واقعة تراجيدية حقيقية كانت مدينة مكناس مسرحا لها

أدخنة مزمجرة تتطاير في الفضاء؛ تقذف بها مشاوي تم ترصيصها عند مدخل مطعم الحاج بوزيان؛ تتعالى في أركانه صيحات نُدل (ج.نادل) يخطون بخفة بين موائد الزبناء:

” ..خمْسا كفتا … كفتا كومْبلي … كفتا معاها المخ .. رجْلا كامْلا ..”، فيما كان آخرون يحملون أطباقا معلبة بما لذ وطاب في طريقها إلى أصحابها بالأرقام ؛ ينتظرون بسياراتهم أو تصلهم عبر خدمة “تري بورتور الشواي”. حركة دائبة تستمر 12 ساعة متواصلة؛ لا يفتر فيها الدخان إلا عند الحادية عشرة ليلا.

الحاج بوزيان الشوّاي، شهرته طبقت الآفاق تجاوزت أحواز مدينة مكناس، فإذا لم تذق شواءه فأنت دخيل على المكناسيين وتقاليدهم.. يقع المطعم في الطابق السفلي لبناية من ثلاثة طوابق، أوسطها يشغلها مكتب محام، بينما العلوية كان هذا الأخير يتخذ منها إقامة في العطل الأسبوعية.

المحامي كان حنقه يشتد كلما لاحظ موجات لأدخنة الشوّاي شرعت تتسلل إلى الداخل لتعانق جدران مكتبه وتعطر بأريجها الفواح ملفات وقضايا ترقد برفوف حائطية متقادمة … جمعته لقاءات ولقاءات بأبناء بوزيان الشواي الثلاثة علّهم يتمعنوا في مغبة الضرر الذي يلحق بمكتبه جراء هذا السُّخام اليومي … كل مساعيه ذهبت أدراج الرياح، حتى برفعه قضايا أمام المحكمة لعلها تحكم له برفعه، لكنه بعد حين حدثته زوجته العاملة معه في المكتب إن كانت هناك ثمة “احتيال على القانون” من شأنه أن يفضي إلى رفع الضرر:

– ” … شوف آلأستاذ بوبكري … قلّب مزيان فْسيرة بّاهوم .. إقدرْ يكون ..”.

– ” … باللّاتي … باللّاتي فكّرتيني .. خصْني نْشوفْ الرخصة دْيالْ المحل .. كايْنا صافي غانطلّعْها من البلدية ..”.

قضى المحامي بوبكري زهاء خمس ساعات يبحث في أرشيف المجلس البلدي عن إسم بوزيان البخاري إلى أن عثر عليه في وثيقة تعود إلى عشر سنوات خلت، إلا أنها تفتقد إلى بعض الشروط المسطرية مما جعلها معرضة للطعن بذريعة التزوير وغيره. وهكذا تنفس بوبكري الصعداء، معتقدا أنها الضربة القاضية التي ستستأصل شأفة الشوّايا بالطابق السفلي، ويرتاح من محنة الأدخنة التي سوّدت حياته.

قرار المحكمة

بعد استئنافيات متوالية ومداولات داخل كواليس المحكمة صدر حكم بإيقاف نشاط الشّواء بالمحل الذي يشغله الحاج بوزيان وأبناؤه مع تعويض المتضرر بمبالغ سمينة، فنزل البلاغ كالصاعقة على الأبناء الثلاثة مالكي محل الشوّايا “المشواة”. تداولوا أمرهم بينهم.. أيّ مصير ينتظرهم .. كيف لمداخيلهم أن تنمو بعد الآن والتي كانت تدر عليهم أرباحا تتجاوز 5 مليون سنتيم يوميا … ماذا سيحل بزبنائهم ؟؟؟ تساؤلات كانت تؤرق مضاجعهم وتهوي على رؤوسهم أشبه بمطارق فولاذية.

وذات يوم؛ وهم على بعد أيام فقط للتوقف عن العمل؛ تلقى أحدهم مكالمة من إحدى الزبناء:

– ” … الله يخلّيك ..واحد الرّجْلا ادْيال العجل .. بغيتْها تجيني مجمْرا مزيان … راه عندي اضْياف ..”.

– ” …واخّا آشريفا .. راهْ احْنايا شويّا مشوشين .. ماتقلقيشْ إلا تعطّلنا عليكْ ..”.

لم تستسغ الزبونة الحاجة حليمة هذا الجواب فاستقلت سيارتها في اتجاه الشوّايا:

– ” … ياكْ لاباسْ … مالكوم … ماعمّرْني سمعت منكم التّعْطال ..” اقترب أحدهم منها وأسر في أذنها:

– ” … جانا الافراغ … الافراغ ..”

– ردت باندهاش ” …كيفاشْ …الافراغ ..آشْ اوقاعْ ياكْ كاتصيفْطو للقايدْ تلاتا كيلو دشْوا بيليكي كل يوم .. آشْ بغاو ملْ الفوقْ ..؟ واخّا … واخّا .. دابا عندي اضيافْ غدّا … غانجي لعندك للقهوى لمجاوراكْ ولّا نهدرو فالطوموبيل احسن “.

عادت الحاجة حليمة أدراجها إلى إقامتها محملة بالرّجلا ، بينما كان ميلود بوزيان يتعقب حركة سيارتها بنظرات شاردة ..

بداية مخطط جهنمي

قعدت الحاجة حليمة تنصت لكل تفاصيل القضية، يسردها من خلفها ميلود وفجأة التفتت إليه:

– ” … الحل هو التصفية الجسدية لكل منهما المحامي وزوجته ..”.

– ميلود محملقا في وجهها المتغضن عبر المرآة : ” … القتل … القتل !..كيف أليس هناك بديل عنه ..؟”.

– ” …القتل هو السبيل الأرحم ..للتخلص نهائيا من أي أذى قد يلحقكم منه …”.

– ميلود مطرقا برأسه إلى الأرض حينا ومتأملا تارة أخرى الأدخنة وهي تعرج في خيلاء إلى نوافذ مكتب المحامي : ” … طيب ومن سينفذ هذه العملية ..وكيف ؟!..”.

– الحاجة مقطبة جبينها الصفيق : “.. هذه مهمة .. سيتولاها إخصائي كبير … لن يترك من ورائها ولو شعرة أثر …فقط …”.

– ميلود مقاطعا ” … ماذا فقط ؟ “.

– ” … فقط يجب أن تكون أتعابه في مستوى العملية …”.

– ” … الحاجة لا تهزّي همْ من حيتْ لخْلاصْ … 20 ، 30 مليون كافيا ..؟؟ !”.

لملمت شعر ناصيتها الذي كان يتفّصد عرقا وعدلت من فولار رأسها، شغّلت محرك السيارة لتودعه على أمل الاتصال به في وقت لاحق.

خبير التصفية قادم من وراء البحار

حل بمطار فاس سايس المدعو كرداس ميمون قادما من اسبانيا؛ في الأربعينيات من عمره بلحية فاقع لونها؛ كست وجهه دون أن تخفي ندبة غائرة في صدغه الأيسر .. يرتدي نظارات سوداء .. بشعر أشعث ، يمشي بخطوات عرجاء على مدرج المطار ..حاملا لحقيبة ظهرية، كان في استقباله الحاجة حليمة:

– ” … على سْلامتك آبوكوصْ ديالي ..إوا شفْتي .. لوكانْ ماعيّطليكْ كاع ماتْجي … ياكْ مانسيتيني ..؟”.

– بصوت عميق بارد “… حاشا … واشْ دوّازنا قليلْ فمدريد وبرصلونا …”.

هاتف الحاجة حليمة يرن لتجيب عبر ريسيبتور السيارة : “… آميلود … لا … لا غادي نكونو عندك غدّا إن شاء الله … صافي .. ياالله …”.

سيلتقون هم الثلاثة بمكان منزو عن الأنظار، سيتداولون في شأن الروتين اليومي الذي يلازم المحامي بوبكري، لكن كرداس ميمون أبدى استعداده لتعقب خطواته أسبوعا كاملا تحضيرا لكل شيء، حتى تتضح له الرؤيا أكثر فأكثر، وأنسب الوسائل …”.

كان ميلود لا يهدأ له بال هو وأخواه جمال والحسين… كانت الكوابيس تستبد بهم جميعا، ولم يعودوا يطيقون الانتظار أكثر، وجعل الارتياب يدب بينهم، لكن كرداس ميمون حاول أن يقتلع من صدورهم كل نظرة شك يمكن أن تتسرب إليهم فأعلن أمامهم ألا خيار لهم سوى الإقدام على قتله بمعية زوجته في الطابق العلوي مساء السبت؛ وهو اليوم الذي يخصصه للمبيت هناك.

– ميلود منزعجا : “…ولكن كيف ستتكشف الحيلة.. فكيف سنفعل بجثتيهما ..لا …لا .. هذا شيء ..”.

– كرداس، وقد أزاح عنه النظارة السوداء ليظهر بعين واحدة حمراء كالجمر، بينما الثانية كانت مغلقة خلف ضمادة سميكة من البلاستيك :” … علي بشخصين يتقنان السلخ مع قنينة من سائل الأسيد … ووعاء بلاستيكي كبير في حجم بانيو الغسيل …”.

العد العكسي لأبشع جريمة

كعادته عند حلول الليل يزيح عنه ضمادة العين ويجعل يتفرس سحنته قبالة المرآة في غرفة فندق مصنف بأربعة نجوم .. كان وجها بشعا مثيرا للرعب، بين الفينة والأخرى كان ينفث بدخان سيجارة معبأة بمادة الماريخوانا، لا يفتر من أن تحين منه تكشيرة .. فصيحة .. ثم قهقهة مدوية ستختنق فجأة على وقع رنات هاتفه : ” … ليس لدي متسع للوقت .. ثم إنني على موعد مع المهمة … للسهر معك .. سنرجئه حال تخلصنا من ….”.

– قاطعته في غنج ويبدو من صوتها أنها ثملة :”… أريدك أن تخنقني كما كنت تفعل بي أيام تسكعنا في شوارع مدريد أ …تذ ك …”.

أقفل الخط وعاد إلى سريره ليستلقي على بطنه وقد كسا ظهره وشم مزركش لتنين برأسين.

في اليوم الموالي كان كل شيء معدا بعناية فائقة وبحسابات دقيقة ومحكمة مع إعطاء إشارة لأحد الإخوة الثلاثة برفع حجم صوت شريط أغاني الحوز الذي كان يديره بمدخل الشوايا … لتلافي سماع أي صوت بشري أو صراخ، وفي آن واحد كإعلان بوصول سيارة المحامي رفقة زوجته…

صعدا الدرج يدا في يد أدار مفتاح باب الشقة … دلفا معا إلى البهو .. وما إن وضع يده على مكبس ضوئي حتى تلقى صعقة كهربائية عالية ومن ثم انهالت عليهما الضربات بقضبان حديدية .. قبل أن يتم معالجتهما بطعنات السكاكين في أنحاء جسديهما.

أزاح الفاعلون عنهم أقنعة رأسية وأخذوا يحملقون في الجثتين تنزفان وسط بقعة متناثرة من الدم.

كرداس بصوت هادر متوجها إلى الأخوين الحسين وميلود : “… هيا الآن حان دور كل منا في فصل الرأسين عن جثتيهما، وعزل اللحم عن العظام … أمامنا مسافة عشر ساعات.. أي في الصباح الباكر يجب أن تكون أكياس العظام معدة للنقل…” أشعل سيجارة قبل أن يتم : ” … كلما توفر لديكم قدر من اللحم أودعوه المطحنة، وناولوني بعدها الكفتة لأتدبر أمرها … هيا للعمل ..”.

كانوا كلهم يشتغلون بقفازات سميكة عدا الرداء البلاستيكي الذي يكسوهم من الرأس إلى أخمص القدمين.

كرداس؛ كلما تلقى قبضة يدين من الكفتة قذف بها إلى البانيو ليمزجها بالأسيد وقليل من الماء قبل أن يفرغ محتواها في بالوعة المرحاض.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة صباحا، ليستكملوا عملية تفتيت العظام وتحويلها بمنشار خاص إلى حبات بحجم الفاصوليا ثم تعبئتها في أكياس بلاستيكية سميكة.

أخيرا؛ وفي الهزيع الأخير من الليل؛ ومن خلال غبش الضياء الذي بدأ يلوح في الأفق لاحظ ميلود توقف سيارة كان قد استأجرها وأوصى جمال باستلام المفاتيح.

وادي الشراط

أشار كرداس إليهما بإخراج الأكياس بحذر شديد الواحد بعد الآخر وإيداعه بصندوق السيارة قبل أن تنطلق بهم في اتجاه محطة القطار الأمير عبد القادر. تخلف كرداس في بيت العملية ليوضب الأثاث ويمرر المكنسة ويعطر الجو.. وليأخذ دشا باردا قبل أن يصك الباب من خلفه وخشخشة اللباس البلاستيكي ما زالت تضايقه أنّا التفت أو تحرك بالرغم من الجلباب الذي انحشر داخله، استقل سيارة طاكسي لتقله إلى إحدى ضواحي مكناس حيث كانت الحاجة حليمة في انتظاره مع إشراقة الشمس الأولى.

***

تعبأت الأكياس من جديد في حقيبتين جلديتين، وتم الاتفاق على أن يكون وادي الشراط الملتقى الموعود. أقلع القطار فيما كان الأخوان يتبادلان نظرات غامضة تسرح بهما ومشاهد أحواز مكناس تتعاقب مسرعة خلفهم لتعود وتحط على الحقيبتين الجاثمتين في أحد رفوف المقصورة. كان العياء قد استنزف طاقتيهما فذهبا في نوم عميق؛ لم تنل منه طرقات الجابي المتوالية، وفي لحظة ما استيقظ أحدهم مذعورا على وقع حقائب شرع أصحابها يحشرونها بين حقيبتيهما… كانت المحطة تمارة، نزلا لتوهما يجران الحقيبتين، وأمارات التعب والنعاس ما زالت تتثاقل بخطواتهما، وفي ركن بعيد عن المحطة منزو عن أنظار المسافرين كانت السيارة المعلومة في انتظارهما إلى وادي الشراط … وفي أقل من نصف ساعة توقفت السيارة، ترجل منها ميلود وأخذ يجيل بصره يمنة ويسرة في ذعر باد … لاحظ أن هناك تيارا جارفا غير بعيد فانتقل إلى جواره وشرع يركب قصبة الصيد بين الفينة والأخرى كان يلقي بكيس في عرض النهر ليبتلعه التيار ويطوح به في مكان عميق … أخذ يعاين ويتأمل زبد المياه وهي تتفاقع هنا وهناك فلا أثر للأكياس.. انتفض واقفا مجيلا بصره جهة السيارة كإشارة منه للتخلص النهائي من أثر المحامي وزوجته.

مكالمات وتحقيقات واستطلاعات

بعد مضي أسبوعين على المجزرة شرعت المكالمات تنهال على مكتب المحامي الذي افتقده عديد من الزبناء في قضايا التأمين بعديد من المدن، انتقل الاتصال إلى هاتفه النقال ولا من يجيب. التفتت الحاجة حليمة إلى الهاتف من بين الأغراض التي أوصاها كرداس بالتخلص منها إلى حين تمويه الجميع بمصير المحامي وزوجته.

كان هناك رقم الأكثر اتصالا طوال اليوم، فاتصلت به من هاتفها لتجد على الخط شقيقة المحامي فأبلغتها بأن شقيقها ذهب ضحية عملية إرهابية؛ قادته إلى مدينة وهران بالجزائر الليلة الماضية … ثم عادت بصوت ملفق لتؤكد لأرقام أخرى بأنه موجود رهن التحقيقات بمدينة الرباط في قضية تلاعب بثلاث مليارات لشركة تأمين.

وجدت الحاجة حليمة في الاتصالات بأرقامه عند كل مساء تسلية لها ولتستعيد ذكرياتها في برصلونة عقب نشل الهواتف والفتك بضحاياها صحبة كرداس. تحركت فرقة الشرطة القضائية في كل اتجاه لتتوفر معلومات غير مؤكدة بأن المحامي وزوجته اختفيا عن الساحة تحت وقع عملية إجرامية، حققت في كل الأماكن التي كان يختلف لها… بالحاجب مقر عائلته بمقرات شركات وزبناء التأمين. وأخيرا بالشوايا التي علمت أن مالكها وورثته تجمعهم عداوة قديمة جراء إلحاقهم الضرر بمكتبه… عمقوا إجراءات تحقيقاتهم فعلموا أن رخصة المحل (الشوايا) مزورة وأن المحكمة أصدرت حكمها بإيقاف خدمته للشي… استنطقوا كل من شعروا بوجود نسبة %1 من خيط الاهتداء إلى رأس الفاعلين… ومن خلال معالجتهم لمجموعة من المعطيات قرّ قرارهم على فتح شقته في الطابق العلوي بقصد أخذ عينات من المواد والعناصر لإخضاعها لتحليلات الشرطة العلمية.

ولجوا الشقة ولم يكن بداخلها لا من أثاثها ولا تجهيزاتها ما يوحي بوجود أثر لجرم ما، لكن أحدا من عناصر الفرقة القضائية استبدت به ملاحظة نظافة المكان فوق العادة رغم اختفاء صاحبها عن الأنظار من مدة قاربت الشهر:

– “… إنها نظافة ليست بعادية .. ألا تروا معي انعدام أي أثر لطبقة الغبار الرقيقة بالرغم من إحدى النوافذ التي كانت مفتوحة..؟ !” .

– ” .. نعم وكأن يدا ما تلازمها بالنظافة صباح مساء ، خلافا لمكتبه الذي يكسوه الغبار وسُخام الأدخنة ..”.

– ثالثهم يتذكر واقعة ” سقوط قطرة ماء من أحد السقوف في منزله وتسربها بين ترصيصلت زليج الأرض ..”.

– ” … لدي إحساس قوي بأن زليج هذا البهو يخفي ما يخفي …فلنستقدم أحدا للحفر “اقتلعوا بعض الوحدات ، وما كادوا يفعلون حتى بدت لهم خلف إحداها لطخات حمراء قانية … فأودعوها في علبة خاصة لتتكشف لهم بعد خضوعها لتحليلات مركزة أنها تحمل فصيلتين دمويتين للهالكين، ومن ثم انكشف لهم الستار عن أن الجريمة وقعت بمسكنه، لكن من هو الفاعل وأين ذهب بالجثتين ؟؟؟!

المجمع المركزي لاتصالات المغرب

عادت فرق البحث لخلط أوراقها وترتيبها من جديد في ضوء النتائج المستجدة، فعمدوا إلى هاتف أخت الهالك والتي سبق أن تلقت سيلا من مكالمات إخبارية من صوت نسوي برقم مجهول تارة بشنق المحامي وتارة بتورطه في عملية إرهابية وأخرى لاحتجازه من لدن شرطة الحدود المغربية الجزائرية. بحثوا .. وقارنوا بين أرقام الهواتف المسجلة لدى أفراد عائلته وشركات التأمين، لكنهم كانوا يصطدمون بتواريخ المكالمات ذات الأرقام المجهولة، فاهتدوا إلى جمع عينة منها الأكثر اتصالا وأحالوها على الخبير الالكتروني بالمجمع المركزي لاتصالات المغرب. هذا الأخير كشف لهم عن 11 اتصالا بأوقات ليلية مع أصواتها ومحتوياتها والأرقام التي كانت تموه بها المتلقي.

أعادوا سماع نصوص المكالمات على شقيقة الهالك فأكدت لهم أنه نفس الصوت الذي كان يخابرها في تلك الأماسي عقب مصرع شقيقها. أخذوا كامل التحريات وجهزوا كل عناصر الفرق للتدخل السريع بالكاميرات وأجهزة التنصت.

قبيل إدارة الهاتف للاتصال بها كانت في المقابل هناك خلية الترصد الجغرافي لرنات الهاتف وموقع صاحبها، وفي أقل من عشر دقائق تلقت الحاجة حليمة من مصدر مجهول مكالمتين مفصولتين عن بعضهما بدقيقتين… وما هي إلا لحظات حتى ركبها الذعر وأيقنت بأن خطرا ما يداهمها فأسرعت إلى سيارتها في الجراج وهي في لباس النوم. أقلعت بسرعة جنونية تريد الفرار، لكن جدارا من الإسمنت المسنن وقف حائلا بينها وبين تخطي مدخل الإقامة لتفاجأ بأشخاص ملثمين يطوقونها مشهرين بنادقهم في اتجاهها. نادوها من كل صوب في ضوء لمبات ضوئية كشافة : ” … الحاجة حليمة … الحاجة حليمة … استسلمي .. وإلا..”.

ترجل نحوها كبير عناصر فرقة الكوماندو مشهرا سلاحه الوظيفي في وجهها مخاطبا إياها: ” … اخرجي …”

التفتت من حولها بعينين منتفختين كان أثر السكر ما زال يداعبهما، حاولت مد يدها إلى شفرة لم تكن لتفارقها في سيارتها لكن أيادي فولاذية أطبقت عليها وأخرجوها معصبة العينين مغلولة اليدين.

يسدل ستار القصة على اعتراف الحاجة حليمة كرأس أفعى بكل الوقائع وصدرت أحكام قضائية بالإعدام في حق كرداس ميمون بعد إلقاء القبض عليه في مسكنه بمدريد… وثلاثين سنة سجنا نافذة في حق الحاجة حليمة.. والمؤبد لكل من الأخوين بمحل الشي ، إلا أن أحدهم سيلقى حتفه داخل السجن إثر عملية انتحار.