* عبد الصمد أفقير: هل هناك من يجادل بأن الفكر الفلسفي إذا دخل قرية جعل هواءها مشبعا بالإبداع والتفكير النقدي بلا حدود؟ هل هناك من يجادل في كون الإبداع نهوض من رماد الموت الفكري والجمود الأخلاقي؟ وهل هناك من يجادل بأن شرط الإبداع حرية في مساءلة راهن الأمة من خلال شروطها الثقافية والتاريخية؟ طبعا كل من يتنفس هواء هذا الفكر لن يستنكف عن الإجابة بالسلب عن هذه الأسئلة، السلب ذلك الحاضر الغائب في الدرس الفلسفي بالمغرب، حاضر كسلب لحق التلميذ في أن يتنفس هواء هذا الفكر صافيا نقيا دون أن يحس بنفسه متضايقا بضباب المفاهيم، أو مكبلا بأغلال النقل القاتل. وغائب كآلية للنقد والجرأة على المساءلة، ومساعدة للقلم على الإسترسال دون انقطاعات رغم تحفر وترهل المكتوب عليه. فما تجليات ذلك؟ وما أسبابه؟

إطلالة بسيطة على ديباجات الوثائق المؤطرة للدرس الفلسفي، كفيلة بالكشف عن خطابات تجاوزت في بلاغتها خطبة ابن زياد في الوعد بما وراء البحار، وتجاوزت العنتريات في وصفها لسيف الحكمة الذي يعد بفتح مبين، قوامه انسان لم يستطع افلاطون أن يتخيله في عالم المثل، تعد بإخراجه من الكهوف المظلة إلى انوار العقل الساطعة، يستنير بها نحو بر الأمان الأزلي. تعد بخطاب يفوق في أمانه الطمأنينة التي وعدت بها الأديان في جنان الخلد. لكن في المقابل اقتحام بسيط أيضا، لا يحتاج لدرجة عالية في سلم قياس الدكاء، لمضامين هذه الوثائق، والمقررات والمذكرات، يكشف عن ظلمات بعضها فوق بعض، وجولة بسيطة لا تحتاج لنباهة مؤطر تربوي، بين ردهات الفصول الدراسية تكشف عن أوثان صماء تترامى حولها مصطلحات غريبة تصطدم صلابتها بجفاف المسار الدراسي للمتلقي، أسئلة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، لكنها لا تساوي الحيز الذي تكتب عليه علامة الإستفهام، فيكتفي التلميذ برسم علامة التعجب ! ناهيك عن ورقة امتحان جريحة تحكي عن تاريخ أخلاقي ومعرفي جريح. أما إن خرجت من بين هذه الردهات باحثا بين رفوف المكتبات عن علاج لهذا الداء، ستجد كتبا صغير حجمها، قابلة للتصغير على الآلة الناسخة، في غضون ساعات قبل الإمتحان، تحتوي على وصفات سحرية للنجاح، ومن غريب الصدف أن تصنف بين وصفات الطبخ، و الوجبات السريعة، تعد هذا الوثن بنصر مبين، في بضع ساعات، وبدون معلم. ستكشف عن سماسرة أدركوا اليأس الذي خلقوه في سوق الأفكار، أفكار مستوردة كما تستورد أية سلعة، والسبب في ذلك غياب روح الإبداع بين براثن الفوضى الخلاقة، فما تجليات هذا الغياب؟

تبشرنا التوجيهات التربوية، ومذكرات التقويم، والمقررات الدراسية التي تفرق دمها بين القبائل، بطريقة محكمة في الكتابة، تجعل التلميذ لا يأتيه باطل الأحكام الجاهزة من بين يديه ولا من خلفه، والخلاص من شطط الأستاذ المزاجي في التصحيح، والأخذ بيده لنعلمه كيف يصطاد السمك دون أن نعطيه إياه. هذه الوعود مرصعة بقيم المسؤولية تجاه الذات وتجاه الآخرين، ومقرر للفلسفة ملون بألوان زاهية ومزين بلوحات عالمية عبارة عن فسيفساء تسر الناظرين، تتجول بالتلميذ بين كآبة المباهج، وضيق الرحاب، وظلمة المنار. لكن سرعان ما تتفكك هذه الفسيفساء، بانهيار روح الإبداع، حينما تصبح طريقة الكتابة نفسها قالبا جاهزا نمطيا مستوردا بدوره، لتشكل حول رقبة التلميذ والأستاذ والفيلسوف حبلا حاكمة عليهم بالإعدام فكرا !!!  أما روح المسؤولية لدى التلميذ فتتجلى في اتكاليته التي فاقت كل تصور، على قوالب منهجية اعتبرها السماسرة عصى موسى، تطرح عليه السؤال المحبوب: املأ الفراغ بما يناسب !! ولسان حاله يقول: أعطني السمك ولا تعلمني كيف أصطاده. أما الورقة الجريحة التي تحمل تطبيقا لهذه الوصفة السحرية عبارة عن جولة في غرف معزولة عن بعضا البعض، تفتح أبوابها وتغلق بمقتضى ما يتطلبه القالب الجاهز الذي تعلم التلميذ كيفية استخدامه في الفصول الدراسية كما يتعلم هواة الطبخ كيفية صناعة الحلوى، وآخر دعوى التلميذ أن يجد في آخر اللحظات، من يتقن طريقة استخدام العصى، ويعبر به اليم قبل أن يلحق به فرعون الرسوب. كان الله في عونه !!!

* أستاذ مادة الفلسفة بثانوية الحسن الداخل التأهليلية بجرسيف