محمد مغوتة: حتى الآن جربت الدولة أسلوبين في تعاملها مع الحراك: اللامبالاة أولا والقبضة الأمنية ثانيا. وبدا واضحا أنها  فشلت في احتواء الأزمة في الحالتين معا، لأنها لم تتعامل مع المطالب الإجتماعية التي رفعها الشارع بالجدية اللازمة طيلة سبعة أشهر، وراهنت على الوقت لكسر شوكة الحراك، وعندما تواصلت الإحتجاجات وارتفعت وتيرتها بدأ الإعداد للخطة الأسوء، وكانت خرجة تخوين هذا الفعل الإحتجاجي واتهامه بالإنفصال بمثابة إعلان صريح عن نية واضحة في اللجوء إلى القوة في مواجهة هذا المد الإحتجاجي… فكان ما كان.

المدخل الرئيسي لتجاوز حالة الإحتقان التي أججتها الإعتقالات الواسعة في صفوف نشطاء الحراك بالحسيمة وبعض مناطق الريف، يتجلى في الإفراج عن المعتقلين كخطوة من شأنها التهييئ لمرحلة جديدة من التعاطي مع مطالب الحراك ورسائله. وبدون هذا الإجراء ستظل كل المبادرات الرامية إلى إنهاء الأزمة غير ذات جدوى، لأن منعطف ما بعد يوم الجمعة 26 ماي فرض تغيرا في الأولويات، فقد اجتمع المحتجون على هدف واحد ومشترك وجد صداه في شوارع مختلف المدن المغربية التي خرجت للتظاهر تضامنا مع المعتقلين طيلة شهر رمضان. وهكذا أصبح الدافع إلى الإحتجاج أقوى مما كان عليه الأمر قبل تاريخ 26 ماي، لذلك فإن تهدئة الشارع من جديد يتطلب على الأقل تصحيح المسار الذي أدى إليه خيار المقاربة الأمنية.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: من يمتلك مفتاح الخروج من نفق الأزمة؟. الدولة أم الشارع؟. وصياغة السؤال بهذه الطريقة أملته الوقائع والمواقف التي كشف عنها الحراك، فالمحتجون يواصلون نزولهم إلى الشارع لأنهم يدافعون عن قضية، وهم يخرجون للتظاهر لأنهم يؤمنون بتأثير وقوة الميادين والساحات في الضغط على المسؤولين من أجل الإستجابة للمطالب المعلنة، أما الدولة فقد تحولت بعد شهور من المراقبة وعدم التدخل إلى التعامل مع هذا الفعل الإحتجاجي بوصفه تحديالهيبتها وتهديدا للأمن العام، لذلك اختارت مواجهته بمنطق القوة ونهج الإعتقالات. وبالتالي فهي تشرط التراجع عن المقاربة الأمنية بالتوقف عن الإحتجاج. وهنا يحضر السؤال بصيغة أخرى: ما الذي أحدث كل هذا الإحتقان؟ هل هو الحراك نفسه أم تدبير الدولة وتعاطيها مع الحراك؟.

لنسجل في هذا السياق أن تخفيف تواجد وانتشار القوات العمومية في شوارع الحسيمة والضواحي خلال الأيام الأخيرة يعد خطوة في الإتجاه الصحيح من أجل عودة الثقة والسعي إلى التهدئة، لكن الحاجة ضرورية وملحة لفتح تحقيق قضائي واسع لتحديد المسؤوليات في كل ما جرى في الحسيمة خلال الفترة الأخيرة

من الواضح أن تعامل الدولة مع الحراك لا يحكمه منطق واضح، فقد ظلت الحكومة تعبر باستمرار عن مشروعية مطالب المحتجين، لكنها بالمقابل لم تنجح في القيام بما يدل على استعدادها للاستجابة لتلك المطالب. بل إن اللجوء إلى استعمال القوة كشف عن تناقض صارخ بين الأقوال والأفعال. وهو ما رفع مستوى الإحتقان وجعل الشارع يفقد الثقة في المؤسسات ولا يصدق الوعود التي تقدمها. وحينما تنتصر الدولة لخيار السلطوية، تتوارى الإرادة الطيبة مهما كانت صادقة، ويخفت صوت الحكمة مهما كان عاليا. وذلك ما يفسر فشل كل المساعي التي بذلت حتى الآن في الوصول إلى حل نهائي للأزمة، لأن آليات الوساطة والمبادرات الحقوقية وحضور الوزراء إلى الحسيمة والتدابير الحكومية المستعجلة في بعض القطاعات… كل هذه الخطوات لا يمكن أن تجتمع مع خيار المقاربة الأمنية التي ارتفع صوتها فوق كل الأصوات.

لنسجل في هذا السياق أن تخفيف تواجد وانتشار القوات العمومية في شوارع الحسيمة والضواحي خلال الأيام الأخيرة يعد خطوة في الإتجاه الصحيح من أجل عودة الثقة والسعي إلى التهدئة، لكن الحاجة ضرورية وملحة لفتح تحقيق قضائي واسع لتحديد المسؤوليات في كل ما جرى في الحسيمة خلال الفترة الأخيرة، وفي هذا الصدد ينبغي أن يكون التقرير الذي أعده المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن ظروف المعتقلين والتسريبات التي تتحدث عن تعرضهم للتعذيب والإساءة… ينبغي لمضامين هذا التقرير إذن وغيرها من التقارير التي ترفعها المبادرات المدنية والحقوقية أن تؤخذ مأخذ الجد، وتفتح نقاشا صريحا حول الإلتزامات الحقوقية التي عبرت عنها الدولة وراكمتها منذ تجربة الإنصاف والمصالحة.

الإشارات الدالة على تغير ما في موقف الدولة من الحراك تعددت خلال الآونة الأخيرة، ولعل أبرزها هي تلك التي عبر عنها بلاغ الديوان الملكي الذي تحدث عن” استياء وانزعاج وقلق الملك بخصوص عدم تنفيذ المشاريع التي يتضمنها برنامج منارة المتوسط “. وهو الموقف الذي انتهى إلى تشكيل لجنة من المالية والداخلية للتحقيق في أسباب وتفاصيل تأخر تنفيذ البرنامج المذكور… وما كان للأمر أن يصل إلى هذا المستوى لو أن الدولة والحكومات المتعاقبة تحملت مسؤولياتها في تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والمفسدين. لذلك يحسب لحراك الريف أنه ساهم في فتح هذا الملف، لأنه رفع صوته عاليا في وجه الفساد. لكن “الغضبات” الملكية وحدها لن تغير الواقع إذا لم ترافقها إجراءات وتدابير إدارية ومتابعات قضائية في حق كل من تثبت مسؤوليته في التقصير أو التلاعب أو الغش أو سرقة المال العام.

لقد اعترف رئيس الحكومة في لقائه التلفزيوني الأخير بأن التصريحات التي أدلى بها زعماء أحزاب الأغلبية عندما خونوا احتجاجات الحسيمة واتهموا المحتجين بالإنفصال وخدمة أجندات خارجية، كانت خطأ فادحا، كما أقر وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان بوجود أخطاء وتجاوزات في تدبير الدولة لملف الحراك، لكن فضيلة الإعتراف وحدها لا تكفي، لأن المهم في هذا الإمتحان هو الإستفادة من الأخطاء والإنتقال الفعلي إلى تدبير مؤسساتي يرعى كرامة المواطن، ويهيئ له شروطالعيش الكريم، ويربط المسؤولية بالمحاسبة… وحينها فقط يمكن أن نصدق أننا نعيش الإستثناء المغربي بمعناه الإيجابي الذي يجعل هذا البلد مستقرا وآمنا بنموذج تنموي ديموقراطي حقيقي لا بلغة الخشب ودغدغة العواطف.