محمد لعفو بلخياط

في مملكة الفوسفاط حيث يتم اكتناز القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و العملة الأجنبية، تموت طفلة بريئة، و تسيل روحها في سماء الوطن، طلبت و التمست ثم توسلت ان ينقدها منقد من أظافر الموت… لكن الموت أبى إلا أن يفصل الروح عن الجسد، و تصاعدت أنفاسها الأخيرة في رحلة مع آهات المكلومين و المعذبين في هذا الوطن الجميل. رحلة إلى وطن أجمل حيت ستشكو إلى قاضي السماء بما فعلة قضاة الأرض و مسؤولوها، ستأخذ حقها منهم يوم ينادي مناد قفوهم إنهم مسؤولون.
لو تحسست نبضات قلب الأم و هي ترقب طفلتها تحترق و تشوى لفهمت الحكاية؛ حكاية الظلم في هذا الوطن، لو رأيت الزفرات تصاعد إلى السماء، لتساءلت و استغربت، لماذا لم يغير الله ما بهذا القوم؟ و بالأحرى لماذا لم يغير الناس انفسهم حتى يتغير حالهم لأن سنن الكون لا ترحم أحيانا… كم من القناطير المقنطرة من الدم و الزفرات تكفينا حتى يرحم بعضنا بعضا؛ حتى يتربع على المسؤولية من يستحقها؛ حتى يزول هذا الليل الطويل الذي لا يريد ان ينجلي…

لا خير في وطن تستجديه طفلة صغيرة و لا يستطيع فعل شيء؛ ضعف الطالب و المطلوب….. و المطلوب ليس شخصا عاديا فهو الوطن كله بجيشه العرمرم من المدنيين و العسكريين؛ ضعفت هذه الجحافل ان تصل قبل موعد خروج الروح، و ضعفت معداتها حين وصلت، و يستمر الضعف يفعل فعلته في المستضعفين الذين لا ذنب لهم … غير انهم يسكتون عن المنكر أحيانا و يشاركون في صناعة المذلة. ويظنون بالأحرارظن السوء أحيانا أخرى، فيهم من يهمزون و فيهم اللمازون؛ يوم كانت انامل المناضلين تترجاهم ليقاطعوا موازين، ليتوقفوا عن الرقص، فلم يتوقفوا؛ فائض الهرمونات الجنسية لم يكن ليسمح لهم بالإنصات إلى صوت العقل، فاستذلهم الشيطان، واستذلهم المسؤولون و ضاعت هيبة الشعب،فماتت هبة سيدي علال البحراوي و سيستمر الحال على ما هو عليه الى أن يضع الله امرا كان مفعولا، ولن يكون الأمر كذلك حتى يتيه هذا الشعب لعقود من الزمن و يخشوشن فتعود له هيبته التي فقدها رغم انف المزمرين للمثلية الجنسية و الانحلال الأخلاقي.

لقد مرغت هبة هيبة الدولة في التراب لولا انهم سيفندون و سيتهربون من المسؤولية، و الحقيقة أننا نتحمل المسؤولية و قد مرغت انوفنا جميعا في التراب ، لأننا لم نتمكن من صناعة و طن يرحمنا و يرحم أبناءنا، فالذين يتحملون المسؤولية هم ابناؤنا و أطفال نسائنا، او قل هم صنيعة أيدينا، هم منا و نحن منهم و ربما كانوا اكثر إخلاصا منا لكن ظروفهم لا تسمح بترجمة الإخلاص على ارض الواقع و لا بفعل أكثر مما فعلوا…
لقد آن أن نفهم لعبتهم التي يلعبون و نلعبها معهم، فهؤلاء الراقدون بجوار مكيفاتهم لا يمكن ان يفكوا لغة المستضعفين ولا ان يفهموا حقيقة عذابهم، كما لا يمكن للأقدام الساحقة أن تتحسس معاناة الورود المسحوقة؛ كذلك لا يمكن ل ولاد الناس ان يحسوا بعذاب الناس حتى يتساوى الناس أمام قانون الأمة المغربية و ثرواتها. فكان لزاما علينا ان نترك البكاء حينا من الدهر و نشمر على أكتافنا لإعادة الإنسانية إلى الإنسان في هذا الوطن الجميل.
وداعا ايتها الطفلة الصغيرة فقد كنت شاهدة على جبننا، و زفراتك ستتحول إلى كابوس يطاردنا في النوم و اليقظة، أما حسرات أهلك فلن تذهب سدى فهناك في السماء من يمهل و لا يهمل، وسوف يعلم الظالمون اي منقلب ينقلبون… و اعلمي أيتها البريئة أن خيط الأمل القصير الذي كنت تمسكين به، ليس بأقصر من خيط الأمل الذي يمسك به جميع المغاربة في تحقيق الكرامة و المساواة و الديموقراطية، فقد ابتلينا في هذا الوطن بقصر الأمل، و انسداد الأفق، فلقد كسدت تجارة الأمل ولم يعد احد يقدر على بيعه للشعب إلا من غضب عليه ربك من جحافل المازوطيين أو القوم التبع الذين يمنون أنفسهم بأن يتبعهم الغاوون. في رحلة جديدة لامتصاص دماء الوطن و إفقار المفقرين…