يناقش العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي إشكالية الارتفاع المهول للأسعار لمجموعة من المواد الضرورية للحياة اليومية للمواطنات والمواطنين، والتي عمد بعض الأشخاص منعدمي الضمير إلى استغلال هذه اللحظة الحرجة التي تمر منها بلادنا من أجل الاغتناء عبر الاتجار في المآسي، مما جعل الجميع يطالب بضرورة إشهار لوائح الأسعار من طرف أصحاب المحلات التجارية وتكثيف المراقبة من طرف لجان المراقبة المعهود إليها بهذه المهمة، فسارعت مجموعة من الهيئات إلى المطالبة بحماية المستهلك، من قبيل ما تضمنه بيان الكتابة الإقليمية للحزب بجرسيف مؤخرا، والذي اعلنت من خلاله على إدانتها للممارسات الرامية إلى الاحتكار وغلاء الأسعار، وتكريس الاستغلال البشع لحاجة المواطنات والمواطنين، وناشدت الساكنة إلى التبليغ عن كل المخالفات المرتبطة بها عبر الاتصال بالجهات المختصة.


والاتجار في المآسي مهما كانت أشكاله ومنطلقاته فهو عمل مدان، الأمر الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ مجموعة من التدابير من أجل ضمان تموين الأسواق بالمنتوجات الضرورية، وإحداث لجنة اليقظة لاتخاذ التدابير اللازمة وطمأنة المواطنات والمواطنين بضمان تموين السوق، كما أن مجموعة من الهيئات المهنية أكدت على التزويد المنتظم للمحلات التجارية، وبكمية كافية متعهدة بعدم وقوع أي انقطاع، سيما أن إنتاج الخضروات يعرف وفرة، وبدأ التوزيع المباشر والتخلي عن اللجوء إلى أسواق الجملة في إطار تأمين مسالك بديلة، مؤكدة أن العرض يفوق الطلب على منتجات الخضر والفواكه، وأنه تم تأمين المخزونات من المواد الأساسية غير القابلة للتلف، لمواجهة الطلب الداخلي.


لكن هذه التصريحات والتدابير المواكبة لها، لم تتمكن من حماية المستهلك، لعدة أسباب، أبرزها إغلاق ساحات الأسواق الأسبوعية كإجراء صحي صحيح، والهلع والتخوف من المستقبل، وتهافت البعض على الأسواق بهدف التخزين لضمان الحاجيات الخاصة للأسر طيلة مدة حالة الطوارئ الصحية، مما ساهم في حدوث خلل شبه شامل في مختلف أنحاء التراب الوطني.


ففي خضم هذا النقاش، لابد من التوقف عند مسألة أساسية، يتعلق الأمر بالعديد من الجماعات على المستوى الوطني، والتي تعتمد فيها الساكنة على الأسواق الأسبوعية للتبضع خاصة الخضر والفواكه وأعلاف المواشي، إذ بمجرد إغلاقها، لم يعد لديهم أي محل يقدم هذه الخدمة، لينضاف إلى صعوبة وصول هذه المواد، هذا يدفعنا إلى الحديث عن مسؤولية مختلف المتدخلين من أجل ابتكار مهن مؤقتة تتعلق خصيصا بتوفير محلات للبقالة في كل التجمعات السكانية، بشكل يحقق نوعا من الاكتفاء ويضمن عدم التنقل إلى تجمعات أخرى، وأحيانا كثيرة من جماعات إلى جماعات أخرى، كمرحلة أساسية لوقف مختلف اشكال المضاربة والاتجار بالمآسي.


فغريب أن نسمع اليوم ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية، والحكومة أكدت على توفرها، خاصة المنتوجات الصديقة للمواطن، أي الطماطم، البصل والبطاطس، معلنة كميات الانتاج المتوقع حتى يونيو 352.000 طن للطماطم، 910.000 طن للبطاطس، 412.00 طن للبصل الأخضر، فأين الخلل إذن؟ وما الذي سمح للبعض في الاتجار بالمآسي؟


اعتقد أن الخلل يكمن بالدرجة الأولى في عدم تغطية مختلف التجمعات بمحلات تجارية مؤقتة تقدم هذه الخدمة ولفترة محددة على الأقل، ثم السكوت وعدم التبليغ، وعدم تفعيل الأدوار المنوطة بالمراقبين المعهود إليهم قانونا بهذه المهمة، والذين يقومون بعمليات التفتيش لرصد ومعاينة الممارسات الـمخلة بأحكام القانون رقم 31.08 فيما يتعلق بالممارسات التجارية، ثم أخيرا خرق الحق في الإعلام والذي يجعل عملية إثبات المخالفة والتبليغ عنها أمر صعب، وإن كانت في حد ذاتها تعتبر مخالفة عدم الإعلام بالسعر معاقب عليها.


وجدير بالذكر أن الحق في الإعلام يعتبر أول حق تم التنصيص عليه في ديباجة القانون رقم 31.08 يقضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك الصادر بتاريخ 18 فبراير 2011، وذلك بهدف تحقيق إعلام المستهلك إعلاما ملائما وواضحا بالمنتوجات أو السلع أو الخدمات التي يقتنيها أو يستعملها، وهذا القانون أفرد بابا بأكمله للالتزام العام بإعلام، وبابا أخرا للإعلام بآجال التسليم، والذي صدر في إطار تنزيله المرسوم رقم 2.12.503 الصادر في 4 ذي القعدة 1434 (11 سبتمبر 2013) بتطبيق بعض أحكام القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، إضافة إلى مجموعة من النصوص القانونية الأخرى من قبيل: القانون رقم 13.83 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع، والقانون رقم 24.09 المتعلق بسلامة المنتوجات والخدمات، و القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة…إلخ.


والقانون المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك يؤكد على وجوب الإعلام بأسعار المنتوجات والسلع وبتعريفات الخدمات المرتبطة بها، بشكل يجعل السعر محددا بشكل نهائي وفق كمية أو وحدة معينة، ويشمل الضريبة على القيمة المضافة وكل الرسوم التابعة له، وأن المنتوجات والسلع غير المعبأة أو غير المغلفة يتم قياسها بحضور المستهلك، هذا تحت طائلة فرض عقوبات على صاحب المحل.


ويؤكد على وجوب أن تكون لافتة الأسعار معروضة على أنظار العموم، بأي شكل من الأشكال، لا سيما على واجهة المحل، كما يمكن أن تكون موضوع عنونة بواسطة لافتة أو لصيقة أو أي وسيلة أخرى ملائمة على الرفوف أو داخل محل البيع، مثلا: حينما تكون سلعة أو منتوج غير معروض على أنظار العموم لكنه معد للبيع بالتقسيط في أماكن يسهل الولوج إليها، من الضروري أن يحمل هذا المنتوج أو السلعة لصيقة تشير إلى سعره، واللصيقة تحتوي على إعلان سعر البيع مع ذكر وحدة الوزن أو القياس المعبر عنه وفق النظام العالمي (على المستوى الوطني: الوحدة بالكيلوغرام، والعملة بالدرهم)، نموذج اللصيقة: (الحمص 1 كيلو 13 درهم).


فاليوم، وبحكم الظرفية التي تمر منها بلادنا، التي تتوفر على زخم هائل من النصوص القانونية المهمة، والتي يمكن تنزيلها واحترامها لنسلك من هذه الأزمة بأمن وسلام، فإنه يتحتم على الجميع، وفي إطار دعم الجهود الوطنية المبذولة من طرف الدولة للحد من تفشي فيروس كورونا “كوفيد 19″، أن يتم التواصل مع المصالح المعنية، أو على الأقل بجمعيات حماية المستهلك لاعتبارهما جمعيات معترف لها بالمنفعة العامة، وبإمكانها مؤازرة المستهلك، ومعلوم أنه توجد هذه الجمعيات بالعديد من المدن المغربية، مثلا على مستوى جهة الشرق توجد بوجدة وتاوريرت.
الاحتكار والزيادة في الأسعار = جريمة.
جميعا من أجل وقف الاتجار في المآسي.
جميعا من أجل هذا الوطن.

بقلم البرلماني سعيد بعزيز