وليد بهضاض: اذا كانت العقول المتحضرة تخصص أعلى الرواتب لعمال النظافة على اعتبار أنهم جنود يسهرون على حماية جمالية المدن وتطهيرها من الأزبال المضرة بالإنسان والنبات والحيوان، فإن العقول المتحجرة تعمل على هضم حقوقهم وعدم صرف أجورهم وتكريس دونيتهم، رغم أنهم يقدمون خدمة نبيلة وشريفة تمس بعمق الوجه المشرق للمدينة وصحة قاطنيها …

و في حوار أجريناه مع عامل نظافة يروي فيه كيف يعمل لصالح جماعة جرسيف منذ سنة 2012 الي حدود كتابة هذه السطور، وعلى أنه معيل أسرة تتكون من سبعة أفراد ويتقاضى أجرا شبه شهري يقدر ب : 1570 درهم عن كل 24 يوما من العمل الليلي الشاق مع استفادته من يوم الثلاثاء كعطلة، ويصرح أن مهمته تبدأ من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى حدود التاسعة صباحا، ويحكي السيد “بونظيف”على أن يعمل رفقة باقي زملائه في ظروف حاطة بالكرامة الإنسانية تنعدم فيها شروط السلامة الصحية تحت ظل غياب اللوازم الوقائية الضرورية، ويقول على أن الجماعة تعمل على منحهم قفازات تدون بأسمائهم بسجل في مستودع المصلحة، ما يطرح تساؤﻻ محرجا، فهل تقتطع الجماعة قيمتها نقدا من أجر المستخدم في حالة ضياعها ؟

ويتهم عامل النظافة وبعض زملائه الجماعة بالتماطل في أداء أجورهم والمترتبة عن عملهم لشهري نونبر ودجنبر من السنة الفارطة” 2016″ و يسترسل في الحديث مؤكدا أنه سبق وأن تقدموا بتظلمات شفاهية الى النائب الأول لرئيس البلدية وكان ذلك في منتصف شهر أكتوبر المنصرم من أجل تسوية وضعيتهم وتمكينهم من صرف مستحقاتهم المادية، إﻻ أنه ﻻ حياة لمن تنادي، ويضيف قائلا، على أن المسؤول الجماعي قد تذرع بحجة تأخرهم في المطالبة بأجوره وأنه سيعمل جاهدا لتمكينهم من رواتبهم العالقة في ذمة الجماعة في أقرب وقت، إﻻ أن وعود السياسة تتبخر عند حلول كل ميزانية جديدة ليبقى الحال على ما هو عليه.

وﻻ يخفى على مخلوق الظروف الكارثية التي تقبع فيها الطبقة الشغيلة في هذا القطاع، ابتداء من النظرة التحقيرية للمجتمع مرورا من اﻹستغلال الفاحش للجهات المشغلة وصوﻻ إلى قساوة العيش ودنوه الى مستويات قياسية مقارنة مع متطلبات الحياة و ضرورياتها، فغالبيتهم يتعايشون مع الفقر والمرض الناتج عن ظروف العمل غير الملائمة بسبب غياب اﻷدوات الحمائية اللازمة من كمامات وألبسة واقية، على اعتبار أنهم يخوصون في عفن المجتمع وقذارة المدينة، و يقول على أن مسؤولي الجماعة يعاملونهم معاملة طيبة وﻻئقة باستثناء إخلال الإدارة بالتزاماتها تجاه العاملين، الشيء الذي سبب لهم مشاكل مادية جسيمة ودمر علاقات مجتمعية متينة بعدما اختلت طريقة تدبيرهم لمصاريفهم اليومية فاستنجدوا بالقروض اﻻستهلاكية لتأمين لقمة العيش بعدما أصابها الخلل بسبب ابتلاع الجماعة لشهرين من عرق جبينهم، فكانت النتيجة عدم قدرة غالبيتهم الوفاء بديونهم.

وبدل أن تعمل الجماعة على الاعتزاز بمحاربي الأزبال واﻹعتناء بجنود النظافة، فقد قررت اﻹبقاء على تهميشهم وتركهم عرضة للضياع والفقر واﻻمراض والابتزاز والتغيرات المناخية مع توزيعهم بإتقان على بعض الأحياء المجاورة للمدينة، بالإضافة الى نظرة المجتمع الجارحة واﻻحتقارية دون أدنى التفاتة ﻷوضاعهم المادية المتدنية والصحية المزرية، فقد أصبح من الضروري العمل على تحسين ظروف اشتغالهم ومنحهم القيمة اﻹجتماعية  واﻹعتبارية التي تليق بالمهمة الجليلة التي يقدمونها لهذا المجتمع المتعفن فكريا والمتسخ أخلاقيا، فاستفادة عمال النظافة من الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية واﻷجرة الشهرية المحترمة يجب أن يكون قرارا إجباريا وليس حقا اختياريا. و ليذهب عدو هذا الوطن ظاهرا كان أم خفيا الى الجحيم.