أحمد صبار: جميل جدا أن تعمل ولاية أمن وجدة على تخصيص فرق أمنية من أجل الحد من الجريمة ومحاربة بعض الظواهر المشينة واستتباب الأمن في عدد من الأحياء التي تعتبر وكرا وفضاء لمجموعة من الأنشطة غير القانونية، وجميل جدا أن تعمل شرطة المرور المُستقدمة من الأقاليم المجاورة على تنظيم السير والجولان وفرض غرامات على المخالفين للقوانين الجاري بها العمل والتي تستلهم شرعيتها من مدونة غلاب، لكن تبقى المقاربة الجزرية وحدها غير كافية للحد من تفشي ظاهرة الإساءة لقانون السير، خصوصا بمدينة كمدينة جرسيف المعروفة ساكنتها بالسير وسط الطريق بعد أن استعمرت كراسي المقاهي وسلع الدكاكين ومواد بناء العمارات رصيف الراجلين، فما العمل إذا؟

فبالنسبة لتدخل الفرق الأمنية الولائية للحد من الجريمة، مباشرة بعد تبعية مفوضية الشرطة لولاية جهة الشرق بوجدة، هو أمر استحسنته الساكنة خصوصا بعد تنامي حالات الاعتداء وتفشي ظاهرة النقل السري وتعدد نقط بيع الخمور المهربة بهوامش المدينة، وتصاعد نسبة مروجي حبوب الهلوسة، رغم المجهودات المبذولة من طرف العناصر الأمنية بقيادة شاب جرسيفي يعرف جيدا شعاب مدينته بتنسيق – من طبيعة الحال مع قيادته – إلا أن الأمر أكبر بكثير من مقاربة أمنية صرفة في غياب نظرة شاملة تضمن لشباب المدينة فرص شغل حقيقية تقيهم شر الارتماء في أحضان الممنوع، وما الأرقام التي تم تسجيلها فيما يخص عدد الموقوفين والمبحوث عنهم وآخرين خلال التدخلات الأمنية منذ حوالي أسبوعين لدليل قاطع على ما قيل.

فالمقاربة الأمنية يجب أن توازيها مقاربات أخرى قد تعتبر استباقية، لعل أهمها المقاربة الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض تدخل جميع المسؤولين، فهناك من الشباب من يتوفر على مؤهلات لا تزال دفينة في غياب فضاءات لتفجيرها، وهنا عاطلين حاصلين على شواهد اِصفرَت من كثرة بقائها بين الكتب القديمة والمطبوعات الجامعية في علب كارطونية معلقة برفوف خشبية في بيوت أشبه بأكواخ في أحياء تعتبر مرتعا لمجموع السلوكات غير السوية الناتجة عن الفقر والتهميش، وهنا من الشباب من امتهن الاتجار في البنزين المهرب بعد أن أُغلقت في وجهه جميع الأبواب ولم يجد بدا من المخاطرة بحياته في سيارات أشبه بقنابل موقوتة، وهناك من الشباب كذلك من وجد نفسه يغامر من أجل قوت أبنائه ووالديه المقعدين في مقاتلات ذهابا وإيابا سواء إلى الحدود المغربية الجزائرية أو إلى مدن إقليم الناضور للاتجار في الخمور المهربة، دون أن تفكر الجهات المعنية والمسؤولة في توفير البدائل بدل المنع…

وبالعودة إلى تدخلات الفرق الأمنية الولائية الخاصة بالسير والجولان، والتي قاربت استخلاصاتها في ظرف قياسي حوالي عشرة ملايين سنتيم، مستغلين في ذلك مجموع العادات السيئة التي تربى عنها معظم مستعملي الطريق بجرسيف المدينة والإقليم، والتي تتماشى ورداءة الطرق بوسط المدينة دون الحديث عن تلك التي توجد بجل الأحياء أو التي تربط مركز المدينة بباقي الجماعات الترابية المكونة لإقليم جرسيف، والتي تُوصف بغير الصالحة للاستعمال، فالمحاسبة الحقيقية كان من المفروض أن تطال المجالس المنتخبة المتعاقبة على تسيير الشأن المحلي، فالغرامات والتأديبات كان من الواجب أن تطال المتواطئين من رجال الأمن السابقين وبعض اللاحقين، إذ من العار استنزاف جيوب رعايا صاحب الجلالة بهذه المدينة التي تفتقر إلى أبسط شروط السلامة، بدأ بحالة الطرقات مرورا بالتشوير الطرقي وصولا إلى المستوى المعيشي لجل ساكنة مدينة جرسيف، فالأمر كان سيلقى الاستحسان والتنويه لو سبق هذه العملية تدخلات أخرى للجن تفتيش وأخرى لمراقبة سير الصفقات وثالثة لمواكبة مجموع المشاريع التي تبقى في غالبيتها متعثرة، وشارع محمد السادس (أهم شارع بالمدينة) لشاهد على ما نقول، ورابعة تهتم بالتحسيس والتوعية عوض ضخ ميزانيات من طرف اللجنة الوطنية للسلامة الطرقية في أرصدة جمعيات تقتصر على ارتداء صدريات وتوزيع مطويات بتقاطعات شوارع المدينة.

فتوفير الشغل لشباب المدينة ضرورة ملحة عوض اعتقالهم والزج بهم في السجون بناء على تهم وجدوا أنفسهم يرتكبونها مرغمين، وتوسيع شبكة النقل العمومي باعتماد دفاتر تحملات للحد من ظاهرة النقل السري يبقى مطلبا أساسيا، وإحداث أسواق ممتازة عوض السماح بنشاط مقاتلات تهريب الخمور المسمومة وعوض تضحية العديد من الشباب بأرواحهم على الطريق بين مدينتي جرسيف وتازة، شيء مفروض أكثر من أي وقت مضى وجب التفكير فيه بجدية ومسؤولية وجرأة، فالأمر أصبح مفروضا لا يجب التعامل معه بشكل يرضي فقط بعض العقول المنغلقة والمريضة.