رحال لحسيني:

-1-

أحيانا يكون للمُعطى الذاتي تأثيره القوي في الشرط الموضوعي بل قد يكون له بالغ الأثر في صناعة أحداثه، فيكون مؤثرا فيه، علما أنه غالبا ما يكون بدوره نِتاجا للأخير بشكل من الأشكال. وكذلك في تعاطي الأفراد والمجموعات سلبا أو إيجابا مع ذلك.

ردة فعل الشهيد البوعزيزي على الإهانة التي تعرض لها بحرقه لنفسه نهاية سنة 2010 ووفاته مطلع سنة 2011 فجرت الثورة التونسية التي لازالت تقاوم لتحقيق أهدافها والتخلص من قبضة أعدائها فقدمت في إثر ذلك للأسف بعض أبرز الرموز الثورية التي ناضلت من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية للشعب التونسي حتى قبل هذا الحادث العارض الذي خلف وقعا صادما فبدا كمحرك “عفوي” للثورة.

-2-

تمددت تداعيات ثورة الياسمين في كل اتجاه في الخريطة السياسية لبلدان ما يسمى بالوطن العربي، من المحيط إلى الخليج، وأخذت أشكالا متنوعة معظمها دموية ومدمرة بفعل تدخل قوى داخلية وخارجية لكبح جماح شعوب المنطقة الثواقة للعيش الكريم والتحرر الإقتصادي والسياسي تلقائيا لتحوير مسارها وضبطه خدمة لأهداف هذه القوى المتنوعة والتي تبدو متناقضة أحيانا إلا أنها تلتقي بشكل غامض من منطلق مصالحها التي ليست بالضرورة كلها انتظارات حقيقية للشعوب.

هذه التداعيات أخذت في مستويات أقل حدة شكل انتفاضات “شبابية” جامحة كما حدث في المغرب تحت إسم “حركة 20 فبراير” والتي لم تكن في الواقع إلا تكثيفا وتطويرا وتوسعا وتثويرا متفاعلا مع السياق التاريخي الذي يعيشه المحيط الإقليمي للنضالات المتواصلة للشعب المغربي والذي راكم تجارب عميقة وقاسية أثمرت جزء من مكتسباته أدى مقابلها من حياة وحرية وسلامة الآلاف من أبنائه الشهداء والمعتقلين والمطرودين والمنفيين وغيرهم، وبسقف سياسي متنوع بتنوع مكوناته ومصالح فئاته وطبقاته.

-3-

منذ استشهاد البوعزيزي حرقا حاول وأقدم عشرات من الأفراد على حرق أنفسهم لكنهم لم يستطيعوا إشعال ثورات جديدة. نفس الأسلوب لايؤدي لنفس النتيجة دائما. الطفرة تأتي مرة واحدة وبمعطيات وأشكال متعددة كارتماء “سماك الحسيمة” الشهيد محسن فكري في حاوية نقل النفايات للدفاع عن بضاعته، والذي كان ربما مجرد رد فعل انفعالي غير محسوب التبعات، وغالبا ليس بنية الموت، بل بحثا عن حياة كريمة من خلال فعل المخاطرة بالموت الذي برز كوسيلة احتجاجية يائسة متاحة للتصدي لجبروت القهر اليومي فكانت مأساة مقتل “شهيد الحكرة” بتلك الطريقة البشعة..!.

تمخض عن هذا المعطى الذاتي القاسي بدوره الاحتجاج على هذه الجريمة الطارئة الصادمة..   وتحول الأمر إلى انتفاضة عارمة ضد الظلم الجماعي المترسب والعميق والحكرة والإستبداد.

الاحتجاجات الأولى حتما لم تكن بنفس الحدة والوضوح ولم تكن لتتواصل وتفرز مطالبها التي هي ليست وليدة اليوم، لو لم يتم مقارنتها بصيغة ما باحتجاجات “حركة 20 فبراير 2011” التي رفعت السقف النضالي عاليا.. قبل أن يخبو وهجها دون أن تُحقق عمليا، جوهر مطالبها.

-4-

قبل “الربيع العربي” أو “الخريف” -ليس ضروريا التدقيق هنا في توصيف هذا المعطى التاريخي المتواصل- وقبل انتشار شرارة “حركة 20 فبراير” بالمغرب كانت الحوارات والتدخلات المحلية أو حتى المركزية تمتص أحيانا بعض مثل ردود الفعل الغاضبة هاته مادامت لاتشكل تهديدا عميقا.

الصراع الضمني مع الدولة المركزية أو بشكل أوضح الفجوة الكبيرة بين النظام والريف ليست وليدة اليوم ولم تستطع أن تؤثر عليها جذريا “مصالحات العهد الجديد” ولا شهادات التفريغ النفسي عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفتها المنطقة، وغيرها.. رغم بلورة إمكانية تجاوز عدد من تداعياتها رمزيا وماديا من خلال توصيات هيئة الإنصاف المصالحة التي تم ركنها بشكل عام ولا القرارات الكبرى التي بقيت في عمومها مرتفعة.

غير أن ذلك لم يكن، في البدء، وحتما الدافع الوحيد لاستمرار الاحتجاجات التي سخر منها البعض وحاول غيره وسعى لاستثمارها لو بقت في حدود معينة في صراعات ضيقة تافهة. لكن توفرها على الأرضية الملائمة للصمود متى تم تجاهلها بهدف إفراغها من محتواها أذكى الجدوى من استمرارها.

-5-

إن مصالحة الدولة مع الريف، لايمكن أن تتم دون إنصافه، مع ما يقتضي ذلك من وجود مفترض لأصوات تنحو لقراءة معينة للتاريخ مادامت أرضيته متوفرة، ليست بالضرورة وسط قيادات “الحراك” الحالي الذين يجب التعامل معهم وفق ما تعبر عنه وليس وفق تخمين ما قد يختمر في وجدان بعضها، وإلا فيجب فحص وجدان -ولو قلة من المغاربة- الذين يعتزون بالجمهورية ووحدة الوطن دون أن يكونوا بالضرورة من الريف، أو على الأقل بعضهم ممن ظلوا يعتبرون الأمر يمثل جزء من موقف ومن موقع معين من الصراع…

ومهما يكن، فلا يمكن تصور أية مصالحة حقيقية مع الريف أساسا في ظل استمرار استبعاد رمزية ملهمه “مولاي امحند” لأن المصالحة الحقيقية مع الريف في هذه الأجواء وفي غيرها تقتضي تمتيع القائد وبطل التحرير العظيم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بالاعتبار اللازم لكونه رمزا للريف ولكل أحرار الوطن والعالم برمته.

-6-

منذ خبو “حركة 20 فبراير” لأسباب موضوعية متعددة قد لا تتعدد كثيرا أسباب ومواقع قراءاتها، وبشكل أقل قبل الفترة السابقة من اشتعالها، أضحت النضالات الشعبية العفوية والمنظمة العمالية والمناطقية والفئوية والطلابية والحقوقية والسياسية… تبدو كأنها بدون جدوى، باستثناء بعض القضايا والملفات المحددة التي تم التعاطي معها بـ “حكمة” تلاها التفاف ضمني، غالبا، على ما أفضت إليه من النتائج.

وفي مقابل ذلك لازالت احتجاجات أخرى قائمة وأخرى توقفت جزئيا أو كليا، على مايبدو، كنتيجة لإتخامها بما يكفي من بهارات “الفشل” ووصمها المتعمد وأحيانا باستغلال معطيات خارجية لإخمادها أو عبر الاستعانة المباشرة أو غير المباشرة بأطراف من داخلها.

على الأقل هذا ما سار على نفثه وإظهاره تَعاطي المُمسكين بالأمور في السنوات الأخيرة في الجو العام للبلاد، إذ تم التعامل مع أغلب -إن لم نقل كل- الوقفات والمسيرات والإضرابات والمواقف والقنوات الاحتجاجية المتنوعة وكذلك التنظيمات المنظمة أو المؤطرة لها أو المخولة للتعبير عن دوافعها والتعبيرات الاحتجاجية العفوية… وكل السخط الذي ظل يختمر ويسود وسط الجماهير الشعبية و”نخبها”، تم التعامل معه، وأحيانا بدرجة أقل، مع جوهره، بتبخيس شديد.

-7-

الأدهى من ذلك، هو مد كل هذا الإحساس العام بالغبن بالمزيد من جرعات التذمر الإضافية التي اتخذت شكل قرارات استفزازية وإجراءات تراجعية وتدميرية قاسية لعدد من المكتسبات السابقة -على علاتها- تضررت منها معظم مكونات المجتمع، هذه الإجراءات التي لم يكن بمقدور أحد التفكير في وقوعها كلها قبل “الربيع العربي” و”20 فبراير” وبطرق تبدو قهرية وانتقامية. ربما تحكم في ذلك نفس المنطق الدارج القائل: “… ومن بعد؟.. 20 فبراير.. ومادات والو!… آش  غيديروا؟ … آش غيوقع كاع؟… إلخ”.

-8-

إن المطالب ووسائل النضال المشروعة، وحتى غير المشروعة التي قد تصبح مشروعة حين يلجأ إليها البعض بمبررات أو أهداف أو دواعي مختلفة، إن لم تتحقق في إبانها سواء لاختلال موازين القوى زمنيا أو تاريخيا ضدها أو لعدم نضج الشروط الموضوعية أو الذاتية الملائمة لانتصارها لا يمكن أن تصبح في الطرف النقيض لانتظاراتها، ولو بعد حين، حتى وإن بدت كذلك أو اضطرت إلى التواري وبدا كأن حامليها قد جنحوا إلى “الاستسلام”.

فيمكن أن تأخذ أشكالا أخرى، قد تكون غير متوقعة تماما، وقد لا تأتي بالضرورة من نفس القوى المجتمعية والأفراد، بل ممن يمكن أن تفرزهم اللحظة التاريخية المناسبة للتعبير عنها كما شاهدنا.

وأحيانا بشكل يتجاوز أو لايتلائم أو لايقيم الإعتبار الفعلي لمن سبقهم في القراءات وتقديم التضحيات في سبيلها أو في سبيل جزء منها ولا لبقائه معبرا عنها على امتداد الزمن الكفاحي للشعوب المضطهدة سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا.. سواء كأفراد أو حركات أو تنظيمات يبقى لها في أحسن الأحوال أن تسير ضمن الحركة أو الموجة الجديدة للتعبير عن المطالب والحقوق المشروعة والشكل الحديث للدفاع عنها.

-9-

إن القمع الممنهج المادي والرمزي لـ “حراك الحسمية” لن يؤدي إلا للمزيد من الاحتقان ولو تم فضه بالمزيد من القوة. كما أن دعم هذا الحراك أو مساندته أو الانخراط فيه أو حتى التبرم منه أو مهاجمته مع “التأكيد على مشروعية المطالب” لم يعد يعبر عن أي موقف حقيقي منسجم.. فالأمر غدا أكبر من ذلك!.

فالقضية لم تعد قضية مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية لوحدها، بل أضحت تتعلق بالجدوى من النضال السلمي التلقائي والمنظم الذي تعرضت وسائله في الحقبة الفاصلة بين خبو “حركة 20 فبراير” و”انتفاضة الريف الجديدة” لكل أنواع التهميش والتهشيم والتمييع –من داخلها كذلك- الأمر الذي أرخى بظلاله على المزاج العام وعلى ثلة من التيارات والأفراد والإطارات المجتمعية والمؤسسات التي أظهرت الحقبة الحالية بوادر كبيرة لتجاوز معظمها علما أن تجارب عدة شرعنت لمثل هذا التجاوز وللضرورة القصوى لحدوثه.

-10-

إن أولى الأولويات التي قد تكون تشغل بال المحتجين وعائلاتهم والمتتبعين وكافة المعنيين الآن.. وبشكل مباشر تتمثل في إطلاق سراح المعتقلين على خلفية هذه الانتفاضة الجماهيرية، فإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين بالمغرب وفي مقدمتهم قادة ونشطاء “الحراك” -وكذلك الطلبة المعتقلين الذين يستمر تغييبهم- ووقف كل المتابعات يعد إجراء ضروريا مُلحا،..

كما أن الاستجابة للمطالب العادلة والمشروعة للريف عاجلا ولمختلف المناطق التي تخوض تظاهرات متضامنة مع الريف أو متضامنة ومُطالِبة في نفس الآن بمطالب إضافية خاصة أو عامة وتحقيق مطالب الفئات والقوى الاجتماعية المتضررة بما فيها العمال المطرودين والمضطهدين والمعطلين والمحرومين من الحقوق وعموم المقصيين سيبقى أُفقا مفتوحا إلى حين تحقيقها بدرجة ما ولو في حدود دنيا عند السعي للالتفاف عليها وعلى الاحتقان المتنامي بالخضوع إلى الضغط الناتج عنه أو حتى عند لجمه.. وذلك متى توفرت الإرادة الضرورية لذلك وحتى دون توفرها.. !