في مثل هذه الظرفية الحرجة، نستطيع قياس مؤشر الجوانب الإيجابية في المرء وما يتميز به من خصال حميدة وأخلاق رفيعة، ولكي يوصف ما يقدمه لغيره في خانة العمل الإنساني، يجب أن يقبل عليه بعيدا عن البوز، وأن ينساه، على أساس أن هدفه الوحيد هو تجاوز المستهدف للمحنة بأمن وسلام، فالإنسانية لا تعني فعل الخير من أجل الظهور.


وبلادنا، عملت على دسترة التعاون والتآزر والتضامن، لما نص الفصل 40 من الدستور أنه “على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”، وذلك بهدف إضفاء الشرعية الدستورية والقانونية على مساهمة الأغنياء من أجل حماية المجتمع مما يهدده، وجعلها مساهمة تضامنية قانونية وليست طوعية.


إذ في إطار تكريس دولة الحق والقانون، لم تنهج بلادنا هذا التوجه في مجال تحمل التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد والأضرار الناجمة عن الآفات فقط، بل عمل على نهج نفس الأسلوب فيما يتعلق بحماية الوحدة الترابية، حيث نص الفصل 38 من الدستور على أنه ” يساهم كل المواطنات والمواطنين في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية تجاه أي عدوان أو تهديد”، وعلى هذا الأساس الدستوري صدر القانون رقم 44.18 يتعلق بالخدمة العسكرية، كما نهج هذا الاسلوب فيما يتعلق بمبدأ شرعية التكاليف العمومية، فإضافة إلى الشق المتعلق بتحمل تكاليف تنمية البلاد المنصوص عليه في الفصل 40 من الدستور، نص قبل ذلك في الفصل 39 منه أنه ” على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور”، وهذا هو الأساس الدستوري للنظام الضريبي والذي تتم شرعنة ضوابط تحصيله من خلال قوانين المالية السنوية، إضافة إلى مجموعة من النصوص القانونية الأخرى.


وهذه المبادئ الدستورية، يمكن إدراجها برمتها في إطار مبدأ التضامن والتعاون بين جميع المواطنات والمواطنين، والذي يمتاز بالشمولية فيما يخص حماية الوحدة الترابية، والتناسب في الشق المتعلق بالتكاليف.


فشرعية التكاليف العمومية، تبدأ من قانونيتها، إذ لا يمكن إحداثها وتوزيعها إلا بمقتضى القانون، وتعتمد مبدأ التناسب والقدرة والاستطاعة على الأداء، فالعدالة الضريبية تشمل الجميع وبنسب محددة مسبقا وفق ما يحققه من أرباح، مما يعني أنه كلما ارتفع هامش الربح لدى الشخص، إلا وارتفعت مساهمته (الضرائب الملزم بأدائها) في مالية الدولة، ومن لا دخل له أو لا ربح لديه يعفى من الأداء، وهو نفس التوجه المعتمد في إلزامية تحمل التكاليف الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد.


فاليوم، تحمل التكاليف من أجل الحد من تفشي وباء كورونا ـ كوفيد 19، لا يعتبر مساهمة طوعية أو صدقة، بل هي ملزمة وباسم القانون، باعتماد مبدأي التضامن والتناسب، والتضامن هنا يعني السلوك الإنساني والمؤسساتي، أي لا يقتصر فقط على الأشخاص الطبيعية، بل يمتد إلى الأشخاص الاعتبارية من مؤسسات وشركات وغيرها، والتناسب أن يتحمل التكاليف وفق نسبة محددة مما يملكه، على شاكلة النظام الضريبي تماما، وفق التناسب الطردي المعمول به في الرياضيات، حيث تتناسب القيمتان طرديا إذا كانت زيادة قيمة الممتلكات منهما بعدد ثابت، فترتبط نسبة تحمله للتكاليف بنسبة ثابتة من الزيادة المسجلة لديه.


وفي هذا السياق، علينا أن نعتبر أن المساهمات المدفوعة إلى حدود اليوم للحساب المرصد لأمور خصوصية الحامل لاسم (الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد – 19”)، إن كانت من مؤسسات أو مقاولات عمومية أو جماعات ترابية وباسمها فهي من الدولة وإلى الدولة، وإن كانت تعويضات أو أجور أو دفوعات ذات طبيعة شخصية فهي مساهمة طوعية للأشخاص أو صدقة أو هبة… وعلينا أن ننتقل إلى المرحلة الثانية الرامية إلى إلزام أغنياء البلاد بالأداء الإلزامي وتحمل جزء من تكاليف الأعباء الناجمة عن حماية بلادنا من تفشي جائحة فيروس كورونا “كوفيد – 19″، وذلك عبر تخصيص دفوعاتهم المالية لفائدة الأسر المعوزة والهشة ولكل الفئات التي تعاني من التهميش والهشاشة والفقر، والتي ساهمت وضعية عدم مغادرة المنازل في تعميق معاناتهم.


لأنه بكل بساطة، مغادرة المنازل بحثا عن لقمة العيش، تؤدي بشكل مباشر إلى تفشي وباء فيروس كورونا “كوفيد – 19″، وانتشاره فوق التراب الوطني، مع استحضارنا لواقع هشاشة قطاع الصحة ببلادنا، فإنه يعني خلاصة واحدة لا غير، ألا وهي نهاية الأغنياء والفقراء على حد سواء.


فلنلزم الأغنياء بالمساهمة إلى جانب الدولة بتحمل تكاليف بقاء الفئات الهشة في بيوتهم، لضمان حياة الجميع، وأذكر في هذا الصدد بكلمة شاملة جاءت على لسان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، أثناء دراسة مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.292 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، في لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب، يوم الإثنين 23 مارس 2020، “ونحن نشتغل ونطلب مساعدة الجميع لأننا في أمس الحاجة إلى بعضنا… لأنه إما أن ننجو كاملين أو نغرق كاملين، لكوننا في سفينة واحدة، ولكن سننجو بفضل مساعدة الجميع”.


أخيرا، لا لتسييس الدعم والركوب على الأزمات، واستغلال العوز والحاجة من أجل البوز، فدعم الفقراء مسؤولية وضرورة دستورية، والأموال التي يجب أن تخصص لذلك، هي التي راكمها الأغنياء من خيرات البلاد مع اعتماد مبدأ التناسب باعتباره مبدأ دستوريا.


فلنربط مبدأ التضامن بالمسؤولية، لأن تجاوز الأزمة رهين بانخراط الجميع.

بقلم البرلماني سعيد بعزيز