حسن معتوق: لو قدر لي الآن أن أحلم وأنا قابع في هامش ذلك الجزء من المروج الخضراء البورية في عمق ولجمان، لحلمت بأن تجرى عملية وطنية لاستصلاح الأراضي الزراعية، وتصبح تلك البراري الممتدة في المدى صورة من صور الضياع المسقية، المتساوية والمتوسطة المساحة، والمتساوية الأسيجة والعرعار، المنتشرة في كتب المدرسة، ببقرها السمين وشياهها الممتلئة وخيولها الجامحة، ولحلمت بوجوه أصحابها ممتلئة بالنضارة والطمأنينة واليسر، أو حلمت بأن تبنى دور بسيطة وأنيقة ذات أسقف بالقرميد الأحمر كتلك التي كانت في الباطمات، لكن، أن أفتح عينيّ، أفتحهما على اختلاط فرحة العطلة مع الحياة العسيرة الى درجة الثقل، سأفتحهما على الغبار، و”تشطارة”(1) وجعجعة القطار، على هذا الركام الهائل من التلف والتنقيب، حيث يزحف الناس على عيونهم ويبحثون، دون أن يروا الا لمسافة متر أو مترين، يزحفون في صمت، وحين ينطقون يثرثرون حول المتلاشيات… يعرفون القطع الصالحة وغير الصالحة، يلتقطونها بأناملهم ويعيّرونها، ويعرفون مصدرها، إن كان اسبانيا أم فرنسا أم ألمانيا أم غيرها، ويعرفون كذلك ما يأتي من “الشينوة”، يعرفون كل مصادر القمامات ولا يتعارفون فيما بينهم، يدوسون أقدام بعضهم البعض دون مبالات وقد تشيأت ملامحهم وأصبحت أقرب الى الفولاذ والحياد… يبحثون في مغالق قناني المربى، والمفاتيح المكسورة، والطناجر التي أعيد صقلها مئات المرات، ويبحثون في أحايين كثيرة عن لا شيء… يبحثون ويبحثون ويبحثون، وكلما عثروا على جودة ما مهملة في قمامات الخارج، يعثرون في ثناياها على قسط وافر من خيبات الوطن.

هذه ولجمان وسيدي بورحلة وحمرية ودوار الليل، وهذا العرض البائس، وهذه المساومة والمزايدة على المتلاشيات القادمة من أوربا وآسيا، والمساومة والمزايدة نفسهما انطلقتا على الأقل منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي في سوق الانتخابات بأثمان جد بخسة : نقطة ماء ووعود وفوضى، تواطؤ ما وقع، ضمنيا، ليحوّل وجهة من تبقى من البشر المنسي في القرى القريبة والبعيدة، من مدينة تازة/مقر العمالة التي احتفلت مبكرا بالقضاء على آخر دار صفيحية، نحو مدينة جرسيف لمراكمة التراب والبؤس و “الغموض والعداء”، وللاستثمار الانتخابي بعدما صحا أهلها فجأة وانتبهوا إلى أن هذا القطاع مربح وأنهم قادرون اليوم على المشاركة في الرداءة واهمال أسباب الغموض والعداء وانتبهوا إلى أن المخزن اختار سابقا وفي غفلة منهم من يترأس مجلسهم البلدي…، وتوالت الفداحة، تلك المرة، في اتجاه غرب المدينة، وفي اتجاه حي الشويبير ودوار الغياطة والأحراش، وفي اتجاه أحياء أخرى لتمديد البشاعة لتصبح “بعد أن يبتعد النصر (الانتخابي)…، سوف لن تجد هذه المدينة من يحرص عليها، أو يريد بقاءها، … حتى الذين بنوها سوف يتخلون عنها، لأنهم لم يتصوروها بهذا القبح وبهذا العداء”(2).

ولأن الزمن كان زمن الجفاف والتقشف، تضاعفت البطالة، وسد الناس الرمق بالعمالة المتدنية، والتجارة الصغيرة بيضاء وسوداء، من الشباب من غاصوا في ظلام دامس ومطبق، فلم يلتفت اليهم أحد ولم يحفل بما يفكرون فيه، فأمعنوا في انغلاقهم وأصبحوا علبا سوداء سهلة الاحتراق كلما هبت ريح ساخنة، ومنهم من لبسوا ألبسة تحتية تسمح بعرض صدورهم الضامرة وآباطهم المرملة، وساقوا “المقاتلات”(3) في طريق أقرب الى الموت منه الى الحياة، يجلدون الأرض بالعجلات والكوابح، وبسياط الغيض والحرمان والخراب الجنسي، اجتاحوا أرباض المدينة أولا من أجل الارتزاق، ثم ما لبثوا أن أصبحوا يجوبون الفلاج، بلا هوادة، مملوئين بمشاعر التحدي ومدفوعين بذلك الغموض والعداء وهم كالحي الوجوه، أما الآباء، فقد انكمشوا وتجاوزت وجوه بعضهم قحولة الكدح وظهرت عليها علامات اليسر والوفرة، من جهة، ومن جهة أخرى سكتوا عن السؤال في مصدر رزق أبنائهم، وسكتوا عن تلك الدواب الحديدية، المجنونة والمغبرة، التي تبق بأبنائهم، وتحمل العيش والفناء والتحدي والجريمة… وتحمل أشياء أخرى يلفها التناقض والحيرة

  • 1: كلمة بالاسبانية، وتعني سوق الخردة
  • 2:عبد الرحمان منيف.
  • 3: سيارات بدون أوراق تستعمل في التهريب.