بهضاض محمد طه *: بعد المأساة التي تم تداولها حديثا على مواقع التواصل الاجتماعي حول تعذيب و اغتصاب فتاة بمدينة فاس من طرف زوجها و افتضاض بكرتها “عنفا” قبيل حفل زواجهما . و بعيدا عن مدى صحة ما تم تداوله من أخبار حول ما إذا كانت العلاقة الجنسية قصرا ( اغتصابا ) كما تم الإشهار بها، أو ناتجة عن رغبة كلا الطرفين بممارستها خصوصا بعد العديد من فلتات اللسان التي أتت في تصريحات من طرف الضحية نفسها.

و نظرا لأهمية هذا النوع من الأحداث و تنويرا للرأي العام ، ارتأينا كباحثين في علم النفس التطرق و البحث في مختلف السلوكات المرضية التي صاحبت هذه العلاقة الجنسية من ضرب ، جرح و تعذيب جسدي و سيكولوجي خصوصا ، و الذي من شأنه أن يضع الفتاة في معاناة و أزمة نفسية حادتين ، إضافة لما تعكسه هذه الممارسات من دلالات على وجود سلوكات مرضية في بناء شخصية بعض الأفراد من مثلية جنسية، شذوذ جنسي و اضطرابات الهوية الجنسانية بشكل عام و من سادية و مازوشية بشكل خاص ،. اذن : – ماذا نعني بالسادية و المازوشية ؟ – ما هي الأضرار النفسية المترتبة عن حدوث هذا النوع من السلوكات المرضية خصوصا (الضرب ، الجرح و التعذيب الجسدي و النفسي) و الاغتصاب عموما على البنية النفسية للضحية ؟

إن التشابه و الارتباط الحاد بين السادية و المازوشية ،هو ما يجعل التمييز بينهما لدى غير المختصين في علم النفس من الأمور الصعبة خصوصا و أن كلاهما مرتبطان أساسا باضطراب و انحراف الهوية الجنسية و الشذود الجنسي، إضافة لكونهما يعكسان معاناة و اضطرابا نفسيا حادا .

يقصد بالسادية الحصول على اللذة و الرغبة في ممارسة الجنس عن طريق إلحاق الأذى و تعذيب الضحية أو الذات اللذان يعتبران من الشروط الأساسية للوصول لأقصى درجات النشوة الجنسية عند الشخص السادي ، سميت بالسادية نسبة إلى الأديب الفرنسي الماركيز دي ساد الذي اشتهر برواياته ذات الطابع العنيف في وصف السلوكات في العلاقة الجنسية و تنقسم حدتها إلى ثلاث درجات:

1- سادية مقبولة و التي تقتصر فقط على الكلام الشاذ و العنيف

2- السادية الخفيفة و التي يستطيع السادي فيها التحكم بنزواته و حدة التعذيب نفسيا كان أم جسديا

3- السادية الاجرامية و التي تعتبر أكثر الدرجات تطرفا ، خطورة و بشاعة بحيث تشمل العنف بنوعيه ( نفسي و جسدي ) بأقصى تجلياته الذي من الممكن أن يؤدي الى عاهات مستديمة أو حتى قتل الضحية أو الذات .

تتميز سمات شخصية الساديين بكونهم أكثر غضبا ، خوفا ، لا يشعرون بتأنيب للضمير أو الشعور بالذنب ، لا يثقون بالآخرين ، حب التملك و السيطرة على الآخرين و أغلبيتهم يعانون من اكتئاب حاد، يلعب العلاج النفسي دورا مهما في هذه الحالات بحيث يكون هذا الأخير في السادية المقبولة و الخفيفة عبارة عن جلسات نفسية و علاج سلوكي مع الشخص السادي لمعرفة أسباب و دوافع هذا الانحراف السلوكي و علاجه الذي يكون في مدة زمنية قصيرة ، أما في حالات السادية الاجرامية فالعلاج يكون نفسيا ، طبيا و يشمل أيضا إعادة الإدماج و الذي يحتاج في غالب الأحيان إلى مدة زمنية طويلة .

و يقصد بالمازوشية ( المازوخية ، الخضوعية أو اضطراب المزوخية الجنسي ) التمتع بالألم و التعذيب النفسي و الجسدي في الممارسة الجنسية ، و يعتبر من أشهر انحرافات السلوكات الجنسية، فالمازوشي لا يصل للذة و النشوة في العلاقة الجنسية إلا بالضرب و التعذيب و غيرها من السلوكات الشاذة من تقييد و اذلال و تعذيب ، فإثارته نابعة بالأساس من هذه السلوكات لتصل في بعض الحالات المرضية لدرجة قصوى ينتج عنها الموت ، و تنقسم المازوشية الى نوعين : 1- المازوشية الأخلاقية : و التي يقوم فيها المازوشي بتعريض نفسه للاهانة ، الفشل ، الذل و الايذاء الفظي و الجسدي بحيث يجد فيها متعة و إثارة نفسية تجعله يعيد تكرارها و التي يمكن ربطها أيضا باضطراب سلوك هدم الذات . 2- المازوشية الجنسية : و التي تعني مصاحبة العلاقة الجنسية بالألم و التعذيب النفسي والجسدي و المتعلقة بالشعور بالخوف من الوحدة و تأنيب الضمير و الشعور بالذنب الذي يشكل أصل و منبع هذه السلوكات .

شخصية المازوشي حسب التحليل النفسي مرتبطة أساسا بتقمص دور الفرد لأمه خصوصا إذا كان قريبا جدا منها و لاحظ من خلال تعامل الأب معها أنها تتعرض للظلم أو العنف ، ما يجعله يتعاطف معها بسلوكه هذا حتى يخفف من مشاعر تأنيب الضمير و الشعور بالذنب حيالها ، إضافة لأنه يسعى لاجتذاب الاهتمام والتعاطف من خلال دور المظلوم والمعذب والمحبط ، و العلاج في هذه الحالة يأخذ مدة زمنية طويلة و يكون عبارة عن جلسات نفسية فردية متوجهة نحو الاستبصار يحاول فيها الأخصائي مساعدة المريض الوصول الى أصل مشاعر الذنب و تأنيب الضمير .

تطرقنا في المقال الماضي بعنوان ” خلق ليغتصب ” لسمات شخصية المغتصبين وقابليتها على إبراز سلوكيات إجرامية متطورة، و عن الأضرار النفسية الناتجة عن حادثة الاغتصاب لدى الضحايا ، و الأمر في هذه الحالة لا يختلف إطلاقا عن الحالات التي أخذناها كعينة في مقالنا الماضي . فنحن هنا نتحدث عن متلازمة صدمة الاغتصاب والتي تعرف في علم النفس على أنها صدمة نفسية يعاني منها ضحايا حالات الاغتصاب و هي عبارة عن ردود أفعال نفسية و جسمية تشمل اضطرابات في السلوك الجسدي ، العاطفي و المعرفي تظهر بشكل جلي على معظم الضحايا بعد أيام ، أسابيع ، أشهر أو حتى سنوات من الحادثة و تتمثل أعراضها في حالة هستيريا ، اكتئاب حاد ، نوبات بكاء حادة ، أرق ،قلق حاد ،صعوبة في اتخاذ القرارات و القيام بالمهام اليومية ، الفكر غير المنظم ، الغثيان الارتعاش و الهوس في نظافة بدنهم إضافة للعديد من الأعراض الأخرى . الشيء الذي يستدعي إحالتهم على أخصائيين و أطباء نفسانيين لمتابعة حالتهم النفسية و إعادة إدماجهم و مع التأكيد على أن يتخذ في حق الجاني العقوبة التي يستحق سواء بسجنه و إحالته إلى مراكز إعادة الإدماج .

إن التزايد المهول لحالات الاغتصاب بالمجتمع المغربي خصوصا و المجتمع الغربي عموما و التي تصاحبها غالبا مجموعة من السلوكات غير السوية ، يجعل المواطن يعيش في سيناريو رعب دائم خوفا من أن يكون هو أو أحد من أقاربه ضحية لإحدى هذه الحالات ما يجعله يشكك في مصداقية المنظومة القانونية التي أصبحت أيضا تحت المجهر خصوصا بسبب بعض الخروقات التي تجعل الجناة يلوذون بالفرار باعتبارهم فئة رفع عنها القلم، بادعائهم حجة ” المرض العقلي ” ، لتصبح معاناة الضحايا و أسرهم أكثر شدة مما هي عليه .

فهل سيقوم القانون المغربي و جمعيات حقوق الإنسان التي تدعي اهتمامها بهذا النوع من القضايا التدخل و انصاف الضحية لينال الجاني العقوبة التي يستحق أم سيلوذ بالفرار كما فعل آخرون ؟ و إلى متى سيظل المغرب غافلا عن أهمية المستشفيات النفسية و العقلية و مراكز إعادة الإدماج في إنجاح عملية الحد ، علاج و الوقاية من هذا النوع من الظواهر السيكوسوسيولوجية ؟

*أخصائي مؤهل للاستشارة و المرافقة النفسية و التربوية