لـم يكن خطاب السيد جون كلود جونكر، رئيس اللجنة الأوروبية، لـيـوم 12 شتنبر 2018، سـوى حلقة جديدة من صراع سياسي أو إيديولوجي بين محوريْ دول الاتحاد الأوروبي، بين الأحزاب الكلاسيكية الوسطية والأحزاب المتطرفة و”الشعبويـة”، بين محور سياسة الأبواب المفتوحة في مجال الهجرة واللجوء ومحور سياسة تحصين القلعة الأوروبية، بين محور مناصري السيادة الوطنية ومحور مناصري السيادة الأوروبية.

والمحوران معا يستعملان تقريبـا المصطلحات نفسها، أي الحرية والديمقراطية والسيادة، لـكن بوجهات نظر مختلفة، وصراعهما قائم على تبادل الاتهامات بتبني تحليلات ماكرة وخادعة. فـدول الاتحاد الأوروبي تعيش حملات انتخابية مُـستمرة تستبيح كل المعلومات وكل القضايا وانتعشت فيها “الأخبار الزائفة”، وأشعلت الخوف ضد الهجرة والمهاجرين حتى أصبح الناخب الأوربي يعيش مـا يُـشبه “فوبيا المهاجرين”.

لكـن الخطاب السنوي في شهر شتنبر لجونكر أمام البرلمان الأوروبي لتحليل حالــة الاتحاد الأوروبي جاء مُـتميزا هـذه السـنة، لأنه جاء على بُـعْد 9 أشهــر من انتخابات ماي 2019؛ لذلك يمكن القول إنه خطاب يحمل الكثير من الترتيبات والإشارات إلى التحالفات السياسية الكبرى في أوروبـا لـما بعد انتخابات مـاي 2019؛ حيث ضرورة الحفاظ على أوروبـا موحدة وقـويـة والدفاع عن المبادئ والقيم التي من أجلها أنشئ الاتحاد الأوروبي بعـد حرب عالمية طاحنة. لـذلك قــال جونكير إن الاتحاد الأوروبي قـد صالـح التاريخ مع الجغرافيا، ويجب أن يبقى فضاء للسلام والعيش المشترك للأجيال القادمة.

إن ترتيبات المرحلة القادمة تعني أيضا “كـسر شوكـة” الخصوم السياسيين والتربص بأخطائهم وتصريحاتهم ومواقفهم في الـجديـد من القضايا، ومنها أساسا ملف الهجرة واللجوء، واستعماله كورقة انتخابية بامتياز مـرة باسم السيادة الوطنية ومرة باسم الهوية المسيحية الأوروبية، ومرة باسم الوضعية الاجتماعية والاقتصادية وحالة الرفاه الاجتماعي. وفي مـقـابـل كل هذه الترتيبات هناك مساومات وتحالفات لتولي مسؤوليات الأجهزة التنفيذية الكبرى بالاتحاد الأوروبي بعد انتخابات ماي 2019: أي رئـاسة اللجنة الأوروبية والبرلمان الأوروبي والبنك المركزي الأوربي …

إغراءات ميركل لفك تحالف اليمين الشعبوي

لقد رفعت تحركات محور ماتيو سالفيني، وزير الداخلية الإيطالي، وفيكتور أوربان، رئيس وزراء هنغاريا وزعيم تحالف دول فيسغراد، سقف تحديها لــدول الاتحاد الأوروبي في موضوع محاربة الهجرة غير الشرعية واللجوء. وأعلن التحالف نيته المضي في ذلك حتى بـدون دعـم بروكسيل، وذلك باسم السيادة الوطنيـة، مهددا بذلك استقرار تحالف بروكسيل وقـيم التضامن الأوروبي.

وأمام مـد غيـر مسبوق لــقوى اليمين المتطرف وزحفها داخل البرلمانات الأوروبية، فإن محور أنجيلا ميركل وماكــرون، الداعم لبنـاء اتحاد أوروبي قــوي وموحد بسيادة أوروبية، يواصل تحركاته وطنيا وقاريا؛ بالموازاة مع ظهور رغبـة في ترتيب اليسار الأوروبي استعدادا لانتخابات ماي 2019، وإنشاء تحالف يضم بوديموس من إسبانيا وحركة ميلونشون من فرنسا، بالإضافة إلى تيارات اليسار من البرتغال والسويد والدنمارك وإيرلندا وإيطاليا وغيرهــا.https://t1.hespress.com/files/boussouf_706448614.jpg

لقد عجلت العديد من المعطيات بصفعة مصادقة البرلمان الأوروبي على “تقرير سـارجنتيني” ضد فيكتور أوربان الهنغاري، وموافقة 448 نائبا برلمانيا أوروبيا على البدء في إجراءات مسطرة الفصل 7 من ميثـاق لشبونة، وهو الفصل الذي يتضمن عقوبات ضد دول أعضاء في الاتحاد عند خرق القيم والمبادئ الأساسية للاتحاد المسطرة في الفصل 2 منه، أي دولة القانون وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وحقوق الأقليات…

وهو بالفعل ما رصدته السيدة جُوديث سـارْجنتيني (برلمانية هولندية عن حزب الخضر) في تقريرها عن لجنة الحريات المدنية والعدالة والشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي، من خلال سياسة رفض المهاجرين والتضييق على الأقليات ومنع منظمات حقوقية دولية…

وهكذا يمكن اعتبار “تقرير سارجنتيني” ردعا لمحور سالفيني وأوربان وغيرهما، زاد من قوة تأثيره السياسي موافقة السيد مانفريد فيبيـر (46 سنة) عليه، وهو رئيس الفريق البرلماني للحزب الشعبي بالبرلمان الأوروبي؛ ما شكل ضربة موجعة باعتبار حزب أوربان جزءا من الحزب الشعبي الأوروبي.

لكــن هذا التصويت لم تمليه قناعات إيديولوجية أو إنسانية، بل هو تصويت بلغت قيمته رئاسة اللجنة الأوروبية، لأن المستشارة ميركل صرحت بأنها تُـدعم الألماني مانفريد فيبير لرئاسة اللجنة الأوروبية بعد جونكير. لذلك فإن هذا التصويت انتصار لمحور ميركل / ماكرون؛ هذا الأخير مازال معارضا للصفقة السياسية ويمكنه الموافقة مقابـل تعيين السيدة “كريستين لاغارد”، وهي المسؤولة في البنك الدولي حاليـا، على رأس البنك المركزي الأوروبي في مكان الإيطالي ماريو دْراغـي.

سياسية الكيل بمكيالين في ملف الهجرة

ونعتقد أن قــوة محـور ميركل / ماكرون هي الحديث بعـد الإنجاز، عكس محـور سالفيني/ أوربان الذي يحتفل حتى قـبل الإنجاز؛ فكُـلنا يتذكر تعهد سالفيني قبل انتخابات 4 مارس الماضي بترحيل وطرد حوالي 600 ألف مهاجر بايطاليا. وها هو وزيــر الداخلية الألماني “هورست زيهوفر” يُعلـن موافقة سالـفيني نفسـه على قبول مهاجرين مرحلين من ألمانيا، مثلما وافقت إسبانيا واليونان في وقــت سابـق…

إن ازدواجية المعايير هــي ما نلمسه في تعامل محور سالفيني / أوربان في موضوع الهجرة واللجوء، فمن جهة هناك الأسوار الشائكة والشرطة والترحيل القسري، ومن جهة ثانية هناك ســوق مفتوح ومزاد أوروبي لبيع الجنسيات الأوروبية برقم معاملات مالي خيالي يصل إلى حوالي 2 مليار دولار سنويا…

فـفيكتور أوربان مثـله مثل بلغاريا والنمسا ودول فيسغراد، يرفض دخول المهاجرين ويرفض مبدأ الحصص ويُـؤيــد سياســة سالفيني في إقفال الموانئ. لكن في المقابل نجد هنغاريا ضمن قـائمة الــدولة التي تبيع جنسياتها مقابـل استثمارات مبالغ مهمة ومنـح «رخص الإقامة» لأثرياء من الصين والروس والعرب أيضا، إلى جانب 12 دولة أوروبية تعرض جنسيتها للبيــع، من بينها قبرص ومالطا وليتوانيا وإسبانيا وبلجيكا واليونان والنمسا وإيرلندا والبرتغال وبريطانيا. وقد دفع هذا الأمر بروكسيل لتـدق ناقــوس الخطر حول هُـويـات المشترين ومصادر أموالهم وما يرتبط من ذلك من جرائم التهرب الضريبي وتبييض الأموال، وكذا انخراط المجرمين والإرهابيين أيضا في هذه العملية…

لقد كان خطاب جونكر مليئا بالإشارات التاريخية إلى أوروبا ومصالحتها مع جغرافيتها، وهو بالضبط ما فعلته “إلينا شنايـل”، النائبة الإيطالية في البرلمان الأوروبي عن “فريق مُمْـكن”، عندما ذكّرت الرئيس فيكتور أوربان بتاريخ شتنبر 1956 والهجرة الجماعية لـ100 ألف هنغاري نحو دول أوروبا في ظرف شهرين فقــط، خاصة نحو النمسا التي نظمت آنــذاك حملة للتبرع لفائدتهم، وما حمله هذا الحدث من قيـم التضامن في الفضاء الأوروبي…في وقت تجردت كل قرارات وتصريحات أوربـان وشركائه في اليمين المتطرف من هذا التضامن مع المهاجرين المستضعفين الفارين من مناطق العنف والصراعات والباحثين عن مستقبل أفضل لهم ولأسرهم.

والأكيد أن نتــائج انتخابات ماي 2019 لن تكون إعلانا عن نهاية حملة انتخابية جعلت من ملفات الهجرة واللجوء والهويات حطبا لنارها، بل ستكون حلقة جديدة من مسلسل صراع فكري وإيـديولوجي وسياسي كُـتب لــه الاسمرار بأكثر من صورة وبأكثر من تصور.

 

م.ا.ه