى إشرافهم على أطاريح جامعية عن الفكر الإسلامي والأدب العربي باللغة العربية.

ولعل ما يبعث على الاعتزاز بهذه المراكز الثقافية أنها تضم عددا كبيرا من المؤلفات المغربية في تخصصات مختلفة، وقد أبدى قـيّم مكتبة مركز البحوث الإسلامية اهتماما بما يحبره الكتاب المغاربة في الأدب والفكر الإسلامي، منوها بجهودهم في كل وقت، وأعـتـقـد أن تشريع تدريس اللغة العربية اليوم بالمدارس التركية يؤكـد ما للغة العربية من إشعاع وحضور كلغة عالمية.

1 ـــ منذ أن زرت مدينة إستانبول في رحلات استطلاعية سنتي 2007 و2010، وأنا أُمَنِّي النفس بزيارة علمية لمكتباتها وجامعاتها، وقد سنحت الفرصة لذلك، في أيام معدودات قضيتها في رحاب مؤسسة علمية راقية، تقع في إستانبول الآسيوية وهي مركز البحوث الإسلامية (ISAM). وقف الديانة التركي ومقر جامعة 29 مايو الحديثة، فللمركز الشكر على حسن استقباله وجميل ترحيبه.

ضاحية أوسكودار أو المنطقة الآسيوية الإستنبولية تتربع على الضفة الآسيوية من إستانبول عند مضيق البوسفور، تمتاز بهدوئها وروائها ونظافة شوارعها، وهي من الأراضي الأناضولية التي استوطنها المسلمون القادمون من الأناضول بعد أن تم فـتحها من طرف السلطان أورخان غازي بن عثمان بن أرطغل ثاني سلاطين الدولة العثمانية عام 752 هـ / 1352م، تحدث عنه ابن بطوطة في رحلته عندما زار بلاد الأناضول فقال: “إنه أكبر ملوك التركمان، و أكثرهم مالا وبلادا وعسكرا”، واتسع عمران منطقة أوسكودار فاستقر المسلمون بها في عهد السلطان محمد الفاتح سنة 885هـ / 1480م، ولعل أهم ما يلفت النظر والزائر ينتقل من إستانبول الأوروبية إلى إستانبول الآسيوية (أوسكودار) الجسر المعلق الذي يمتد على طول 1076 مترا، وهو رابع جسر معلق في العالم تم بناؤه سنة 1973، وأطلق عليه اسم جسر محمد الفاتح اعتزازا به فاتح المدينة المستعصية إستانبول / القسطنطينية أو الآستانة، وليشهد بعظمة هذا الفاتح موحد ممالك الأناضول ومؤسس المعاهد والمدارس، فقد كانت له عناية بالعلم والعلماء، وبالبناء والتشييد وبالمنشئات العسكرية وغيرها، حضوره التاريخي على كل لسان في هذه المدينة العملاقة التي يشعر فيها المرء بعبق التاريخ الإسلامي فواحا أينما تنقل وحــطّ رحله.

قضيت أسبوعا ممتعا لذيذا بأوسكودار، في مركز البحوث الإسلامية حيث جامعة 29 مايو حديثة النشأة ــ وقد أطلق عليها هذا الاسم تيمنا بتاريخ فتح إستانبول عام 856 هـ / 1453 م من طرف السلطان محمد الفاتح ــ حيث كانت اللذة والمتعة في المكتبة العامرة التي تضم أزيد من 300 ألف كتاب باللغات التركية والإنجليزية والعربية، وهي مكتبة نفيسة لا يمكن لزائر هذا المركز العلمي إلا أن ينوه بالجهود التي يبذلها القائمون عليه لإرضاء طموحات الباحثين على اختلاف أصنافهم وتوجهاتهم، وعلى التقنيات الحديثة التي يوفرها المركز لرواده من مختلف أنحاء البلاد التركية.

ومركز البحوث الإسلامية منشأة وقفية (ISAM) أسست من “قبل وقف الديانة التركي”، وفي هذا الإطار يقوم المركز ببحث التراث العلمي التاريخي للعالم الإسلامي مستخدما المنهجية العلمية، وينظم اجتماعات ويقوم بنشرات علمية بغية مناقشة ومقاسمة الحصيلة المعرفية التي ينتجها على الصعيد الأكاديمي ويحاول بذلك توصيلها إلى قطاعات واسعة، كما جاء في كلمة الأستاذ الدكتور علي بارداق أوغلو، رئيس الشؤون الدينية رئيس هيئة المتولين لوقف الديانة التركي، في النشرة التي يصدرها المركز، إنه مؤسسة علمية رائدة في البلاد التركية.

لقد تأسس وقف الديانة التركي سنة 1975 لدعم الخدمات التي توفرها رئاسة الشؤون الدينية التركية (وهو ما يوازي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب فيما يظهر)، ومنها إصدار موسوعة إسلامية معتمدة على التأليف، وذلك في إطار أنشطته العلمية المتواصلة داخل تركيا وخارجها. ولهذا الغرض تأسست الإدارة العامة للموسوعة الإسلامية التابعة لوقف الديانة التركي في إستانبول سنة 1983. وبعد فترة إعداد دامت خمس سنوات، بدأ صدور الموسوعة في شهر نونبر 1988.

كما قرر الوقف تأسيس مركز البحوث الإسلامية الذي عرف اختصارا بـ (ISAM) والذي باشر أعماله في مبنى الإدارة العامة للموسوعة الإسلامية سنة 1988. وفي سنة 1993، دمجت هاتان الهيئتان تحت مؤسسة واحدة سميت مركز البحوث الإسلامية لوقف الديانة التركي (ISAM) وأسندت مهمة إعداد الموسوعة إلى هذا المركز، كما ورد في نشرة المركز التي زودني بها نائب مدير المركز، وهي باللغة العربية.

وتذكر نشرة المركز أنه تأسس سنة 1988 “للمساهمة في تنشئة الباحثين في مجال العلوم الإسلامية، وتهيئة إمكانيات المكتبة والتوثيق، وتنظيم الاجتماعات العلمية، ودعم مشاريع البحث، والقيام بنشر الأعمال العلمية وعلى رأسها الموسوعة الإسلامية التي بدأ الإعداد لنشرها قبل تأسيس المركز وإصدار المجلات العلمية” (من كلمة رئيس المركز الدكتور محمد عاكف آيدين في نشرة المركز).

واليوم، سنة 2012، تكون الموسوعة الإسلامية قد استوفت أربعين مجلدا في طباعة أنيقة فاخرة-ذكرني الاطلاع عليها بمعلمة المغرب التي تعد موسوعة مغربية رائدة-وكما تذكر نشرة المركز فالموسوعة “تغطي فراغا مهما في مجال النشر الموسوعي للثقافة الإسلامية”. وللإشارة، فالموسوعة باللغة التركية، لذا، يذكر رئيس المركز، فإن التفكير في ترجمتها إلى اللغتين العربية والإنجليزية وارد فيما بعد.

سبق لي منذ سنوات أن شاركت بالكتابة في هذه الموسوعة الإسلامية بطلب من المركز للتعريف بشخصيات علمية مغربية، عن عبد العزيز الفشتالي في العدد 13 الصادر سنة 1996، وعن عبد الله كنون في العدد 25 الصادر سنة 2002، وعن إبراهيم الرياحي في العدد 35 الصادر سنة 2008، وعن عبد العزيز الثعالبي في العدد 36 الصادر سنة 2009. وتمت ترجمة تلك المقالات إلى اللغة التركية من طرف المركز.

وعلى الرغم من أن معرفتي بالمركز كانت من خلال مراسلات علمية، فإنني لم أكن أفكر في زيارته أو الاتصال بأحد المسؤولين عنه لمعرفة ما تم بشأن إدراج مقالاتي في الموسوعة، إلى أن يسّر الله تعالى زيارة هذا المركز والاطلاع على أنشطته وعلى الموسوعة الإسلامية التي سعدت بالكتابة فيها منذ مدة طويلة.

يضم مبنى المركز أجنحة عديدة، أهمها جناح المكتبة، وجناح مكاتب الأساتذة الذين يعملون بالمركز، وجناح الكلية الجديدة التي تم إنشاؤها منذ سنتين وتحمل اسم جامعة 29 مايو كما سبقت الإشارة في هذا المقال، وتضم كلية الآداب وكلية الفلسفة وكلية عالمية للعلوم الإسلامية، وهي تحضر الآن طلبتها لنيل شهادة الإجازة في التخصصات السابق ذكرها.

كما يضم المبنى جناحا إداريا فخما لمكاتب الإداريين، دون أن أنسى مبنى دار الضيافة الذي يتكون من أربعة طوابق: الطابقان الأولان للمطعم الذي يستقبل الطلاب والأساتذة والباحثين ومختلف الزائرين لتناول وجبات الغذاء فقط، والطابقان الآخران لإقامة الباحثين الضيوف القادمين من مدن تركية وغيرها. أما الحديقة، فهي رئة المركز الذي يجد زواره في هوائها وطيب رائحتها متنفسا للاستراحة عند ممراتها وبين ظلالها وعريشها، فهي مستراح المركز الذي يمكن اعتباره ملتقى للباحثين لنقاش مثمر أو للتعرف إلى بعضهم في كل وقت وهم يتناولون كؤوس القهوة أو الشاي أو غيرهما من المبردات.

وأثناء زيارتي استقبلني أول الأمر الأستاذ الدكتور إبراهيم أرطغرل بوينوكالن، الباحث في الفقه الإسلامي والمسؤول عن العلاقات الخارجية للمركز، في مكتبه التحفة الذي يضم ذخائر من الكتب والموسوعات باللغة العربية مما يبعث على التعرف إلى باحثي المركز وأساتذته ومكتبته التي ستغريني زيارتها على التزود من معين محتوياتها من الكتب والموسوعات والمجلات والدوريات.

كما زرت الأستاذ الدكتور طونجاي باش أوغلو، نائب رئيس المركز، الذي حدثني عن الموسوعة الإسلامية وعن الندوات التي يقيمها المركز، وعن العلاقة العلمية التي تربط المركز بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، مشيرا إلى أن ندوة علمية سبقت إقامتها بالرباط شارك فيها بعض أساتذة المركز، كما أنه بصدد تهييئ ندوة علمية دولية عن الحوار والتسامح بين الأديان والحوار بين الحضارات في السنة القادمة سيستدعى لها بعض أعضاء الرابطة، مؤكدا الرغبة في توثيق العرى العلمية بين الباحثين المغاربة والإستنبوليين في مستقبل الأيام.

بعد ذلك، كانت قبلتي المكتبة العامرة التي شدّتني البناية العصرية إليها قبل أن يشدني ما تحويه وتضمه من نفائس الكتب والمطبوعات والموسوعات العالمية، بهرتني بناية المكتبة المتربعة في قلب المركز والجامعة، قد تقضي بها اليوم كاملا دون أن تشعر بالضيق أو التعب، فكيف إذا كنت سترتــوي من معين لا ينضب ومن عناية لا يمكن الحديث عنها بكلمات مختصرة، فمحراب العلم مقدس في هذه البناية الشامخة، والحريصون عليه وخدامه لا يفتؤون يقدمون الخدمات للباحثين الذين يؤمونها من مختلف المدن التركية ومن مختلف الجامعات.

ولعلها فيما يبدو من أكبر المكتبات في تركيا، فهي تفتح أبوابها من الساعة التاسعة صباحا إلى الحادية عشرة ليلا دون توقف، ناهيك عن اشتغالها طول الأسبوع دون توقف، وفي أيام الأعياد أيضا، فقد صادف وجودي بهذا الكلية يوم 30 غشت وهو يوم عيد النصر على اليونان سنة 1922 ـــ بقيادة العسكري مصطفى كمال أتاتورك الذي سيقود الثورة ضد آخر سلاطين العثمانيين ويؤسس الجمهورية التركية سنة 1924ــ وعرفت ذلك عن طريق الصدفة، فالمكتبة مفتوحة في وجه العموم، لكن الرايات الوطنية التي ترفرف في باب المركز وفي الشوارع كانت مبعث السؤال، كما أن غياب الإداريين يؤكد أن اليوم عطلة، خلافا لموظفي المكتبة الذين يواصلون عملهم بالتناوب، سواء كان اليوم عطلة أو يوم عمل، وتأكد لي بعد السؤال أن اليوم هو يوم عطلة رسمي احتفاء بعيد النصر كما سبقت الإشارة.

تضم المكتبة ثلاثة طوابق مجهزة بأحسن الوسائل الحديثة للبحث والدرس، أهمها الحواسيب التي ترشدك إلى مبتغاك من المؤلفات التي رصّـت بشكل بديع في رفوف عديدة تحيط بأطراف الطوابق، كما تتوفر أجهزة المكتبة على خدمات الأنترنيت في كل وقت، وما يثير الانتباه هو حرص المكتبة على تقديم خدمات موفقة للباحثين والباحثات الذين واللائي يحضرون ويحضرن شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، كما أن المكتبة تعنى بروادها الباحثين بتوفير سبل البحث وأهمها تخصيص مقاعد خاصة بكل واحد في إطار مكتب صغير في الجانب الأيسر للطابق الأرضي عليه اسم الباحث أو الباحثة؛ إذ بإمكان صاحب هذا المكتب أن يترك أدواته وكتبه ومتعلقاته وكأنه في مكتب بيته، مع ما يسعف من أدوات الإضاءة الخاصة وغيرها. أما الجانب الأيمن لهذا الطابق الأرضي فيضم الصناديق التي يحتفظ فيها الباحث بحاجياته الخاصة: حقيبة أو هاتف أو غير ذلك، ومن ثم يحتفظ بالمفتاح إلى حين المغادرة، كما تجب الإشارة إلى الثقة التي يحظى بها الباحث وهو في محراب هذه المكتبة، وإلى الخدمات المتوفرة كآلة الاستنساخ وآلة الطباعة، كل ذلك بقروش كما يقولون.

قضيت أسبوعا برحاب هذه المكتبة الفاتنة وتعرفت إلى بعض الباحثين من الأساتذة الذين يعملون باستمرار دون كلل ولا ملل، وعلى الرغم من صعوبة التواصل مع كل الباحثين الأتراك للتعذر اللغوي، فقد تعرفت إلى باحثة في الفقه الإسلامي اسمها مروة، وهي معيدة بإحدى كليات مدينة تبعد عن إستانبول بمائتي كيلومتر، وتؤم المكتبة بعد مداومتها في الكلية من يوم الخميس إلى يوم الأحد مساء لتعتكف في مكتبها الخاص تبحث وتنقب في أمهات مصادر الفقه الإسلامي باللغتين العربية والتركية، مشيرة إلى أن وزارة التعليم العالي وفـرت لها دورات تكوينية في اللغة العربية أكثر من مرة، في القاهرة ودمشق وعمان، وكذلك شأن الوزارة المعنية مع الباحثين المتفوقين لتمكنهم من اللغة العربية ومساعدتهم على البحث في مصادرها.

وهكذا سعدت برفقة هذه الباحثة الجادة وببعض زميلاتها اللائي كان يتعذر عليهن الحديث باللغة العربية وإن كـن يتابعن الحوار ويفهمن ما يدور فيه كما أنهن يتابعن البحث في كتب باللغة العربية، ويؤكدن أن سبب هذا التعثر يعود إلى عدم استعمال هذه اللغة التي استفدن من دروسها في دورات تكوينية بجامعات عربية.

لقد لمست رغبة صادقة عند الكثير من الباحثين في تعلم العربية وفي الحديث بها. وللإشارة، فقد أكد لي بعض المسؤولين في جامعة 29 مايو أنها تفكر في أن تصبح اللغة العربية من اللغات الأساسية في برامج كليتي الآداب والعلوم الإسلامية في أقرب الآجال. (وللإشارة، فإن قسما للغة التركية قد أنشئ منذ سنتين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط لتلقين الطلبة دروسا في اللغة التركية من طرف أساتذة مغاربة وأتراك وفدوا إلى المغرب من أجل هذه الغاية، كما أن للطلبة المغاربة حضورا بإستانبول حيث يتابعون تعليمهم العالي بمختلف التخصصات بالجامعات التركية).

زيارة إستانبول تغريك بزيارة مؤسساتها العلمية الراقية، لذا قمت بزيارة مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإستانبول (إرسيكا) التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، ويرأسه الأستاذ الدكتور خالد أرن، ويمتاز المركز بموقعه في قلب إستانبول وفي بناية تشهد بما للحضارة الإسلامية من تألق في ميدان العمارة والتشييد، وبما للمهندس المسلم من مهارة في التصميم والزخرفة والنقوش ويظهر أن هذه البناية من قصور السلاطين العثمانيين، وأهم مرفق في المركز خزانته العلمية الجميلة التي تفتح أبوابها للطلبة والباحثين، ومع الأسف كانت الخزانة في عطلة فصل الصيف، فهي تخضع للصيانة في هذه الفترة، ومع ذلك حظيت بزيارتها بتلطف السيد المدير بالإذن لذلك، وهي تضم نفائس الكتب والموسوعات وتساهم في نشر المعرفة والتعريف بالحضارة الإسلامية في ربوع إستانبول.

يقوم المركز كما حدثني السيد المدير بأنشطة عديدة في العالم الإسلامي، أهمها ندوات ولقاءات علمية حول موضوعات مختلفة تهم حاضر ومستقبل العالم الإسلامي أو التعريف بتاريخ وحضارة هذه الدول عبر العصور، وقد ساعدتني نشرات المركز على الاطلاع على هذه الأنشطة المتعددة والمتنوعة منها ” مؤتمر دولي احتفالا بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم “افتتحه دولة رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أوردغان وذلك يوم 26 رمضان 1431هـ/ 5 شتنبر 2010م، ودام الاحتفال سنة كاملة كما تذكر أخبار النشرة، وشاركت في هذا المؤتمر منظمات حكومية وغير حكومية ومؤسسات تربوية وثقافية في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ومؤسسات وجمعيات إسلامية من مختلف أنحاء العالم مع فعاليات عديدة وأنشطة متنوعة”. ومن ندوات المركز “الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى، وذكرى مرور مائة عام على حروب البلقان”، وغيرها من الندوات التي تعرّف بها نشرات المركز.

كما أن المركز يستقبل شخصيات علمية وسياسية، منها فخامة الرئيس محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وسفراء دول مختلفة.

وممن زار إرسيكا مؤخرا خلال ندوة نظمت حول “الأسرة في البلدان والمجموعات المسلمة” في 28 أبريل 2012 في إحدى قاعات الاجتماع بفندق جواهر في إستانبول وجرت أعمالها باللغتين الإنجليزية والتركية، السيدة بسيمة الحقاوي، وزيرة التضامن والأسرة والتنمية الاجتماعية في المغرب، وألقت محاضرة في الموضوع ركزت خلالها على أهمية الأسرة باعتبارها ركيزة أساسية في المجتمع. كما استقبلت السيدة الحقاوي في أرسيكا من طرف رئيس المركز الدكتور خالد أرن، وأجرت معه محادثات ودية حول الأنشطة الاجتماعية والثقافية التي يقوم بها المركز منذ تأسيسه.

وقد لفت نظري وأنا أزور أبهاء المركز الجميلة صورا مُبَرْوَزَة (أي موضوعة في إطار زجاجي أنيق) للمسؤولين الذين قاموا بزيارته، منهم مغاربة ومصريون وجزائريون وغيرهم، كما تدل على الحرص على توثيق عرى العلاقات الودية بين الأعضاء الذين ينتمون إلى منظمة التعاون الإسلامي (منظمة المؤتمر الإسلامي سابقا) التي يرأسها البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلي.

تحرص إرسيكا على إصدار نشرة فصلية كل أربعة أشهر، منها ثلاثة أعداد باللغات الرسمية الثلاث للمنظمة (العربية والفرنسية والإنجليزية) والعدد الرابع منها باللغة التركية، وتضم النشرة أنشطة المركز المختلفة من ندوات وإصدارات واستقبالات. فمن إصدارات 2011 “بحوث الندوة الدولية حول اليمن في العهد العثماني” سبق لإريسكا تنظيمها في اليمن في دجنبر 2009، و”المصحف الشريف المنسوب إلى علي بن أبي طالب، نسخة صنعاء”، أشرف على هذا الإصدار الدكتور طيار آلتي قولاج وصدر سنة 2011. ومن الإصدارات أيضا كتاب “سلم الوصول إلى طبقات الفحول” لحاجي خليفة (ت 1067هــ 1657م)، وتحقيق محمود عبد القادر الأرناؤوط في ستة مجلدات وطبعتين عربي ــ تركي، وعربي ـ إنجليزي وذلك سنة 2010.

ومن المكتبات الرائدة في إستانبول المكتبة السليمانية، نسبة إلى السلطان سليمان القانوني، وتقع قريبا من مسجده ومقبرته. وعلى الرغم من صغرها، فهي تضم مخطوطات نادرة باللغة العربية إضافة إلى مخطوطات باللغة التركية، يحتكم الولوج إليها إلى نظام مراقبة صارمة لكنها حضارية، يعمد بعدها المشرف على القاعة إلى تقديم الخدمات المطلوبة تبعا للتقنيات المعاصرة في البحث عن المخطوط المطلوب، غير أن الوقت لم يكن مساعدا للاطلاع على ذخائرها ومحتوياتها، وقد يتيسر ذلك استقبالا بإذن الله.

ومن المكتبات التي زرتها مكتبة النور العثمانية، وتقع عند مدخل السوق المسقف، في بناية متواضعة، ومكتبة كوبرولو، وأخيرا مكتبة جامعة إستانبول العامة. أما مركز المخطوطات التابع للجامعة، فقد كان مقفلا لأشغال الصيانة في هذه الفترة.

كما زرت إحدى الجامعات الحرة وهي جامعة بهجة شهير وتأسست عام 1998، وتضم كليات مختلفة منها كلية الاتصال والتقنيات والآداب، ومن بين أساتذتها الدكتور برهان كوروغلو الذي يهتم بالفلسفة الإسلامية ويعنى بالترجمة من اللغة العربية إلى اللغة التركية، وقد أخبرني بأنه ترجم بعض مؤلفات الدكتور محمد عبد الجابري إلى اللغة التركية، وقد سبق لبلدية إستانبول أن استضافته منذ سنوات لتقديم محاضرات للتعريف بمؤلفاته ونظرياته، وقام الدكتور برهان بالترجمة الفورية لهذه المحاضرات التي لقيت نجاحا في أوساط المثقفين والجامعيين الأتراك.

2 ـــ وعلى الرغم كما سبقت الإشارة من أن الرحلة أساسا كانت علمية، فقد خصصت أياما وإن كانت قصيرة لزيارة معالم إستانبول المختلفة؛ فكانت الإقامة في فندق مينا أوطيل ويقع في منطقة السلطان أحمد، وهي أشهر منطقة سياحية في إستانبول، يسهل التنقل منها إلى العديد من المناطق السياحية الشهيرة، فهي قلب إن شئنا قلب مدينة إستانبول، فكان التنقل من هذا الفندق إلى العديد من المساجد والمعالم الحضارية، ومنها مسجد السلطان أحمد (المسجد الأزرق)، وآيا صوفيا، ومقابر العثمانيين المتعددة، والسوق المسقف وغيرها من المحلات التجارية والمساجد التي لم يسبق لي زيارتها كجامع فيروز أغا وقد بناه خازن السلطان بايزيد هبة من أمواله لقوم عابدين بتاريخ 1491 م/ 896 هــ ـ كما هو مكتوب باللغتين العربية والتركية على رخامة التعريف به، ويقع في منطقة السلطان أحمد في شارع ديفان، وهو شارع رئيسي يؤدي إلى المسجد الأزرق وآيا صوفيا وبعض المقابر العثمانية، والحدائق العمومية المنتشرة بشكل لافت للنظر ومغر بالفسحة والاستمتاع بجمالها وحسن تنظيمها، فالنافورات المتعددة والمتاجر السياحية والمطاعم المنتشرة في كل مكان تبعث في النفس انشراحا وسرورا، ولعل ما يلاحظ في هذه الساحة هو المسرح البلدي التابع لبلدية بايزيد، وهو مسرح مفتوح للعموم، خاصة في شهر رمضان، كما ذكر لي بعض الأصدقاء الذين تعرفت إليهم في هذه الزيارة.

وللإستانبولين مركز ثقافي صغير في هذه المنطقة ــ منطقة السلطان أحمد ــ للتعريف بالموسيقى الصوفية، يقدم عروضه مساء كل ثلاثاء وجمعة من الساعة السابعة والنصف إلى الثامنة والنصف، ويمكن للسائح أن يشتري بطاقة الدخول للاستمتاع بالرقصات الصوفية التي تؤدى في خشوع وانضباط، وتحظى بإقبال جمهور غفير من الأجانب، يختم الجلسة مقرئ يتلو آيات بينات من الذكر الحكيم والصلاة على النبي الكريم.

وللاستمتاع بزيارة عامة لأستانبول ما على الزائر إلا أن يأخذ الحافلة السياحية المكشوفة خلال ثلاث جولات، تعبر البلدة شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، من إستانبول الأوروبية إلى إستانبول الآسيوية مع شروح تفيد التعريف بالمناطق التي تمر منها الحافلة، من خلال أهم الجسور؛ جسر محمد الفاتح وجسر البوسفور، تتيح الحافلة للزائر التعرف إلى العديد من المناطق الأثرية والسياحية جامع والدة السلطان عبد المجيد المتوفى عام 1861 م/ 1277 هـ، قصر الدولمة بهجة الذي تم بناؤه عام 1855 م /1271هـ، برج ساعة القصر، منطقة التقسيم، والنصب التذكاري، المتحف البحري، برج الأميرة، جامع رستم باشا وبنته زوجة السلطان سليمان القانوني (دامت مدة حكمه ستا وأربعين سنة، 1520 م / 926هــ ــــ 1566م / 973هـ)، (ولعلها السلطانة هيام في المسلسل التركي حريم السلطان / روكسلانة الروسية)، القرن الذهبي، السوق المصري، السوق الكبير المسقف، الميناء، مرورا بعدة جسور منها جسر مصطفى كمال وبالحدائق المنعشة التي تحيط بالمدينة من كل جانب.

والملاحظ أن كل الجوامع التي توجد بإستانبول تحيط بها مقابر المؤسسين وعظماء الدولة، حيث يمكن القول إن هذه المقابر صارت مآثر تاريخية يؤمها الزوار، كما أن الحمام التركي الذي يحظى بشهرة عالمية له حضور في مآثر المدينة، ويضم جزأين أحدهما للنساء والآخر للرجال، ويمكن للزائر أن يشتري تذكرة للاستحمام، وأن يقتني ما يلزمه من أغراض من دكان خاص يوجد داخل الحمام، ويقبل على هذا الحمام خاصة السياح الأجانب من الغربيين والأمريكيين، ولعناية الأتراك بهذه المعلمة فقد أرخ لها في لوحة بالباب الخارجي، فهي من مآثر السلطانين سليم الثاني ومراد الثالث، أنشئت عام 992 / 1584، وأعيد فتح هذا الحمام التركي للعموم عام 1972.

هكذا قضيت أياما جميلة بمدينة تعـبق برائحة التاريخ الإسلامي وتحكي معالمها حضارة إمبراطورية استمر إشعاعها أزيد من ستة قرون، يستحضر المرء ما كان للعلم والسلطة من قوة في تسيير شؤون البلاد، وما كان للاعتزاز بالإسلام من وازع في نشره وما للعناية بالمآثر التاريخية والافتخار بها كصورة من صور الحضارة الإسلامية المشرقة، وقد نجح الأتراك في التعريف بتاريخهم الحضاري وفي ضَخِّ دماء جديدة في سياستهم الجديدة بأن جعلوا مآثرهم التاريخية مهمازا لأنشطتهم الاقتصادية، ومن ثم يمكن القول بأن السياحة اليوم بإستانبول مصدر من مصادر الاقتصاد التركي دون منازع.

إنها صورة لما للعلم من قـدسية وما للمكـتبة من حضور بهـيّ في الحياة العامة للمواطن، يجد فيها كل طالب وباحث مبتغاه، فلا يكَـلُّ ولا يشقى بالسؤال، ولا يضنيه البحث عن كتاب أو مجلة، كل الظروف تساعده على القراءة والاستفادة من محتويات المكتبة، يستقبلك المشرفـون عليها ببشاشة ولطف ويقدمون الخدمات لأيٍّ كان بتقدير واحترام في هدوء وانضباط.

كانت هذه الزيارة العلمية في الفترة الممتدة من 5 شوال إلى 17 منه عام 1433هـ /24 غشت إلى 5 شتنبر سنة 2012.