تحقيقا للعدالة، وضمانا لاحترام مبدأ دولة الحق والقانون، وإنصافا لجميع المواطنات والمواطنين الذين التزموا بالأوامر والقرارات الصادرة تفعيلا لحالة الطوارئ الصحية، ولم يغادروا منازلهم إلا للضرورة، بدأت المحاكم تصدر أحكامها بشأن الجنح المتعلقة بعدم بالتقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية بشأن حالة الطوارئ الصحية، حيث شهدت العديد منها انعقاد جلسات الغرف الجنحية التلبسية يوم الإثنين 30 مارس 2020، والتي أدرجت ضمنها ملفات يوجد من بين المتهمين فيها، فردا واحدا على الأقل رهن الاعتقال الاحتياطي، تماشيا مع قانون المسطرة الجنائية، والفقرة الثانية من المادة السادسة من مرسوم بقانون رقم 2.20.292 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، التي نصت على الاستثناء الخاص بـ”آجال الطعن بالاستئناف الخاصة بقضايا الأشخاص المتابعين في حالة اعتقال، وكذا مدد الوضع تحت الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي”، لارتباطها بحرية وحقوق الأشخاص، سيما قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة، كما سبق أن تطرقنا لذلك في مقالة تحت عنوان: “تشديد الخناق من أجل الانضباط”.


وهكذا ففي المجال الزجري، أصدرت المحكمة الابتدائية بوجدة، حكمها في الملف الجنحي التلبسي رقم: 466/2105/2020، وذلك بعقاب المتهم (ع. ح) بأربعة أشهر حبسا نافذا وغرامة 3000 درهم، وعقاب الباقي (ستة متهمين آخرين) بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة 1000 درهم لكل واحد منهم، بعد متابعتهم جميعا من أجل عدم التقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطة العمومية في منطقة أعلنت فيها حالة الطوارئ، مع إضافة إهانة موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم والعصيان والتهديد بالنسبة للأول، وذلك طبقا للمادة 4 من مرسوم بقانون 23 مارس 2020 والفصول 263 و267 و429 و300 من القانون الجنائي.


وتعود أحداث هذه النازلة إلى إيقاف المتهمين مجتمعين داخل منزل مهجور للاحتفال بصديق لهم أفرج عنه من السجن، وذلك خلال فترة حالة الطوارئ الصحية، في حدود الساعة السابعة والنصف مساء، دون أن يثبتوا بوثيقة إدارية أن خروجهم كان بسبب اقتناء مشتريات ضرورية للمعيش اليومي في محيط مقر سكناهم أو تلقي العلاجات الضرورية أو اقتناء الأدوية من الصيدليات، مخالفين بذلك الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطة العمومية القاضية بمنع الخروج من المنزل بعد الساعة السادسة مساء، وإضافة إلى ذلك، قام المتهم الأول بمقاومة عناصر الشرطة القضائية ولم يمتثل لأوامرهم، وأوهمهم بحيازة سكين مهددا بإلحاق الأذى بهم، وتهديده لهم بتيتيم أولادهم. وهو ما اعتبرته المحكمة عن حق، تهديدا حقيقيا للصحة العمومية، وتصرفا يجهض الإجراءات الاحترازية المتخذة لتفشي جائحة فيروس كورونا المتسم بالانتشار السريع بين الأشخاص، مؤكدة أن الدولة تسعى إلى تحقيق غاية سامية تتمثل في الحفاظ على كيان الدولة وبقائها عند قيام ظروف استثنائية مستعجلة.


وهذا الحكم الذي انتشر على نطاق واسع، يتضمن تطبيقا حرفيا للمادة 4 من مرسوم بقانون رقم 2.20.292 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، بشأن ستة متهمين، إذ في إطار تفريد العقاب، أصدرت الغرفة الجنحية حكمها في حقهم بعقوبة زجرية حددت في ثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة 1000 درهم لكل واحد، وهذه العقوبة تدخل ضمن ما هو منصوص في إطار المادة 4 المذكورة، التي حددت العقوبة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين من جهة، كما يمكن القول أن الهدف منها هو زجر المتهمين، وجعلهم يتقيدون بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطة العمومية مستقبلا، ثم توجيه رسالة تحسيسية للعموم، مفادها أن تنزيل العقوبات المنصوص عليها في المرسوم بقانون تنتظر كل من يخرق الحجر الصحي.


أما بالنسبة للمتهم الأول، فقد تم اللجوء إلى الجملة الأخيرة من الفقرة الثانية من نفس المادة، والتي جاء فيها “دون الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد”، وذلك بإضافة متابعة تتعلق بإهانة موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم والعصيان والتهديد، طبقا للفصول 263 و267 و429 و300 من القانون الجنائي، والتي قد تصل فيها العقوبة إلى سنتين حبسا، وغرامة خمسة آلاف درهم، لذلك جاء الحكم أشد مما هو عليه في المادة 4 من مرسوم بقانون، وقضى بعقابه بأربعة أشهر حبسا نافذا وغرامة 3000 درهم.


وفي إطار جولة بسيطة على جلسات المحاكم الابتدائية ليوم 30 مارس 2020، نتوقف عند العديد من المتابعات القضائية المرتبطة بالمادة 4 من مرسوم بقانون، والتي أضيفت إليها متابعات أخرى تتضمن عقوبة جنائية أشد، جعلت مرتكبيها في وضعية اعتقال احتياطي، منها ما صدرت فيه أحكام قضائية في حالة تلبس بنفس اليوم، ويتعلق الأمر على سبيل المثال، بمجموعة من الملفات بالمحكمة الابتدائية بسلا منها الملف عدد: 155/2105/2020، والذي توبع فيه المتهم من أجل عدم التقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية خرقا لحالة الطوارئ وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بمهامهم، وبالمحكمة الابتدائية بالعرائش الملف عدد: 13/2105/2020 بعد متابعة المتهم من أجل عدم التقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية في نطاق تدابير حالة الطوارئ و إهانة رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم، وهناك ملفات أخرى أجلت لجلسات مقبلة، منها مثلا بالمحكمة الابتدائية بمراكش الملف عدد: 3962/2103/2020 المؤجل لجلسة 13 ابريل 2020، والذي توبع فيه المتهم من أجل السياقة دون التوفر على رخصة السياقة وانعدام التأمين والإيذاء العمدي في حق موظف عمومي أثناء مزاولته لمهامه وعدم التقيد بالأوامر الصادرة عن السلطات العامة خلال فترة الطوارئ الصحية، وبالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة هناك ملفات متعددة في نفس الجلسة منها الملف عدد: 482/2103/2020 المؤجل لجلسة 06 أبريل 2020، والذي توبع فيه المتهم من أجل إهانة رجال القوة العامة أثناء مزاولتهم لمهامهم (شرطة ) والعنف في حقهم والعصيان وحمل السلاح في ظروف من شأنها تهديد سلامة الأموال والأشخاص وخرق حالة الطوارئ الصحية.


ومن حسنات هذه المرحلة، وإن كانت هذه التدابير والإجراءات الاحترازية التي تقتضيها فترة حالة الطوارئ الصحية، وضعت خصيصا من أجل تحقيق غاية سامية، تتعلق بالمصلحة الصحية العامة، ووقف خطر هذه الجائحة التي تهدد بلادنا، فإن البحث عن مخالفي الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية، مكن، من أمور إيجابية أخرى، كما يظهر ذلك من جلسات جل المحاكم، حيث يتابع العديد من المتهمين بالإضافة إلى المتابعة المتعلقة بالمادة 4 من مرسوم بقانون، بتهم خطيرة منها الاتجار في المخدرات بعد التمكن من توقيفهم، وأشخاصا روجوا أخبارا زائفة وافتراءات بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي، لتنضاف إلى عملية توقيف العديد ممن كانوا موضوع مذكرات بحث.
وهذه المتابعات تؤكد حرص النيابة العامة والقضاء على التنزيل السليم للنصوص القانونية المرتبطة بتفعيل التدابير والإجراءات المتخذة من طرف الدولة من أجل محاصرة تفشي جائحة فيروس كورنا ـ كوفيد 19، إلا أن هذا الأمر لم يقتصر على القضاء الزجري فقط، بل حتى القضاء الإداري بدوره، صدر عنه، أمر استعجالي تحت رقم: 955، وتحديدا عن المحكمة الإدارية بالرباط، في الملف رقم: 667/7101/2020 بتاريخ 31 مارس 2020، يقضي برفض الطلب وإبقاء الصائر على رافعه، بشأن طلب قدم أمام القضاء الاستعجالي في إطار حماية حق دستوري يتعلق بالخروج والدخول من وإلى التراب الوطني، ضد كل من وزارة (الخارجية والتعاون الدولي) الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقمين بالخارج، والمديرية العامة للأمن الوطني، مستندا على المواثيق الدولية والفصل 24 من الدستور، بعدما أصبح صاحب الطلب وزوجته عالقين بالجزيرة الخضراء، وهما يحملان الجنسية المغربية، ويقطنان بجماعة السهول التابعة لعمالة سلا، مؤكدين على توفرهم على سيارة خاصة لتنقلهم، وعدم إصابتهما بالفيروس، وأعلنا استعدادهما الامتثال لجميع الإجراءات الوقائية بما في ذلك الخضوع لإجراءات الحجر الصحي وعدم مغادرة المنزل.


إلا أن القضاء كان له رأي سديد، حماية للمشروعية، حيث أوضحت المحكمة الادارية أن الحظر الجوي والبحري اتخذ من أجل مواجهة موقف خطير صونا وحماية للصحة العامة، وذلك لمنع انتشار داء وباء فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، وهي تدابير أخدت شكلها وصيغتها القانونية، مؤكدة أنه مجرد تدبير تنظيمي غير مخل بالحق الدستوري المذكور، لأن الأمر يتعلق بضوابط مؤسسة قانونا. وهو الذي صدر في إطار المشروعية الآنية في ظل الوضع السائد.


فحينما يكون القضاء على خير، يتحقق الأمن القضائي، وترسى دولة الحق والقانون، من خلال المحافظة على التوازن بين النص التشريعي وتحقيق العدل بين الجميع، أفرادا ومؤسسات، وبالتالي نشر الطمأنينة وترسيخ الثقة في العدالة بصفة عامة، وهذا ما نلمسه من هذه الأحكام التي تترجم حقيقة أن السلطة القضائية أداة المجتمع في ضبط المخالفين وعقابهم عن أفعالهم الجرمية، وبالتالي المرور من الأزمة الحالية بأمن وسلام.


فحينما يكون القضاء على خير، فبلادنا على خير، لذلك يقال “العدل أساس الملك”.
فلنحترم جميعا الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية بشأن حالة الطوارئ الصحية.

فلنبق في منازلنا.

بقلم البرلماني سعيد بعزيز