حسن معتوق: يهدأ جوف المدينة، ويحب الناس ويعشقون كما يحب ويعشق غيرهم في أمكنة أخرى، يحبون ويعشقون باللغات نفسها التي تواضعت عليها قصص الحب في كل زمان ومكان، أو هكذا يبدو، يحبون حبا ناعما أليفا، ينبجس هنا وهناك: تحت الكروم وأشجار الزيتون وأشجار المشمش، وعلى ضفاف النهرين بين العريش وبين النجود…

وفي ثانوية الحسن الداخل حيث تتشابك الأعين، بداية، واعدة بأشياء جميلة وكبيرة، ثم تصبح للقلوب دقات ليست كالدقات، وتتعرق الأيدي، وتنفلت الأيام متلاحقة خاوية، قبل أن تنطلق الكلمات متقطعة، مرتبكة، مبحوحة، فاذا بها تنطلق بعيدا بعيدا لتصنع قصصا أخرى، تضيفها الى قصص الحب الكبيرة، موسومة ببعض من ملامح الحمق المحلي والتحدي، والا لما طوعت المعارضة الغاصة بها كل الممرات، ومن هذه القصص ما نجا: ما بنى جسرا للعبور بين ضفتي المتوسط، بين بعض المدرسين الآتين من الشمال وبين فتيات الجينز والتنورات المرفرفة والمنفتحة على كل النسائم، وما وصل الى بر القران والاحتفال المحلي…

ولأجل تلك القصص المحتفل بها كانت تقام الأفراح وتعمر طويلا، تدوم ليالي الأفراح ويكون الأكل فيها متواضعا: لحما ومرقا بالبصل والطماطم لا غير، والرقص والغناء متواصلا خصوصا في الضواحي حيث الشجر وحيث القمر… وحيث البشر مهووس بالغناء والرقص كقبيلة أولاد احميد التي يقيم أفرادها الأفراح حول لا شيء أحيانا، ويصحون الليل والنهار في موسم الأعراس… كلهم يتنفسون فنا ويرقصون، وكلهم يغنون أغانيهم وأهازيجهم الخاصة المنتشرة على رؤوس ألسنة كبارهم وصغارهم… كلهم يرقصون ويغنون وينجبون “الشيوخ”: ابن عبد الله، ولد رقية، بن عامر، ولد السنوسي… هؤلاء الذين سينعدمون يوما في صمت، كما انعدمت الشيخة خيرة ذات مساء عادي ورتيب، بعدما صدح صوتها ب “اللغيط”(1) والغناء للحب وللتبوريدة وللبطولات… سينعدمون والتلفزات الوطنية لازالت محجوزة للعيطة، فيها يرفل “الباحثون”، وفيها يتقافز عبيدات الرمى في حركات أقرب الى تهريج الكراكيز منها الى الرقص، وفيها يصيح من سموا زورا مغنين شعبيين… بهذه “البنية الفوقية” الملأى بالفرح والشطيح تريد أن تتجلى جرسيف، وبها تغري وتشغل البال، ولا تسعف أحدا في أن يحاول فرز هذه الروح، التي تحب وتعشق وتحتفل، من الروح الأخرى المرعبة القاتلة، فالمزاج الذي يختزن كل هذا الاشراق، يتكدر أيضا لنفس الأسباب ويصبح غير مأمون الجانب، يصبح مكفهرا ومنزاحا نحو الخسارة والفناء ويعصف بكل شيء، ويخلف مآسي تدوم عقودا من الزمن.

وفي انتظار أدوار البشاعة هذه، وفي تمارين صغيرة، أصبح المراهقون يتأبطون قنانيهم وشروخهم، ويقتعدون حواشي الأعراس، يبدأون الجلسة همسا، ثم شيئا فشيئا ترتفع الأصوات وتختلط، وتفقد خيطها الناظم، لأن أصحابها سرعان ما يلتفت كل واحد منهم الى فجيعته على حدة، ثم يبدأون في التآكل والتهاوي، ثم في الزحف المترنح نحو ضوء الحفلة ونحو “الشيوخ”… كان الصّيهب من الذين يواظبون على هذه الرداءة وعلى افساد الفرح: يقفز الى رحبة الرقص متمايلا، يوقف الشيوخ عن العزف: “متكولوش راني سكرااااان ولاّ… أنا راني غييييير ناشط”، يخرج من جيبه ورقة نقدية ويعرّضها للضوء، يتفحصها جيدا بنظر متلاشي وبعينين فارغتين من كل معنى، فيطلب منهم أن يرقّصوه دون أن يناولهم اياها.

لا يكاد الشيوخ يبدأون العزف من جديد حتى يعيد ايقافهم محتجا على شيء لا يعرفونه ولا يعرفه الحاضرون، ولا يعرفه هو نفسه، يحاولون ارضاءه فلا يرضى، يحتج ويحتج ويلعن، ويعلن: “أنا جاي نخسر فلوسي أسيدي… أنا جاي نقصّر…”، ثم سرعان ما ينقض على الدفوف فيكسرها وتتشابك الأيدي.

يغريني الاهتمام بتمرين الفرز الصعب هذا، لكن لا أفلح الا في تجديد الغرق في انتمائي الى هذه الانفعالات وهذه الروح دون القدرة على فك هذه الألغاز المتوحشة، وبقدر عجزي هذا يزداد المكان جاذبية، وتزداد رغبتي في أن أتسمر على ناصية الطوار… وأحدق أكثر في المحايي.

(1): شعر بدوي يلقى على شكل مواويل في الجهة الشرقية.