جمال المحافظ: بعد اعلان حميد شباط في بداية الاسبوع الجاري تشبثه بالترشح لخلافة نفسهفي الأمانة العامة لحزب الاستقلال خلال مؤتمره المقبل، يكون “حزب علال الفاسي” قد فشل في الدخول الى هذه المحطة موحدالصفوف، وتجاوز الصراعات المعلنة والمضمرة بين اجنحته، مما سيجعل الهاجس الانتخابي حاضرا بقوة أكثر من البحث عن السبل الكفيلة بتجاوز الاخفاقات التي تعرض لها خلال مساره والتي أثرت على صورته داخل المجتمع.

غير أن هذا المقال لا يتوخى الخوض في سيناريوهات من له أحقية قيادة أو تلمس الجواب على أسئلة ورهانات المؤتمر المقبل للحزب بقدر ما يهدف الى الوقوف وتحليل  أهم المرتكزات للعرضين السياسيين لكل من نزار بركة ” المناضل الاستقلالي”  الوصف الذى اعتاد ان يوقع بها مقالاته التي نشرها في الصحف الورقية والمواقع  الالكترونية، مقابل حميد شباط الامين العام لحزب الاستقلال .

وإذا كان بركة لم يعلن لحد الآن رسميا الترشح  لقيادة سفينة ” حزب الميزان”،واكتفى بالإعلان عن التشبث ب” الامل” في ” الصباح”،قبل ان يدشن “مرافعاته الاعلامية”  من أجل ” حزب الاستقلال اليوم والغد ” في استعارة  على ما يبدو لي لمقولة علال الفاسي جده من جهة والدته جمعت في كتاب تحت عنوان ” معركة اليوم والغد”وهي أصلا مضامين “التقرير الادبي والاعتباري” الذى قدمه للمؤتمر السابع للحزب في فبراير 1965، فانرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، كان في ذلك وعلى خلاف حميد شباط  الذى جدد رسميا التشبث بحقه في سباقهالمنفردمن أجل ضمان ولاية  ثانية على رأس الامانة العامة لحزب الاستقلال.

ويلاحظ منذ الوهلة الأولى،أن هناك تبانابين ” العرض السياسي” لنزار بركة ” وبرنامج ” حميد شباط  الذى قدمه تحت شعار “صامدون ” في ندوة صحفية ب” مرجعية تاريخية وحمولة نضالية “، استرجع فيه مسار ومؤسسي ورموز الحزب الذين دافعوا عن مصالحه العليا واستقلال قراره خدمة لثوابت الأمة ومقدساتها الدينية والوطنية والترابية .

فمن خلال تتبع ما نشرته  وسائل الاعلام وتداولته المواقع الالكترونية ووسائط الاتصال الجماهيري، أنها ركزت مثلا في تغطيتها لندوة شباط، التي اختار لها شعار ” صامدون” على ” جوانب الاثارة ” خاصة الانتقادات العنيفة التي وجه خلالها ” مدفعيته الثقيلة” الى المسؤولينمن حكوميين وسياسيين داخل وخارج حزب الاستقلال، باستثناء الحزب الى يقود الاغلبيةالحالية وأمينه العامالحالي، عوض اهتمام هذا الاعلام ببرنامج شباط الموجه للاستقلاليات والاستقلاليين.

ورغم أن المرشح الرسمي للأمانة العامة، استند في توصيف الوضع الذى  يعيشه الحزبحاليا، على ” مؤامرة “أطرافها من خارج الحزب وأيضا من داخله ، فإنهبدا واثقا من أن مؤتمره القادم سيكون” عرسا سياسيا للديمقراطية، وللمقارعة الهادئة للأفكار، والبرامج والخيارات والقيمة المضافة التي يعتزم كل مرشح تقديمها للحزب والوطن خلال المرحلة القادمة” وفق ما قاله شباط “باب العزيزية”، كما كان يحلو له، أن يسميالمقر المركزي للحزب بالرباط،غداة انتخابه أمينا عاما للحزب.

وبغض النظر عن الرسائل السياسية للعرضين المقدمين من لدن ” الاخوة الاعداء “، وتباين في عناصر التشخيص بين المرشحين الاثنين لحد الآن،يستشف أن برنامج شباط للمنافسة على قيادة “حزب الميزان” يرتكز بالخصوص، على ثلاثة مجالات تهم محور ” الحل السياسي” الذى يقتضى حسبه، ثلاثة مخارج، هي أولا ” اطلاق سراح معتقلي حراك الريف ومعتقلي الرأي دون قيد” وثانيا “ضمان الاستقلال الفعلي للأحزاب” وثالثا القيام ب”تعديل دستوري” بهدف ترسيخ وتعميق الخيار الديمقراطي في البلاد. أما الجانب الثاني فيشمل ” المحور الاقتصادي”  الذى جدد فيه شباط تشبثه بالمبادرة والحرية الفردية، مع الإيمان” بوجوب إحداث قطب موازي قوي للمبادرة الجماعية يحظى بالمواكبة والدعم المطلقين للدولة” وضرورة ” التزاوج والتعايش بين اقتصاد السوق واقتصاد القرب وبين الليبرالية الفردية واللبرالية الجماعية”.

انها في المجمل،وفقرؤية الامين العام لحزب الاستقلال،” التعادلية الاقتصادية والاجتماعية في جيلها الجديد الذى يساير مستجدات وتحديات مغرب المستقبل”، في حين يهم الجانب الثالث من البرنامج ” محور إعادة التوازنات الكبرى للمجتمع” وذلك عبر ما أسماه ب”التحلي بالإرادة القوية والثابتة لضمان العدالة المستقلة والنزيهة” و” الحرص المؤسسي على تفعيل القيم والمرجعيات الوطنية والدولية وتفعيل استراتيجية فعالة للتعليم” فضلا  عن ” الاهتمام المستعجل”بالأسرةبمراجعة مدونتها ووضع كل الوسائل من أجل ضمان أمن المواطنين.

ووجه رسالة “لكل من يهمه الأمر”، مضمونها ان من بين الاهداف التي  ينشدها أولا ” الاسهام في نقل التدافع الحالي بين الأشخاص، الى تدافع وعراك أفكار وبرامج، لاختيار المسارات المستقبلية للحزب كقوة داخل المجتمع وداخل الحقل السياسي الوطني” ، وثانيا ” توضيح تموقع الحزب ،وسط اليمين الذي يقوم على التعادلية الاقتصادية والديمقراطية والقيم العليا” معتبرا أن التحالف الطبيعي  للاستقلال هو مع العدالة والتنمية الحزبين اللذين يحملان نفس المرجعية ويتقاربان في الخطوط العريضة في برنامجهما.

ومن الناحية الرمزية على ما يبدو اختار شباط مقر الحزب لإعلان عن ترشحه لولاية ثانية، واستلهم المسار التاريخي للحزب لتفسير الحاضر والمستقبل أيضا، مع اعتبار أن ما يعتمل وسط “حزب علال الفاسي”، الى ” مؤامرة”تعود  لسببين أساسيين الأول داخلي والثاني خارجي، وإن كان محمد الساسي الاستاذ الجامعي والفاعل السياسي، شافاه الله،على ما أتذكر قد اعتبر ذات زمن وفي سياق مغاير لدى “قراءته لقضية لوجورنال ورسالة الفقيه البصرى وما جاورهما” انه  ” حان الوقت للتخلي عن نظرية المؤامرة لمواجهة الخصوم”.

على الرغم من أنه خلافا للأستاذ الساسي استعملها شباط للتوسل بها للإجابة على أسئلة الحاضر العنيد مستعملا أسلوبا وحمولة تكاد تقترب من خطاب اليسار الحالم، لكن الافصاح بالتموقع  الايديولوجي والاستراتيجي في” وسط اليمين”، فإن ” غريمه” نزار بركة عضو اللجنة التنفيذية سابقا لحزب الاستقلال الذى فضل الخروج عبر جريدة “العلم” لسان حال الحزب، على أحد مقرات الحزب،  ليقدمعرضاتحت شعار ” من أجل حزب الاستقلال فاعل في مغرب اليوم والغد ” تضمن ” افكارا ومقاربات مبتكرة  “، تنبني بالخصوص على آفاق تدبير تحالفات الحزب، التي فضل الا يفصح عن هويتها، وانما جعل ذلك يرتبط بالبرنامج والرصيد الوطني والديمقراطي المشترك، والتقارب الايديولوجي والمشروعية المشتركة، مع  إعطاء الاولوية بالنسبة ل”قيم المشروع الاستقلالي”.

وبخصوص الأليات المعتمدة في اعداد برنامجه، فان نزار بركة اهتدى الى اعتماد ” تحليل تركيبي”  لمخرجات مرقمة لأرضية تفاعلية  كانت ” ثمرة مجهود جماعي تشاوري”، شارك في انجازه ، منتمون الى ” تنظيمات الحزب وهيئاته ومنظماته الموازية وروابطه المهنية وجمعياته القطاعية من مختلف الجهات” ، في حين أن ساهم في تشكيل وبناء برنامج شباط ” شرائح واسعة من الاستقلالين من مختلف التكوينات ومجالات العيش والعمل”.

فبعد توقفنا على بعض مخرجات البرنامجين السابقين، نعتقد  أن خوض غمار المنافسة على منصب الامانة العامة لحزب الاستقلال، يتطلب اعتماد مقاربةمبتكرة، تستحضر الواقع الحالي للحزب من ناحية نقاط القوة والضعف ارتباطا بالإكراهاتالتي أضحى يطرحها التعاطي مع الشأن السياسي في ظل المتغيرات المجتمعية، وفي سياق يتسم أيضا بتراجع دور الاحزاب والنقابات والمجتمع المدني تأطير المواطنين وتراجع منسوب الثقة فيها باعتبارها كآلية منآليات الوساطة التي يراهن عليها الرأي العام في مساندته وحل اشكالاته.

ومما لاشك فيه أن المؤتمر 17  لحزب  الاستقلال المقبل،سيشكل مرحلة جديدة، وستتطلب سلوكا سياسيا مغايرا في التعامل مع التحولات المجتمعية وتقديم الاجابات الشافية على أسئلة جيل القرن الواحد والعشرين، وذلك بتجديد خطابه ونخبه وطرائق تواصله السياسي، وبقراءة معاصرة لتراث علال الفاسي خاصة في هذه المرحلة التي تتطلب تشخيصا دقيقا لواقع حال لحزب بنقد ذاتي يتجاوز “سلخ الذات” الى تقديم مقاربات تمكن من تجاوز حالة الترهل التي اصابتحزب حفدة أحمد بلافريج وعلال الفاسي، وأبناء امحمد بوستة  وعبد الكريم غلاب بفعل عوامل ذاتية داخلية أكثر منها خارجية، وهو ما سيمكن حزب الاستقلال من استعادة مكانته الطبيعية داخل الحقل السياسي، وقوته ورمزيته،وإعادة الاعتبار لهذه الهيئة السياسية التي واصلت تواجدها وظلتلحد الساعة عصية على المحو،،  لتعودكما كانت من قبل إحدى مصادر الثقافة السياسية وتوطيد دعائم الديمقراطية الحقيقية والوطنية الصادقة.