بقلم أنوار عقيل


تزامنت الذكرى الرابعة والأربعين للمسيرة الخضراء، هذه السنة، مع حدث مهم هو تسجيل المغرب لإصابة أخرى في شباك البوليساريو وذلك بقرار مجلس الأمن رقم 2494 والذي يحث المزيد من التراب على قبر الاستفتاء الذي مات سنة 2007، ويدعم من جديد الحكم الذاتي للمرة 13 على التوالي، ويعلن بكل وضوح بأن أطراف القضية هم المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا وهي الحقيقة التي ظلت الجزائر تتملص منها منذ سنة 1975.


إن المسيرة الخضراء لم تكن مسيرة ملك فحسب بل كانت مسيرة شعب بكامله، فالذين لم يتم تسجيلهم في لائحة المتطوعين ال 350 ألف ولوا وأعينهم تفيض من الدمع، شعورا منهم وكأنهم حرموا من واجب وطني مقدس، فالإجماع الوطني قد خلق الرعب في إسبانيا وبالتالي لم تجد بدا من الانسحاب من أرض هي ليست أرضها، ومن منطقة لازالت خرائطها تشهد على أنها مغربية منذ القدم.


لقد طوي الملف حينها، بانسحاب مستعمر واضح كان يجثم على أنفاس الرمال ويخنق نخل الواحات التي كانت ولازالت تتحدث بلغة هذا الوطن، ولن يقبل المغاربة ملكا وشعبا بأي مسرحية جديدة تشبه مسرحية “waiting for godo” لمؤسس العبثية صامويل بيكيت، وكما أن غودو المسرحية، بعد انتظار طويل، لم يأت ولن يأتي، فإن ما يسمى بتقرير المصير لن يتأتى ولن يكون لأن تحرير المصير في أرض ليست أرضك هو ضرب من الجنون والعبث.


إننا عندما نتحدث بقناعة مطلقة، كمغاربة، ونقول بأن الصحراء ما هي إلا إقليم مغربي كسائر الأقاليم المغربية، فلأن التاريخ والجغرافيا معا يؤكدان أنها لا تقل مغربية عن باقي مدن الشمال، فمن الصعب طمس تاريخ لا زال يشهد على وثيقة البيعة، بيعة الشيوخ الصحراويين لملوك المغرب وهي وثيقة لازالت ماثلة إلى الآن تشكل ضربة قاضية لكل من يدعي وصلا بليلى.


ويتأكد أيضا من خلال ما كتبه العديد من الرحالة والجغرافيين والمؤرخين الأوربيين الذين جالوا عبر هذه المنطقة في بداية القرن الماضي، ولا حظوا إلى أي مدى كان المواطنون الصحراويون متشبثين بمغربيتهم، وكيف أن أحقية ومشروعية المغرب في الصحراء مؤسسة على العديد من الحجج التاريخية والقانونية والسياسية.

فمنذ قيام المرينيين في القرن الحادي عشر، ارتبط تاريخ القبائل الصحراوية بتاريخ الدولة المغربية، ونفس هذا الإقرار عبر عنه أحد المؤرخين بأن الطابع المغربي لسكان الصحراء المغربية واقع لا يمكن دحضه، رغم تكاثف جهود العدو وبعض المناورات السرية للفصل النهائي لهذه الأقاليم عن المغرب، فوحده الاستعمار عمل على تشظي الوحدة المغربية القوية مند قرون خلت. إن التاريخ هو الذي يبين لنا الروابط التاريخية والدينية والأسرية التي تربط القبائل الصحراوية بالوطن الأم.

ومن خلال استقرائنا لبعض المصادر التاريخية فإن جميع الملوك العلويين حرصوا على تعيين من ينوب عنهم في تسيير شؤون رعاياهم في هذه الأقاليم الجنوبية.


وفي نفس السياق، يمكن الحديث عما كتبه المؤرخ الفرنسي وأستاذ التاريخ المعاصر لإفريقيا بجامعة ليون الثالثة برنارد لوغان bernard lugan في كتابه “تاريخ المغرب” حيث يوثق بأن المغرب، كما نعلم نحن المغاربة، كان في عهد المرابطين يوجد على رأس أمبراطورية تمتد من نهر السينغال إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. وأشار إلى أن الصحراء “كانت وقت تقسيم المستعمرات تشكل مع المغرب كيانا اقتصاديا وسياسيا ودينيا واحدا” كما ينفي نفيا باتا وجود أي شيء اسمه “الشعب الصحراوي”.


فالدول التي تعاقبت على حكم المغرب من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين لها أصول صحراوية وانطلقت من الصحراء، فقد خلصت بعض الدراسات حول تاريخ المغرب تميزه بتتابع مجموعة من الدول على الحكم، وكل تلك الدول إنما انطلقت من الجنوب المغربي أو قامت بمساعدة الجنوب المغربي لتقيم دولا رأسها في شمال المغرب وذيلها في عمق إفريقيا، مثل الفتوحات التي قام بها ملك المغرب على عهد الرابطين أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي ترك الملك لابن عمه يوسف بن تاشفين وانطلق نحو إفريقيا فاتحا إلى أن أصابته نشابة في عنقه ومات.


وختاما، نقول بأن الصحراء المغربية ظلت عبر التاريخ كأي بقعة أرضية من أراضي المغرب، بل لولا التقطيع الاستعماري للأراضي لكان المغرب يمتد إلى أبعد من ذلك، ولكن أكثر الجهال لا يعلمون.