بالتزامن مع قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس لتكريس سياسة الأمر الواقع، أكيد أن القنوات التلفزية الإخبارية العالمية عززتْ شبكة مراسليها في المنطقة وأطقمها الصحفية عامة داخل غرف أخبارها، تحسباً لتكثيف التغطية الإعلامية المرتبطة بتأزم الأوضاع وانفجارها.

هذا شيء طبيعي واعتيادي في مهنة الصحافة منذ كانت ورقية فقط، وكان مهنيوها -بمن فيهم الرواد وكبار الكتاب – يخاطرون بحياتهم وسط القوات المقاتلة لنقل أخبار جبهات الحروب. لكن ما هو مثير للاستغراب، بل للاشمئزاز، هو أن تسارع تلك القنوات التلفزية إلى بث إشهارات/إعلانات “البيع والشراء” في البشر بمجرد الإعلان الأحادي الأخرق للقدس “عاصمة” للكيان الإسرائيلي.

أجل، كما سمعتم، وربما شاهدتم، سارعتْ بعض القنوات إلى بث إشهار شركة طيران لا داعي لذكرها (حتى لا نزيدها دعاية مجانية) تعلن عن رحلتين اثنتين في نفس الرحلة وبنفس ثمنها؛ رحلة “تل أبيب- القدس”. هكذا إذاً، كأن هذه الدعاية كانت معَدَّة سلفاً ولا تنتظر سوى قرار ترامب، الضامن لتدفق السياح من كل حدب وصوب وأموالهم على خزينة إسرائيل!

مهما اشتعلت الفتنة واستعرت الحرب هناك دائماً مجال لتحقيق الأرباح الفاحشة… يبدو أن هذا الشعار هو السائد لدى شركات الرأسمالية المتوحشة وتجار المآسي الذي لا يرون في العالم إلا مخزنا للموارد الطبيعية للسطو، ويداً عاملة للاستغلال، وسوقاً استهلاكية لبيع وشراء كل شيء، ومزبلة كبرى.

تجار الموت هؤلاء لا يدخرون جهداً في خلق حاجيات مصطنعة ورغبات استهلاكية لا تشبع أبداً وبؤر توتر دائمة حول العالم، لأن أرقام معاملاتهم الخيالية قائمة على ذلك، ولا يهم الثمن الذي سيُدفع مقابل ذلك. لأنهم لا يتحملون الخسارة، بل تتحملها الكائنات المستهلِكة والهالكة أمثالنا.

على ذكر سوق المآسي، بثتْ إحدى القنوات الفرنسية وثائقيا عن سوق اللاجئين، ولاحظتْ كيف أن الحرب على الشام والعراق أنتجتْ لاجئين مهجَّرين وجدواْ أنفسهم في مخيمات مؤقتة تحولتْ إلى دائمة، مثل الفلسطينيين قبلهم ولاجئي مخططات التجويع في إفريقيا، ووجدتْ الشركات الكبرى فرصة تاريخية فيهم للبيع والشراء: بيع مخيمات عصرية بالبنيان الجاهز، وتكنولوجيات لضبط اللاجئين باستعمال معطياتهم الشخصية وتخزينها ولِمَ لا بيعها لمن يدفع المقابل…

لا شك أن ضحايا هذا النظام الشمولي كثر، ومن السهل التعرف عليهم في مجال الحرب والسياسة الدولية، لكن ضحاياه في القطاعات الأخرى يسقطون بالملايين ولا أحد ينتبه. حسبُنا في الصحة أنْ نعُد عدد قتلى البشرية منذ تحول الطب إلى تجارة، وفي التعليم أن نحصي المقصيين من المعرفة منذ أن أصبح التعليم هو تعميم معرفة الاستهلاك واحتكار معرفة الإنتاج. وكفى أن نعاين في صناعة الترفيه على المستوى الكوني كذلك سقوط الضحايا تباعاً. فتلك الصناعة هي أخطر صناعة لأنها أقوى سلاح للسيطرة على النفوس، لذلك تصنَع فيها النجوم وتهوي بسرعة البرق، بين نجوم هوليود الغارقين في جو تدمير الذات، ثم النجوم الجدد القادمين من الشرق (مثل كيم جونغ – هيون المغني الكوري الشهير الذي لم يتحمل ضغط النجومية فانتحر يوم الاثنين الماضي عن سن 27)، وأخيراً نجوم الإعلام المستغَلين كأبواق دعاية في أحسن الأحوال وكبيادق في مؤامرة استخباراتية في أسوئِها.