قد يستغرب زبونُ مقهى في المغرب أنْ يَحمل إليه النادل مع فنجان قهوته قائمة كُتبٍ يختار منها ما يشاء، إنْ كانت شهيّته مفتوحة للقراءة، لكنّ هذه الفكرة أضحتْ تجربة ملموسة، ليس في إحدى المدن المغربية الكبرى، بل في مدينة صغيرة اسمها الرمّاني، حوالي 76 كيلومترا عن العاصمة الرباط.

انطلقت الفكرة من منتدى أنشأه عدد من أبناء المدينة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ينطوي على سُؤال مُحفّز: “لديك كتاب في البيت سبق لك أنْ قرأته؟ لماذا لا تُقاسمه مع الآخرين وتضعه رهن إشارتهم لمطالعته؟”. وجرى إنشاء “هاشتاغ” اختير له وَسْم “القراءة للجميع بالرمّاني”.

لقيَت الفكرة ترحيبا مشجّعا منذ البداية، فعبّر عدد من أبناء المدينة الصغيرة عن استعدادهم للتبرّع بالكتب التي بحوزتهم، ليستفيد منها الآخرون. وكانت الفكرة الأساسية لهذا المشروع الثقافي هي أنْ تُوضع الكُتب في مقهى، باعتباره من الأماكن التي يقضي فيها المغاربة حيّزا كبيرا من أوقاتهم خارج البيت.

قبل الانطلاق في البحث عن مقهى يأوي هذا المشروع الرامي إلى تشجيع أبناء مدينة الرماني على القراءة، وضع القائمون عليه في حُسبانهم أنّ تحقيق هذه الغاية ليس بالأمر السهل، على اعتبار أنّ المقاهي أنشأها أصحابها بهدف الربح المادي، وأنّ تقديم كُتب للناس سيجعلهم يقضون أوقاتا أطول في المقهى، ما سيقلّص هامش هذه الأرباح.

وصلت الفكرة إلى الحاج الرحيمي، صاحب مقهى BELLA GUESTA، فرحّبَ بها على الفور، منحّيا الحسابات المادّية جانبا؛ وفي شهر مايو الماضي، أصبحت الكتُب تزاحم فناجين القهوة والشاي في “كونطوار” مقهاه الواقع وسط مدينة الرماني.

“لم يكن لديّ اعتراض أبدا، بل راقتني الفكرة، لأنني، باحتضانها، سأساهم في نشر ثقافة القراءة في مدينتنا، خاصة في أوساط الأجيال الصاعدة”، يقول الحاج الرحيمي لهسبريس، مضيفا، ردّا على سؤال حول ما إنْ فكّر في احتمال تأثير إحداث مكتبة داخل مقهاه على أرباحه: “مْصَّاب غير الناس يقراو”.

ويهدف القائمون على المبادرة إلى إخراج مدينة الرماني من عزلتها الثقافية. “هادْ المدينة مْقتولة من الجانب الثقافي، وخْصّنا، حْنا ولادها، نديرو شي حاجة”، يقول العربي شفوق، فاعل جمعوي بالرماني، مشيرا إلى أنَّ المكتبة تضمّ، حاليا، حواليْ 200 كتاب، من مختلف التخصصات.

ويأمُل القائمون على مبادرة “القراءة للجميع بالرماني” إتاحة أكبر عدد ممكن من الكتب لعشاق القراءة في هذه المدينة الصغيرة؛ ولتحقيق هذه الغاية انفتحوا على شبكة القراءة بالمغرب، وحصلوا على وعْد بتزويد المكتبة بكتُب نوعية، خاصة في جنس الأدب، حصلت على جوائز مرموقة.

رشيدة روكي، رئيسة شبكة القراءة بالمغرب، أبْدتْ تشجيعها للمبادرة، وقالت إن الشبكة التي ترأسها ستُزوّد مكتبة مقهى BELLA GUESTAبعدد من الكتب المغربية المتميزة، خاصة في جنس الأدب، ونالتْ جوائز وطنية وعربية ودولية، أو تلك التي بلغت القوائم النهائية لهذه الجوائز، موضحة أن هذه المساهمة تندرج في إطار تشجيع الشبكة للأدب المغربي.

وأردفت المتحدثة ذاتها بأنَّ الكتُب الجيدة غير متوفرة بما فيه الكفاية للقارئ المغربي في المكتبات العمومية، وقدْ لا يجدها حتى في المكتبات الخاصة، معتبرة أنَّ المبادرة التي ستساهم فيها الشبكة في مدينة الرماني ستشجع الناس على القراءة، لأنها ستوفّر لهم كُتبا ذات جاذبية، وتراعي أذواقهم.

بعد أن شرع أبناء مدينة الرماني في التبرع بكتُبهم، كان لافتا، حسب العربي شفوق، أنّ نسبة كبيرة من الكتب المتوصّل بها كانت في المجال القانوني، بحُكم أنّ أبناء منطقة زعير ميّالون أكثر إلى هذا التخصص، مضيفا أنّ باشا المدينة بنفسه أعجبته الفكرة، وتبرّع ببعض الكُتب.

ويطمح العربي شفوق وزملاؤه من الفاعلين الجمعويين الساهرين على تشجيع القراءة بمدينة الرماني إلى نقل التجربة التي بدؤوها في مقهى بيلا كوستا إلى فضاءات أخرى، ويسعوْن إلى توفير مكتبة صغيرة في إعدادية عبد الله بن ياسين بالرماني، وأيضا في مدرسة ابتدائية بجماعة أغبالا.