حسن معتوق: ماعلينا. لنرجع الى ولجتنا.
غادرنا، زويزو وأنا، المقهى توّا ومشينا بضعة أمتار منفتلين، ثم توقفنا أمام سوق الجمعة قبل أن ننطلق الى الولجة والنهر عبر طريقنا المستقيم. تأملنا هذا الأخير سويا ثم أخذناه؛ بدا لنا عاريا رغم الاسمنت والدور ذات الطوابق التي تلفّه… كان ذات عهد وسط الخضرة والماء والأشجار. لم يعد زويزو، كما كان في المقهى، هادئا وصامتا كالليل؛ أصبح متطايرا هادرا؛ تهلل وجهه وصار ضاحكا كصفحة بيضاء؛ وعيناه تستنطقان حتى الأشياء الصغيرة والتافهة؛ وذاكرته انسابت كجدول ماء مندلق: يحدثني، يسألني، ويذكرني بأشياء أذكرها جيدا لكنني أحب أن أسمعها بلسان آخر، آت من شطر آخر من الولع، كنت أظن أن الزمن ضرب بينه وبين الذكرى صفحا من النسيان.
في منتصف الطريق، التفت الى دار الحاج علي وتحدث عن معمارها وتألقها وسط البساتين وتحليق الحمام، وتحدث عن تفاصيل أخرى؛ وبعد خطوات التفت الى اليمين، حيث كانت بعض مساكن أعدها هذا الأخير للكراء؛ اكتسحت محياه مسحة من الأسى وقال لي: من هنا، من هذا الخراب، كان يتهيأ لي، في زمن ما، أن الشمس تشرق؛ تشرق مع الانطلاقة الصباحية لمجموعة المدرسين الذين كانوا يقطنون هنا؛ والحيطان التي كانت واقفة لم تكن كباقي الحيطان تأوي الناس وكفى، وانما كانت تبدو لي حيطانا فيها شيء من الجنة والخلود، لأنها تأوي سي المساري وسي العلوي وسي القندوسي وسي الوالي. ثم على بعد حوالي مائتي متر تقريبا، تذكرنا معا الكرفي(1)؛ ركن العجائب؛ هكذا كانت تتبدى لنا تلك المزبلة؛ فيها كنا نكتشف أسرار سكان الفلاج التي يلفظونها ولا نتبين نحن حقيقتها الا حينما نسأل من هم أكبر منا فيجيبوننا تارة بالصحيح وتارات بالخطا: مربعات مرصوصة تسحّم ايدينا وتصيبنا بالنشوة عندما ينفرط تصفيفها قيل لنا انها بطاريات المذياع الكبير، حقاق وقناني وبراميل من العاج أو الزجاج أو القصدير قالوا لنا أنها للجبن و المربى والزبادي الرومية والشامبوان… الخ، أسلاك غليظة ورهيفة ملونة قالوا انها للتريسينتي… لم نكن نعرف هذه الأشياء الغريبة؛ ومزبلتا حيّنا البائستين، كانتا مثلنا بدائيتين وتافهتين ليس فيهما مربعات ولا قوارير ولا علب؛ احداهما يتبرّز فيها بّا الجّدارمي(2) ويدندن: “تزطنطنطن تزطنطنطن تزطن، تزطن طن تزطن…” ويذود عنها بشراسة، والثانية تنبت الخبّيز في فصل الربيع لانها لم تكن تتلقى غير ما يكنس عن الدجاج والأرانب من فضلات والقليل من قشور الخضر، لأن أغلبنا كان يتقاسم غذاءه مع دواجنه: له اللب ولها القشور.
والكرفي الذي كانت له هذه السطوة على عقولنا، لم يكن له على محيطه من سلطان؛ كان صغيرا، مستضعفا، مستسلما وسط امتداد أشجار الزيتون والمشمش والخوخ والبرقوق. وبعده على اليمين كان الورد سياجا لجنان الهبري… متى كان الورد فالحا في التسييج؟ كان في فصل الربيع يكون هادئا ووقورا، يتفتح ويمدنا ببعض من بناته ونحن بحذائه نحفظ الدروس استعدادا للامتحانات؛ وفي فصل الصيف، تتغير ملامحه وعرامه، يصير _كما نحن نصير_ سمجا، يتواطأ معنا ويتيح لنا الترع للحصول على ما نشاء من فواكه. و ربما، لتورطه هذا، معنا في الفجور، أضحى هذا المخلوق الجميل المعطاء، في عمقنا، مشوبا بالتدليس، لا نثق به ولا نخوله ما يخوله الآخرون من نبل وحظوة، ومن حضور كعربون في المواثيق الجادة والواعدة.
تجاوزنا الطريق الآتي من الباطوار في اتجاه الشرق وانزلقنا الى الولجة والوادي حيث اندحر جبروت البناء الأخرق الأرعن. الماء والطين والقصب و”بوخرارب”(3) والعريش… واحتدام الروائح. من يعتقد _طبقا للقاعدة التي تلقيناها بغباء في مادة تسمى “الأشياء”_ أن الماء لا رائحة له ولا لون ولا طعم، لا يعرف ولجتنا، ولا يعرف أن الماء هنا له كل هذه الصفات المتغيرة وله أمزجة كذلك. تصفو ملوية، تتهلل، تتكدر، تضجر… والروائح، يا للروائح؛ استوقفنا ما تبقى من بوخرارب. التفت اليّ زويزو. قهقه وقال: هذه النتانة أيضا اشتقت اليها، وهي ضمن دواعي تكبّدي سفرا مضنيا بتأشيرته ومركوبه، وضمن ما جعلني أحس بشيء من الندم على عدم طلب الجنسية الفرنسية عندما كنت هناك رفقة زوجتي وكانت، نظرا لظروف خاصة، امكانية الاستجابة واردة جدا. كانت الفرصة سانحة لأن نسهّل علينا شروط التنقل. تابع: “ههههه، أعتقد أنه كان عليّ أن أصير فرنسيا من أجل أن أنعم باشتمام هذا الخراء متى أشاء وبلا تأشيرة”. ضحكنا طويلا، ثم خطر لي سؤال مفاجئ نقلته لصاحبي توا وبلا روتوش:
_هل فكّرت في أن تصحب زوجتك الى الولجة؟
_لا، لم أفكر أبدا. النساء براكماتيات، لا يشاركننا هذه الأشياء الصغيرة.
_ربما، ولكن ربما لهنّ أيضا أشياءهن الصغيرة ولا نشاركهن اياها.
_لا أدري، هكذا وجدت الناس يقولون.

(1)= corvée، لكن في لغة جرسيف القديمة تعني مطرح النفايات. (2)= لقب رجل فقد عقله في حرب الهند الصينية. (3)= مصب المياه العادمة.