تصريح لضيف ديبلوماسي

أمضى ديبلوماسي أجنبي أياما ضيفا على المغرب ، ولدى مغادرته البلاد حملوه مجموعة من الهدايا ، أغلبها كتب وأقراص مدمجة ، وعند استفساره عن مضامينها أوضحوا له بأنها تعرّف بالمغاربة وعاداتهم … فرد عليهم الضيف بنبرة ساخرة : ” .. وكم سيلزمني من الوقت للاطلاع عليها ؟ لكن لدي فكرة عما إذا كنتم فعلا ترغبون في التعرف على المغاربة عن قرب وفي وقت وجيز .. فقط لا تكلفكم سوى قيادة سيارة بشوارع المدينة لأقل من ساعة حتى يتبين لكم بوضوح من هم المغاربة ؛ في سلوكياتهم ومواقفهم وعقلياتهم بشكل عام …”

وأعتقد أن هذا التصريح البليغ يعكس فعلا حركة السير بالطرقات وما تختزله من أنماط سلوكية رعناء ؛ أحيانا تتجاوز كل الخطوط الحمر لتبدو هيستيرية جنونية وبحالات مرضية حادة ؛ لعل من أبرزها :

– السرعة الجنونية داخل وخارج المدارات الحضرية ؛

– خروقات سافرة واستهتار بالقوانين ؛

– استعمال بوق السيارة غير محصور في زمكان معين ، حتى عند الإشارات الضوئية ؛

– بروز ظاهرة السباب واللطم بالكلمات بين السائقين تصحبهم في غدوهم ورواحهم ؛

– القدرة على الصبر ؛ حتى لأقل من دقيقة ؛ ضعيفة جدا وأحيانا منعدمة مما تنجم عنه حوادث مميتة ؛

– بوق السيارة هو أقرب وسيلة إلى السائق المغربي لإفراغ غضبه والرد على الآخرين من حوله ؛

– معظم سائقي سيارات الأجرة يشتغلون تحت ضغط عصبي عال ؛ تصاحبهم في أحيان كثيرة عدوانية ملحوظة .

نرجسية بدرجة مشبعة

المغاربة في معظمهم تستبد بأحلامهم اقتناء سيارة والتي يروا فيها استكمالا لاستقلاليتهم ورجولتهم ، وامتلاكا “لغرفة” تتنقل بهم أينما وأنى شاؤوا ، فإذا جلس أحدهم أمام المقود وأدار المذياع أخذه شعور بالزهو والانتشاء عبر موسيقى صاخبة ” ازْدفْ … ازْدفْ … ازْدفْ ” سيما إن كان بجانب “حرمه” !

هذه الصورة النرجسية منتشرة بين معظم المغاربة من فئات سن الأربعين وما دونها ، يمكن معاينتها داخل المدارات الحضرية وبالطرق الساحلية كالرباط والبيضاء …

السياقة في رمضان مفتوحة على المجهول

يمكن اعتبار السياقة ؛ في شهر رمضان ؛ أقرب مناسبة لمعاينة أنماط من أمزجة المغاربة الحادة ؛ تطفو في شكل استهتار بكل قوانين السير ، وعدوانية مجانية تجاه الآخر ، وغطرسة لا تطاق حتى إن معظم مستعملي الطريق يتحاشى السياقة عصرا مع اقتراب موعد الإفطار ، حيث تتضاعف إيقاعات السرعة والعجلة إلى درجة جنونية محمومة مما يفضي في حالات عديدة إلى وقوع حوادث كارثية واصطدامات عنيفة ، وكأن السائقين حينها باتوا يشكلون عينات من المرضى والمعتوهين ؛ يصدرون عن قانون واحد هو : “الأولوية للأقوى” !

رخصة السياقة تحت المجهر

يمكن القول ؛ وفي ضوء منظومة السير المتبعة حاليا ؛ أن اجتياز اختبار أهلية السائق لم يعد مجديا ، بالنظر إلى ارتفاع نسب حوادث السير والتي تشهد على أن العامل البشري ما زال يحتفظ بحصة الأسد % 80 ، ذلك أن عوامل مرضية كثيرة تقف وراء هذه الحوادث منها : * ارتفاع الضغط الدموي ؛ * التهور ؛ * إجهاد الجسم وعدم الخلود للراحة …

كما أن الجانب النظري ـ في هذه الاختبارات ـ لم تعد أجوبته ذات النظام الكندي ؛ المنتهية (بنعم أم لا) فعالة والتي كثيرا ما ينساق وراءها المترشح دون “إعمال فكره” . لذا أصبح من الضروري الارتقاء بمستوى شهادة السياقة وتضمينها جوانب بشرية صحية كالسلامة العقلية والبدنية ، فضلا عن إعادة النظر في منظومة الأسئلة الشفاهية الموجهة إلى المترشحين خلال دورات اختبار الجانب النظري في السياقة ، مع إمكانية تأخير استلام شهادة رسمية للسياقة لمدة 18 شهرا بدلا من 12 شهرا، بعد ثبوت أن السائق لم يتعرض إلى أية مخالفة سير طوال هذه المدة .