لم تمض سوى ساعات قليلة على الزلزال الذي ضرب مدينة أركاتا الإيطالية حتى انتشرت فرق البحث والإنقاذ وسط دائرة بقطر 2كلم من الأنقاض . تسلل في جنح الليل ، وكان حاذقا في تمويه فرق الأمن الممتدة على طول خط التحذيرات بعدم الاقتراب من أكوام الأبنية المنهارة … تلمس خطواته في حذر شديد باتجاه مسرب ضيق قاده إلى سرداب ، ونفَسه يكاد يختنق من شدة الرطوبة والروائح العفنة التي كانت تملأ تلك الأقبية ، بالرغم من اللفة الواقية التي كان يرتديها . وفي غبش ضوء مصباح يدوي أبصر حقيبة جلدية ؛ نصفها مطمور تحت قش مثقل بالأتربة والرطوبة ، مسندة إلى شظية منحوتة لفوارة ماء من العهد الفيكتوري.

تناهى إلى مسمعه ؛ من بعيد ؛ نباح الكلاب البوليسية فأسرع في الإمساك بالحقيبة متلمسا خطواته صوب كوة هناك ليطلق ساقيه للريح ، حتى إذا توارى عن المكان جعل يتأملها ولهثه يتوالى بقوة ؛ حقيبة من جلد سميك ، فتحتها مشدودة بخيوط شبيهة بالكرباج؛ كل عقدة تفضي إلى التي تليها على منوال ضفيرة مشدودة بإحكام . أخذ يفك أزرارها واحدا تلو الآخر حتى إذا فتحها وجدها محملة بسفر قديم تزدان دفتاه بكتابات ورموز لم يفقه لها معنى ، فصدرت منه قهقهة مدوية ؛ لم يدر ألسوء طالعه وهو الذي كان يأمل أن يلفيها مكدسة بأوراق مالية أم لحسن حظ شخص مولع باقتناء الكتب القديمة !؟ … حمل الحقيبة إلى قبو خاص بمسروقاته ورمى بها جانبا ، لم يشأ أن يزهد في ثمنها ويعرضها على أصحاب الأثريات ، وإن كانوا جميعهم يعرفونه كأحد لصوص الأبنية القديمة .

سر أسراب الطير

تزوج وأقام بمسكن فاخر بحديقة غناء ، ولم تعد اللصوصية بالنسبة إليه سوى مجرد ذكريات ، كان من حين إلى آخر يختم بها وجبة العشاء يسرد نتفا منها على مسامع زوجته فيأخذهما الضحك إلى حين.

كان معتادا على رياضة المشي في الصباح الباكر ؛ يقطع عشر دورات حول حديقته قبل تناوله الفطور … وعلى مدى أيام لاحظ أن سربا من طائر السّمانة يظهر في الأفق عند تسلل خيوط أشعة الشمس الأولى إلى حديقته ، فيحتل الأغصان ويأخذ في شقشقة حادة ورؤوسها ونظراتها منكسة صوب نوافذ مغلقة خلف المنزل ، لكنها سرعان ما تغادر إلى جهة مجهولة.

بدا حائرا ذات ليلة على مائدة العشاء ، فبادرته زوجته سيليسيا:

– ” .. ماذا دهاك ياصامويل وكأن شيئا ما يعكر مزاجك ؟ ”

– ” .. ألا ترين معي سرب الطير الذي يزورنا كل صباح مع إطلالة الشمس ويتخلف عند كل يوم غائم ؟”

– ” .. حقا … إنه لأمر يدعو إلى القلق ..” .

توجه صباحا إلى كنيس مستطلعا رأي الكاهن الكبير ، فعبر له عن اعتقاده بوجود روح تخيم على المكان هناك ، فلا غرابة أن تستقطب هذه الأسراب كل صباح لطلب الفكاك والغفران وأضاف قائلا : ” … طيب … لا بأس سأعرض القضية على صديق لي مولع بتتبع هذه الظواهر … ربما سيكون في زيارة منزلك لاحقا ..”

الحقيبة الرمادية

شيخ طاعن في السن حافي الرأس تنسدل منه خصلات من الشعر في بياض الثلج لتغطي كتفيه ؛ يضع نظارة على أرنبة أنفه ، محاط بمجلدات ضخمة قديمة ؛ احتلت معظم جنبات الغرفة . وبنظرات حادة رفع بصره صوب الباب وهو يسمع نقرات متتالية :

– ” … عادتك هي … هي … دوما غارق بين الكتب والكنانيش ، أخاف أن تترك يوما وصية بدفنك بينها …ها …ها …ها … ”

– ” .. آه أنت .. عزيزي .. كاماريو وجدتَني عاقد العزم على زيارتك بالكاتدرائية .. فماذا وراءك ..؟”

– ” .. شخص جاءني يشتكي وجود أسراب من الطير تزور حديقته كل صباح مع إطلالة الشمس …”

بمجرد أن وقر في سمعه هذه الجملة نهض فريديريك واقفا مزيحا عنه النظارة ومرددا الجملة للتأكد : ” .. أسراب طير ..كل صباح .. الشمس ….؟ ”

– ” .. نعم .. وقد خطر ببالي لأول وهلة بأن الأمر لا يعدو أن يكون روحا تأوي جانبا من حديقته ..”

– ” .. نعم .. نعم .. ربما .. لكن علينا معاينة هذا .. لِنرَ … فيما بعد .. سأنظر في الأمر وقد أتصل بك ..” . ودعه إلى البوابة الخلفية من منزله المهترئ ثم عاد ليردد الجملة وهو ينفض الغبار على سفر قديم ، ما لبث أن انشرحت أساريره وهو يتتبع بسبابته سطورا وطلاسم على أوراق خشنة حفت ببعض حواشيها آثار الأرضة* . تهلل وجهه وشع بصره وكأنه وقع على فك طلسم قديم … !

مرت الأيام ، وصامويل فريسة لكوابيس مؤرقة رهيبة تفسد عليه نومه ، حتى إذا كان ذات صباح بعد مطلع الشمس سمع طرقات على باب منزله ، فلم تكن سوى لفريديرك وقد لف رأسه بإزار انكشف منه وجه بنظرات ثاقبة :

– ” .. سيدي .. أتمنى ألا تكون زيارتي مزعجة … فقد أبلغني الكاهن بوجود …” فقاطعه :

– ” … أي .. نعم .. نعم ..سيدي مرحبا .. لقد انتظرتك طويلا ..”

– ” .. هل لي أولا بإلقاء نظرة عن مقتنياتك الأثرية .. ربما سنعثر على … ” قاطعه :

– ” .. آه .. طبعا .. طبعا .. لِمَ لا .. تعال .. تعال ..”

نزلا معا درج قبو يضم نماذج عديدة من الأواني والأدوات النفيسة .. من بينها الحقيبة الجلدية ، فجعل يتفرسها بشدة دون أن يسأل عما بداخلها .. لكنه فجأة التفت إلى صامويل قائلا :

– ” .. ماذا كنت تنوي فعله لاتقاء بلبلة الطيور كل صباح ..؟ ”

– ” .. كنا عازمين على مغادرة هذا السكن .. ”

– ” .. لكن .. هذا ليس حلا .. فقد تنتقل معكم أسراب الطيور .. أينما أقمتم .. !”

– ” .. لكن وما الحل ؟.. سيدي أرحني ..”

– ” .. عليك أن تزهد في جزء من مقتنياتك هذه .. فقد …” قاطعه :

– ” .. فقط ..؟ إذا كان هذا سيريحني ويعيد لي الطمأنينة فسأتخلص منها كلها في الحين .. فهي لك .. ولست راغبا في أن تبادلني إياها ولو بقرش واحد ، فالعربة جاهزة لتنقلها إلى حيث تقيم …”

العزّام الهرم

في ليل بهيم ، بقي فريديريك سامرا كعادته ، لكن هذه المرة مع السفْر الذي استخرجه من الحقيبة ؛ فانكب على تتبع سطوره بعناية فائقة ، كلما وصل إلى طلسم أخذ في تلاوة شيء ما .. لا تزيغ نظراته عنها وتتبع مرجعياتها في صفحات تلو أخرى .. وقبل أن يأخذ مضجعه دعا خادمه :

– ” .. استأجر لنا قاربا بخمسة ملاحين ، ومؤونة عشرين يوما في رحلة قرب جزيرة بوفيليا .. واصطحب معك كبير البحارة لنتحدث عن بعض تفاصيل الرحلة ..”

القارب سالادان SALADAN

الخادم إلى سيده فريديريك : – ” .. سيدي إن معي الكابتن مورانو صاحب القارب الشراعي سالادان ..”

– ” .. مرحبا كابتن مورانو .. لدينا رحلة في غضون أسبوعين إلى منطقة قريبة من جزيرة بوفيليا ..وستنال أتعابك مقدما ..”

– ” .. سيدي .. هل تعلم بالأخطار المحدقة بهذه المنطقة ؟ .. فلعلك على علم بالأساطير الرهيبة المنسوجة حولها .. يقال إنها مقبرة للأرواح الشريرة ومرقد لخدام النبي سليمان .. !”

– ” .. هون عليك .. الكابتن مورانو .. أنا أدرى بالمنطقة وتفاصيل أحراشها من أي أحد … لن نقترب منها ، وستصطحب معك مركبا بمجاذيف لنستعين به على مسح المكان .. هيا خذ .. ” أمده برزمة من الليرة الإيطالية وحددا معا أول الشهر لانطلاق الرحلة .

في عرض البحر

كانت السماء ملبدة بغيوم داكنة ؛ تحجب القمر حينا لتنفرج عنه أخرى ، وفريديريك قاعد على رصيف المرفأ يتتبع حركة البحارة وهم يشحنون القارب بالمؤونة والعتاد ، من بينهم فتاة في ربيع العمر تدعى كاميليا ؛ كان فريديريك قد ألح على انضمامها إلى طاقم السفينة لغرض ظل مجهولا .

الكابتن مورانو بلحية كثة ضارب لونها إلى الاصفرار ؛ ملأت سطيحة وجهه المتغضن .. ذو قامة قصيرة ، كان يخطو على ديك القارب جيئة وإيابا ، يراقب حتى إذا تأكد من كل شيء في مكانه نادى فريديريك :

– ” .. سيدي .. يمكنك أن تستقل مكانك هنا إلى جواري بقمرة القيادة ..” . حمل فريديريك حقيبته وجعل منها متكأ خلف الكابتن مورانو ، وفي ركن هناك قعدت كاميليا تتأمل البحر من خلال كوة محاذية لها ، بينما صرخ هذا الأخير في بوق القارب :

– ” ..هيا .. يارجال .. لننطلق .. كثفوا من الفحم ، فمياه البحر خشنة على ما يبدو ..”

تقاذفت ألسنة الدخان وتوالت وسالادان أشبه بأفعوان يختال في عبوره بين سفن وقوارب يزدحم بها المرفأ . ومع دنو شروق الشمس وقف فريديريك يتأمل رقعة السماء ، كما لو كان يرصد شيئا في الأفق ، بيد أن قطعا من السحب الداكنة كانت ما زالت جاثمة بناحية المشرق ، فعاد إلى مكانه وطلب فطوره صحبة كاميليا ؛ لكن ما إن شرع في الأكل حتى ضجت القمرة بصراخ الكابتن مورانو : ” … إلهي … إلهي … ! ما هذا ..؟ أسراب من الطير تحجب قرص الشمس وتقصدنا … وهل هي نسور .. ؟ .. لم أرَ مثلها .. إنها أشبه بأسراب النحل .. إنها تقترب منا … أيها الرجال خفضوا الأشرعة وخذوا أسلحتكم … !” ، بيد أن فريديريك ربت على كتفه بهدوء قائلا : ” … هون عليك …لا تدع أحدا يطلق رصاصة أو خرطوشا … وإلا محقتنا ومزقتنا إربا إربا ..” ثم التفت إلى كاميليا وناولها ـ من كيس تحت عباءته ـ حفنة من سماد دقيق أشبه بحبات الرمل ودعاها إلى نثرها في وجه السرب حال اقترابه وانقضاضه على سطح القارب .

ذهل البحارة والأعوان وهم يرقبون عبر الشقوق أسراب طيور سوداء اصطفت على جنبات القارب بأعين حمراء تتهالك على السماد من يد كاميليا والتي بدت رابطة الجأش غير آبهة بمنظرها المرعب ، في حين كان الكابتن مورانو يتتبع المشهد بكثير من الهلع .

العاصفة !

أمضت سالادان عشرة أيام وهي تبخر عباب البحر باتجاه جزيرة بوفيليا ؛ كان الكابتن مورانو بين الفينة والأخرى يتأمل بمرقابه الطويل أحوال البحر وموقع سالادان .. ليبلغ فريديريك بكل طارئ ، سواء في الأفق البعيد أو على مياه البحر ، وعلى حين غرة رصد منظاره معالم برية بدت غير بعيدة ، وطائر النورس يمرق من أمامه ملامسا سطح المياه ، فتهلل وجهه واستدار إلى فريديريك : ” .. سيدي يبدو أننا على مشارف الجزيرة ، ربما لم يتبق لنا سوى مسيرة يوم واحد على الأرجح ..”

– ” … طيب .. خذوا كامل الحذر وإذا كنتم على مقربة من المكان أنزلوا المرْكب المجذاف ..”

بعد أن أسدل الليل ستاره وخلد الجميع إلى النوم أحس الكابتن مورانو بتأرجح القارب في مد وجزر ، وصفير الرياح يشتد ويتعاظم .. فلم يملك إلا أن دق الناقوس صارخا : ” … يارجال … !ارفعوا الأشرعة ، ثبتوها جيدا .. إننا بتنا في واجهة عاصفة ..فلتكونوا يقظين ..”

عويل الرياح .. أعقبتها أمطار عاصفة ليجيش البحر ويهيج بأمواج عاتية ؛ شرعت تضرب القارب ذات اليمين وذات الشمال ، والكابتن مورانو يجاهد ليستبين طريق سالادان وسطها … بقي متمسكا بدفة القارب بعد أن تحطمت الواجهة الأمامية وأصبح في مواجهة مباشرة مع أمواج مزمجرة ترفع القارب عشرة أمتار لتهوي به إلى ما أعلاها ، وقد شرعت أوصاله تتفكك وتتشظى .. !

ليلة ليلاء ؛ لم تمر عاصفتها وتهدأ مياه البحر إلا مع مجيء الصباح وانقشاع بقايا الظلام والضباب … لتنكشف في بقعة دائرية صواري القارب وأعمدته تتراقص على سطح المياه إلى جانب صناديق وجثث وبراميل … !

كان فريديريك متسمرا في مركب خشبي إلى جوار كاميليا وهي تتأمل في حرقة وبدموع مستفيضة المشهد التراجيدي لسلادان ، وكيف ابتلع البحر كل طاقمه وخدمه .. !

جزيرة بوفيليا ..

أخذ فريديريك يجذف بالقرب من ساحل انتشر حوله دغل كثيف من أشجار العرعر … وصلا إلى الساحل وجعلا يتأملان صخورها المكسوة بحشائش السافانا .. استبد بكاميليا هلع شديد وهي تقف على أرض يلفها سكون رهيب ، فهدأ فريديريك من روعها بأن خاطبها : ” .. لا تنزعجي وتماسكي … إننا أمام اختبار صعب .. لعلنا سنربح الرهان إذ ذاك ستتوجين ملكة على بقاع الأرض … !”

– ” .. لم تتعود على مخاطبتي بهذه اللهجة الساخرة .. ملكة أم فريسة ..؟ !”

– ” .. معك الجراب كلما لاحظت شبحا أو شخصا يدنو منا .. ما عليك إلا أن ترميه بقبضة من ذلك الدقيق ..”

سارا بخطوات متئدة ، وبصر فريديريك لا ينفك عن النظر من حواليه ، حتى إذا أرهقهما السير استندا إلى صخرة … شاهدت كاميليا من خلال أوراق شجر العليق بناية جعلت تدل فريديريك ناحيتها ؛ تقدما قليلا صوبها .. بدت في هيئة قصر فيكتوري غطت جنباته ومداخله سيقان نبات الباربا … توغلا باتجاه بوابة يبدو من رتاجها أنها الرئيسة المفضية إلى داخله .

توقف فريديريك أمام البوابة متتبعا بنظرات حادة بقايا رموز كانت ما زالت منحوتة فوقها .. فصدرت عنه تكشيرة عريضة ملتفتا إلى كاميليا هامسا : ” .. إنه هنا .. مرقد الأسد الأكبر حامي خاتم سليمان .. !” . ما إن تجاوز عتبتها حتى تناهى إلى مسامعه أصوات لحيوانات تختلط بين زئير الأسد وعواء الذئاب وضبيح الثعالب يتردد صداها في فضاء القصر اقشعرت لها فرائص كاميليا .. فتحولت حينئذ إلى صوت رجولي عملاق صادر من عمق مائي : ” … مرحبا … مرحبا .. أعقبتها قهقهات لصبايا منبعثة من كل أركان المبنى .. لم يكن ليبالي بها .. فأخذ يتحسس كتابه ويتمتم في صمت بشفتين لا تفتر عن الحركة …

تقدما إلى البوابة الموالية ؛ أفضت بهما إلى حوش بحوض مياه آسنة ، لم يكادا تخطيها حتى انتصبت بوجههما ثعابين رقطاء تصرصر بأذيالها ، وقد انتفخت أوداجها وامتدت ألسنتها ؛ وفي سرعة جنونية تلقت قبضة من يد كاميليا فحولتها إلى نيران سرعان ما خمد لهيبها لتتحول إلى رماد ، ومن ثم دلفا إلى قاعة فسيحة مهيبة تتصدرها أريكة منصوبة لهيكل عظمي تتوهج خاتم بأحد أصابعه بينما كانت ألسنة النيران تتقاذف من عينيه وخياشيمه … وما إن دنا العزّام ومد يده حتى تهاوت الأرض تحت أقدامه وأسرعت إليه ألسنة لهيب لاسعة .. لكنه ظل متشبثا بالكتاب .. وبعد أن حدق به الرعب وهوت عليه الثعابين بأذيالها فتح الكتاب وجعل يتلو … كلما رفع صوته بالتلاوة كلما زمجرت النيران من حوله . حنقت الثعابين والأفاعي فوقع منه الكتاب وسقط العزام على شفير هاوية بعيدة القرار تتقد بنيران صفراء … أخذ العزام في الصراخ : ” … كاميليا … كاميليا .. كاميليا .. !خذي الكتاب .. مديه إلي … كاميليا .. كاميليا .. تردد هذا الصوت من داخل الهاوية والعزام فريديريك يناشد رحمة كاميليا .. لكنها تجاهلته وصعقته برد لها ” … لِم أغرقت القارب بمن فيه .. ألم تكن تعلم أن الكابتن مورانو .. هو أبي ..؟ !”

أمسكت بالكتاب وجعلت ترمي الهيكل بدقيقها ، كلما سقطت نثراته عليه إلا وزمجر وخار بصوت ثور جريح يطلب الرأفة : … ها .. ها .. ها .. الرأفة .. الرأفة .. خوذي ما تشائين … كفي .. كفي عن إذايتي .. الجمر يعصر أحشائي …كفى .. ها ..ها .. ”

توالت ضرباتها حتى انفجر إلى بقعة دم ثخينة .. سالت ملتوية على الأرض حتى إذا وصلت إلى قدميها تحولت إلى أفعى .. بسبعة رؤوس .. أخذت تتهاوى تباعا أمام نثراتها .

خمد كل شيء من حولها .. لكنها ستتبين بالقرب منها الخاتم اللماع … تأملته في ذهول ولم تتمالك أن لبسته ، وما كادت أن تفعل حتى صرخ صوت فخيم من جوفها :

” … حبيبتي .. حبيبتي .. كم انتظرتك .. كم عذبني الجوى وأرّقني الهوى .. !..”

تجنحت كاميليا وطارت محلقة في الفضاء … تشيعها زغاريد وتراتيل لغيد وصبايا … !