حسن معتوق: حكي الفحامة عذب، أخاذ، معدي، ويشعل نار حنين مبهم… تفرح فيحكي الكبار، بل يشخصون بأصواتهم وهم يحكون عن “حمو حرامي ونانا الغولة”، “ودعة مودرت سبعة”، و… هلم جرا؛ أو يعيدون الألغاز: “حجيتك مجيتك على هين هين جار مصيرين”، “حجيتك مجيتك على طك هنا وطك لهيه وطك شك لبحر منهيه”، “حجيتك مجيتك على الطة ومعزتي ركطة تظل في الجبل وتنزل لوطا” و… هلم جرا؛ وتحزن الفحامة فيحكون، أيضا، ويتحسرون على الوجوه التي أطفأ الموت ملامحها، وعن السنوات التي خلت: عن أمطارها، عن الزرع والقطاني والبقول والخرشوف والترفاس، عن الغنم والبقر والخيول…؛ وفي فترات أخرى، مختلفة، يحكون عن البطولات التي تتداخل في كثير من الأحيان مع الأساطير والخرافات، فتتخذ الأصوات نبرة خوف وخشوع جميلة، ويدنو الصغار دون نأمة، يغالبون النوم، ويستمعون بامعان لأنهم سيحكون فيما بعد، سيحكون فيما بينهم أولا، ثم، بعد حين، سيواصلون الحكي رسميا عن كل هذه الأشياء التي تشدهم، تطبعهم… وتتعبهم أيضا.

وعندما يصمت أهل الفحامة، فان صمتهم يثير الانتباه والتأمل أكثر مما يثيرهما الحكي، لأنه جذاب وعميق، وشفاف أيضا… ونظراتهم لا زالت صافية لم تفسدها أو تحولها الشاشات. كان ادريس، المولود بعد حصول الاستقلال، محاطا بلوازم الشاي، يقارعها كلوحة قيادة، أو جدارية يسعى الى اتقان خطوطها، ويحكي. حاولت أن أقاطعه وأخرق انسيابه مرتين بطريقة فجة: ذكرت مرة “شعبة ياكي” ومرة “خيال ياكي”، محاولا اقحام الموضوع قسرا فلم يأبه لمحاولتي، ثم تربصت بحديثه بخبث أكثر تركيز لأجد في بابه خصاصا أنفذ منه مرة أخرى وأستدرجه الى تلك الحادثة التي سمعتها لمرات لا حصر لها طيلة عمر الأجيال التي عايشتها دون ملل، وفي كل مرة كانت الحادثة تتجدد وتحمل بصمة اضافية دونما مساس بالجوهر. وفي لحظة ما أصبته فانعطف، وانساب كجدول مائي رقراق: “كانت أسيدي ايام الله لخريف، وقت الحرث، تاوينا حناو ياكي(YAGUI) باش يحرث لنا.

وديك لعشية لي روح فيها توالينا الشيفور ديالو بالتراكتور والسكك ولبرامل ديال المازوت كانت الشتا صبت وصحات، وباقي غير شي بخيخ والسما ما معمراش. ومع تمسيت الشمش كان يالله سكت المتور وركب السكك وخوا المازوت، خلط عليه سيد البشير وصاحبو وعيطولو للتيساع، وشوشولو شي حاجة، ولى توالينا وكالنا هاني جاي وتبعهم. آه… ونكول لخيي شحال عايناه ديك الليلة الكحلة، عايناه حتى فات عشا في عشا… نكول لك لحداش، نكول لك الثناش، نكول لك… مانعرف، الحصول حتى عسعس الليل وخلاص، ومردودنا حتى كيبرد ونعاودو نسخنوه… لي حتى هاهو جا بطونوبيلت ياكي، خلط علينا مسكين داك الراجل مبدل ووجهو مقفوط منو الدم، ما بغى لا يهضر ولا يتكلم، وبالسيف باش دار معانا واحد جوج معالق ديال المردود، وكالنا أنا غادي نركد باش نوض بكري للحرث.

ايييييوا الفايدة اسيدي ديك الليلة، ماركدنا ماشفناه مافات على عينا، كلوبنا حسو بلا كاينة شي حاجة. والنهار الآخر أسيدي هوايت العصر _لهلا يعصر شي مسلم_ راحنا يالله نفضنا يدينا من الحرث والزريعة حتى هادو هما الجدارمية ديال فرانسا ومعاهم ترجمان كيكولولو سي بوزيد دارو بنا، ومعاهم مدام ياكي وبناتو… والله أودي الى كيشفو مساكين دوك الطفيلات. الفايدة أسيدي سولونا كالولنا شكون كتل ياكي؟ كنالهم أودي حنا مشفنا حد… ومشاو في حالهم. سيد البشير وصاحبو عرضو لياكي منين كان جاي توالينا يشوف الشيفور ديالو، وكتفوه وخلاوه فالطونوبيل وجاو داو الشيفور باش يجيبها… كتلوه مسكين كدامو وجاب هو الطونوبيل. حتى داز الحال على القضية عاد عاود لنا الشيفور، كال لك نزلوه من الطونوبيل للشعبة مسكين مكتف، ومنين كب لو سيد البشير الكابوس في ناظرو الله ينعلني يا بالمشاهدة الى القرطاسة دخلت تشنشن. ايييييوا اسيدي من ديك الليلة وخيال ياكي خطرة خطرة كيخرج ثمة في ديك الشعبة”.