حسن معتوق: تسعة عشر يوما مرت على هذه العودة الهوجاء، ولم يبق الا القليل لأعاود حزم حقائبي. ويوم مجنون هذا الذي استفقت فيه واستفاق معي كل هوسي بحياة مدينة سأغادرها وأعود الى حيث أفقد صباي من جديد، وأتخثّر، وألبس أزياء جدباء تليق بالكبر. تدبرت أمر شبكة منسوخة للكلمات المسهمة ودلفت الى المقهى. رمق أحمد أسد ما بيدي فابتسم وقال:
_يبدو أنك تخلفت عن الأزرار، وأشياؤك تنتمي الى الماضي.
_أريد، يا صديقي، أن أخط كلمات بالقلم وعلى ورق.
_وما الداعي الى شبكة؟ أكتب كلماتك خارج التسطير.
_أنت تعرف أنني انسان بسيط وقضايايا صغيرة، لم أدخل معتقلا ولم أشاهد عملية تهجير اليهود، ولا عاينت انفجارات عن كثب؛ وبالتالي فكلماتي بسيطة لا تصلح لغير ملء الخانات ومقاومة الفراغات المتوالدة بغزارة.
_الكلمات، مهما كانت صغيرة، تصير قضايا وأسئلة كبيرة كلما كتب لها أن تولد خارج الشباك المستهلكة وخارج التصاميم المهيأة قبلا، وكلما كتب لها أن تجسّ الحال والبدايات؛ ثم كلما كانت هي نفسها تلك الأشياء التي نعتبرها في غالب الأحيان منعطفات بدائية واعتباطية بلا جدوى ولا تستأهل أن تكون، والحقيقة هي: أنها هي مفاتيح لمعرفة بعض من هذه الكتلة، المسماة “نحن”، البادية رمادية، الساعية دوما في سبيل ادراك أشياء يتهيأ لها خطأ أنها أكثر أهمية… بقليل من هذه الأصالة والمكاشفة والتواضع، وفي نفس الوقت بالالتفات الى هذا الكنز الثري المطمور في البساطة، الأقرب الينا من أرواحنا الملفقة والتمويهية، فقط، نضمن أن ينظم حقيقتنا ويصل أجزاءنا واحدا بالآخر خيط من ذهب لاجزء، معه، من الانسان يمكن أن يسرق أو يسير في التيه الى الضلال والغيوم ثم الى التلاشي والعدم…. ونحن حين نفعل، لا نفعل ذلك من أجل التلهي بالتنقيب في متلاشيات الماضي ولا من أجل ترف الحاضر فحسب، انما ايمانا بحقيقة أن كل هذه الجزئيات والتفاصيل هي أبجديات لها مكان ما في نظام وجودنا الحاضر، وعملية نفض الغبار عنها خطوة أساس في سبيل البحث عن هذا المكان؛ لكن، لا يمكننا أن نفعل ذلك، الا في شقّنا الذي نتذكره ونعيه، أما ما عداه، فتلكم بوابات أخرى فينا، عندما تشرع، موكول للآخرين أن يسبروا أغوارها قدرما استطاعت هذه الكلمات أن تبقينا منشورين خارج غياهبنا المظلمة.
_….
لا أدري كم من الوقت قضيته ساهما، ولا أدرى ان كنت فكرت كثيرا أم قليلا في كلام أحمد أسد. أذكر فقط، أنني عندما انتبهت، كانت ورقتي مقلوبة على وجهها وولّتني البياض. أخذت القلم وبدأت أكتب كيفما اتفق كأنني أخربش: ليالي… صفصاف… عواصف… أرواح… فلاج… ولجة… فحّامة… سيد البشير… قيبو… توقفت، أفلتّ القلم من يدي ببطء. ألقيت نظرة على الكلمات؛ بدت لي حقا، كما في البداية، بسيطة ليس فيها ما يثير، فوضى أشلاء. لا حظت فقط أنها مجرد مخلوقات عارية من الخانات. أشحت عنها بوجهي ونظرت الى الشارع عبر الزجاج. ريح خفيفة داعبت الأغصان خارجا. سرحت في الفضاء؛ ثم ازدحمت في رأسي ذات الكلمات… هي نفسها، لكنها حضرت هذه المرة على نحو آخر: كائنات شقية فيها شيء من هذا الذي يقول عنه أحمد أسد وبدوري أحس به ينضح من الناس عندما يتحدثون عن غروب البحر وعن ثلوج الأطلس وعن تموج رمال الصحراء الذهبية، وعن كل هذه الأعمدة التقليدية من الحروف التي تبنى فوقها طبقات الأحاديث الجميلة يتسلل الى داخلي بمهل؛ حضرت هذه المرة ملتبسة بكل متغيراتي: بصباي، بشبابي، بكهولتي وشيخوختي وبذلك الشيء المحرّض كأنه يعيد بنائي من جديد؛ كل شيء متداخل ومنسجم… أحمد الله أنني معرض للاصابة بهذا المس، وأن نيران الذاكرة لم تبتلعني كليا، ولا برودة الحاضر فعلت؛ لقد بقيت فيّ أطراف أخرى صالحة لتوريطي في لمس فخاخ فضية لا ولن تنتهي أبدا ولا تكف عن تجديد انتصابها أمامي في بؤر صغيرة موشكة أن يطالها البوار…
عدت ثانية الى كلماتي أتأملها من جديد… وجدتها أنفاسا، وخفقانا مختلفا يصدر من روحي؛ سمعتها تطن وفي رأسي رجع صداها، تتهادى، تتماوج، تتشابك، تلتهب، تغلي، تحرقني… ثم وجدتني موصولا الى لا فوضاها بشيء يشبه السحر… ثم صارت روايتي.