(إلى روح أستاذي “محمد أنقار”؛ أنت الذي علمتني كيف أحاصر النص بالسؤال)

«وتعالى الهتاف والصراخ، وتبدد طرح مقتلي من قِبَل السباع وقد زعمت السلطة أني قُتلت من لدن المختطفين المزعومين. وتمليت من محبسي خطاب حاكم المدينة.. وأي أخطار تتهدد المدينة؟ فثيوزيس لم تُختطف وإنما هُرِّبت خشية الفضيحة، وأما أذربال فلا يزال حيا، يعيش وسط أليلي وساكنتها، قد تحول إلى حمار لأنه أخطأ التقدير في شراب حسب أنه يرفعه للسماء فحطه إلى الأرض. وهل حاكم المدينة صادق في زعمه، أم أنه محتاج للتلويح بخطر ليخفي فضائحه المالية التي سرت وفشت وتهدد إعادة تعيينه تارة أخرى؟ ثم ما شأن الثوب المبرقع بالدم؟ أفلا تكون حيلة قامت بها حاتبوت لتصرف الاهتمام عنها وعن سيدتها، فتخلص أليلي لحادث النعي وتنسى ثيوزيس وخادمتها إلى أن تبلغا ليكسوس أو تين جيس فتركبا البحر إلى بلاد القوط أو بعيدا إلى إيجة، أو أي مكان آخر».(1)

****

تقع هذه الصورة السردية مباشرة بعد خطبة حاكم المدينة الذي قطع الشك باليقين، وأكد أن ثيوزيس وخادمتها اختطفتا، وأن العصابة قتلت الشاب أذربال، إذ وجدوا ملابسه ملطخة بالدم، وقد حذر، خلال خطبته، السكانَ من مؤامرة ومن أخطار تتهدد المدينة. والراوي في هذه الصورة يوضح الزيف الذي حملته الخطبة، في صيغة تحاورية، إذ بدا وكأنه يحاور مخاطبا بكثير من الجدية والانهماك والتركيز.

ويبدو أن هذا المقطع السردي لا يحمل جديدا إلى القارئ، فقد سبق أن مدَّه الراوي بتفاصيل الوقائع، وحكى له كيف تحول أذربال إلى حمار، وكيف عثر عليه الحراس وأودعوه مربض البلدية، كما أخبره من قَبْل هذه الصورة أن ثيوزيس لم تختطف وأنها خشيت من الفضيحة وغير ذلك. مما يضعنا أمام تساؤل ملحاح؛ لماذا يحكي لنا الراوي ذلك وهو يعلم أنه سرده بكثير من التفصيل؟ هل الأمر من قبيل الترف السردي؟

بمنطق السرد المتوازن، يعتبر ذلك اختلالا. ولكن بمنطق التوظيف الجمالي للمكونات السردية يمكن القول؛ إن الأمر قد يتعلق بوظيفة سياقية وأثر جمالي. فهذه الإعادة يُحمِّلها الراوي وظيفة تتجاوز مجرد السرد إلى غاية أخرى، غاية العصف الذهني بهدف جرّ القارئ إلى نقاش آخر موسوم بالاستقراء والحث على التأمل، من خلال تفسير اللعبة وإبراز خلفيات الزيف، حيث ركز الراوي على كشف الدوافع السياسية والمصلحية التي تحرك حاكم المدينة.

لقد تجلى العصف الذهني من خلال أسئلة لا يُرجى منها الجواب، أسئلة تحفيزية فقدت قوتها الإنجازية واستدعت تصور القارئ أحيانا، ودفعته إلى الإقرار أحيانا أخرى، وحرضته على مزيد من التركيز والتأمل والانخراط. وبذلك فإن الصورة تحاور القارئ أكثر مما تمده بإمدادات سردية أو وصفية جديدة ترتقي بالحدث الدرامي المعلَن.

ولعل لعبة التحاور في النص ليست طارئة على هذه الصورة، بل هي وليدة السياق برمته، وسليلة تعاقدات الكاتب مع القارئ، حيث فتح خطا تحاوريا وتخاطبيا معه منذ أن تحول إلى حمار، حين استدرجه إلى تواطؤ سردي ونصَّبه مستمعا ومستقرا لسر الحكاية، إذ يقول:

«والحال أني سوف أعيش وسط الحمير حمارا يأتي ما تأتي ويحمل من الأثقال ما تحمل، ويختلف عنها في شيء، قدرته على التفكير، ويؤلمه ألا يحسن التعبير عما يجيش به صدره من أحاسيس ويمتلئ به من رؤى. وها هنا تبدأ مغامراتي التي أريد أن أبثك إياها أيها القارئ، فلا تنأ عني».(2)

يبدو جليا مؤشر تعاقد وتخاطب يمد البطل الراوي قناته نحو قارئ مفترض، ونحن إذا تأملنا كلمة «القارئ» التي وردت في الصورة، نجد أنها كلمة عائمة، بحيث قد يكون القارئ حميما أو لدودا، قريبا أو بعيدا، مَعنِيّا أو محايدا. لذلك نفترض أن التحاور في النص قد ينفتح على أكثر من جبهة.

غير أن عبارة «أبثك إياها» تحمل إشارة إلى تحاور هامس في ثنايا الحكاية، وإلى أن الأمر أشبه بسر، على اعتبار أن الفعل تعدى إلى كاف الخطاب بشكل مباشر، حيث لم يقل الراوي «أبث إليك» بل «أبثك»، بما يعني أن ثمة قارئا حميما معنيا بالتحاور.

والواقع أن المتصفح للرواية يعثر فيها على صور تحاورية عديدة يصعب الإحاطة بجميعها، تبدو أحيانا مقحمة قسرا في ثنايا الحكاية، بحيث كلما وجد الراوي فرصة للشرح والتفسير والإدانة والنقد والمواجهة، لا يتردد في استغلالها، لدرجة قد يشعر معها القارئ ببعض الإسقاط. منها مثلا قول الراوي في سياق أمله في الخروج من المربض ليستنشق الحرية بعد أن اشتراه تاجر يجول الأسواق:

«أفلا نشترك والإنسان في أشياء عدة؟ بل أليس الإنسان حيوانا من نوع خاص؟ فما يميزه عن الحيوان هو التفكير، وقلة من الناس هي التي تفكر، والذي يجعل الإنسان إنسانا هو تعاليه عن مصالحه (…) ولعلي إن كنت حيواني المظهر، فكثير من الناس حيوانيو المَخبر».(3)

واضح أن البطل الراوي أسنوس يتجاوز وظيفة السرد إلى نقد الإنسان وإدانته والتحامل عليه، من خلال نقاشات تبدو جانبية، لكنها أساسية وجوهرية في ظل كون النص، في جانب منه، محاورة فكرية، يحاور من خلالها واقع الحياة والناس، في ظل تصديقهم للزيف وعدم إعمالهم الفكر إزاء ما يحصل أمامهم. ولا يخفى على القارئ المتذوق أن الكلام موجه لغاية تتجاوز مجرد السرد وتنخرط في الوصف والتفسير والجدل لغاية تخاطبية تحاورية يصعب التكهن باتجاهها.

هذا التجاوز للوظيفة السردية من قِبَل الراوي يضعنا أمام افتراض وجود راوٍ إيديولوجي يشكل صوتا سرديا ثالثا بعد أذربال وأسنوس، وهو صوت يبدو أقرب إلى المجادل الضليع المتسم بقوة المناورة الفكرية، يصدر آراءه ومواقفه وكذا أحكام قيمة حول الإنسان، ويناقش بلا كلل ويفترع الموضوعات طوعا وقسرا. ومن شأن ذلك أن يفسد السرد والبناء السردي، غير أنه هنا يصير مبرَّرا سرديا، في إطار ما يحمله النص من سمات التحاور الفكري والوجداني الذي يمارسه الراوي الضمني، ويدخل هذا التحاور في نسيج حاشية النص، ينفتح على عوالم شتى تتعلق بالناس والحياة والسياسة والعِرق، بسمات سردية عديدة، منها التحاور الضمني المُبطَّن.

ويتعزز افتراض الصوت الثالث أكثر في صور أخرى، منها قول الراوي في سياق حديثه عن الخوف من أن يخصيه مالكه:

«وكنت مستعدا لأي شيء سوى الخصي، فأي قيمة للحيوان أو للإنسان ألاَّ يبقى منهما سوى صورتيهما، ولم يحملا مادة الحياة، ولم يخصبا؟ والتخصيب أنواع، وأرقى أنواع التخصيب هو ذلك الذي يقيمه الإنسان بعقله ليغير واقعا، والعِنّة أشكال عدة كذلك، وهي كل شكل من أشكال العجز والخنوع والاستسلام».(4)

إن الصورة تبدو زئبقية، تنفلت من ركن إلى ركن، وتنتقل من موضوع إلى موضوع على سبيل التجاوز؛ من الخوف من الخصي، إلى التخصيب، إلى التخصيب العقلي، إلى العنّة، إلى العجز والخضوع والاستسلام. كما يبدو أن الراوي جاوَرَ بين الإنسان والحيوان وصهَرَهما في ضمير واحد، في إشارة تدين الإنسان على وضعه الحيواني وتحاوره في واقع ساهم في رسمه بعنّته. والصورة في مجملها توجيه ونقد وتحريض على إعمال العقل.

ولا تخفى نغمة التحاور في كل ذلك، حيث يُنَصّب الراوي نفسه محاوِرا مدفوعا بحس الملاحظة وقوة الفكر والقدرة على تفسير فلسفة الحياة لدى الإنسان ومآزقه الوجودية، في شكل هجوم وإدانة بصيغة الجدل أحيانا في نقاشات هامشية، مما يعزز كوننا أمام راوٍ ثالث يدير معركة سردية أخرى هي التحاور.

على أن هذا الافتراض يتأكد أكثر حين نقرأ قول الراوي مباشرة بعد أن تحول إلى حمار:

«فعليَّ منذ اليوم أن أقبل حكم البشر عليَّ، وعلي أن أنظر إليهم لا كما كنت أفعل من ذي قبل، ولا يهمني منذ اليوم صدقهم ولا كذبهم، أو فلسفتهم في الحياة إن كانت لهم فلسفة…».(5)

تكشف تقريرية الصورة بوضوح أن أسنوس يعلن حدوده، فهو لن يهتم بصدق الناس ولا كذبهم ولا فلسفتهم في الحياة. غير أننا نجده بعد ذلك يتدخل في أدق التفاصيل، ويتأمل واقعهم ويحاورهم حيث هم. فهل يتعلق الأمر باختلال سردي؟ شخصيا، لا أعتقد ذلك، لأن «سيرة حمار» جاءت كرقعة الشطرنج، كل قطعة فيها تحمي حدودها وتؤدي وظيفتها، ويبدو ظاهريا أن اللاعبَيْن هما أذربال وأسنوس، غير أن الذي يحرك القطع ويرتقي باللعبة هو الصوت الثالث.

لقد تناسلت صور التحاور في النص، سواء في مقارنة لغة الإنسان بلغة الحيوان وأحكامهم القطعية، أو عند وصف بني سنوس وبني ييس، أو عند تمزيق الراوي والحكيم للمعتقدات وانتصارهما للحقيقة، أو في مغامرات السيرك حين تزايد حمار على أسنوس بالأكل والنزو، أو في محاورات دونا للحمار بعد تحرره، أو عند مناقشة ميل الجماهير إلى القوة والغلبة، وغير ذلك كثير. ولقد اعتمد فيها الراوي أسلوب الاستقراء، من خلال طرح الأسئلة التي شكلت بؤرة التحاور، خصوصا وأنها أسئلة فقدت قوتها الإنجازية في إشارة إلى إفلاس السؤال وتكريس وضعية العجز والانسحاق أمام الواقع، فأمام حالة العجز التي يستسعرها الراوي، «تبقى أمامه فرصة طرح السؤال، أما الإجابة فليست مهمة ما دام السؤال هو الجواب».(6)

ولم يقتصر التحاور على خط الناس والمجتمع فحسب، بل تجاوزه إلى الساسة والسياسيين، في صور قوامها السخرية والتهكم والإسقاط، منها قول البطل السارد في ثنايا خطبته في الحلم أمام قومه:

«وهل يستطيع الساسة أن يخرجوا عن خطاب مرسوم سلفا؟ هل يستطيعون أن يروا أبعد مما تتيحه مصالحهم أو ما تفرضه تحالفاتهم من أجل منصب أو عهدة أو لقب؟…».(7)

إن السياق يشير إلى أن الخطاب موجه لأبناء جلدة الراوي طالما أن الخطبة موجهة إليهم، غير أن التحاور هنا يتجاوزهم إلى السياسيين بشكل ضمني، فهم معنيون به. على أن هذا الاستطراد السردي غير السياقي في الخطبة، هو ما يجعل الأمر يتعلق بخطاب ساخر مقصود من الساسة، وفاضح لزيف خطابهم الذي لا يتكيف إلا مع مصالحهم.

وتتنامى سمة السخرية حين نقابل هذه الصورة بصورة أخرى وردت في سياق مغامرات الراوي في السيرك، حين وصف أدوار الحيوانات:

«فقد ظلت حيوانات لا تخرج عن الدور الذي رُوِّضت عليه…».(8)

إننا إذا قارنّا بين الصورتين، نجد أن السياسي لا يخرج عن خطاب مرسوم، وأن الحيوانات لا تخرج عن الدور، فكلاهما يشتركان في خاصية عدم الخروج عن إطار معين. مما يفتح خط تداخل بين العالمين، يزكيه الراوي بقوله: «أليست السياسة سيركا من نوع خاص؟».(9)

بالنظر إلى سياق هذه العبارة، فإن التشبيه له وظيفة آنية تتمثل، في سياق وروده في النص، في تصوير مشاعر الناس أمام المبارزات السياسية التي تشبه مشاعرهم أمام مبارزات السيرك، وهي مشاعر يطبعها الميل إلى القوة والغلبة. غير أن التشبيه ذاته يتقمص وظيفة سياقية ممتدة، إذ يحيك خيوط تداخل بين عالم السياسة وعالم السيرك، ويجعل ما يسقط على السيرك يسقط على السياسة، طالما أن السياسة سيرك من نوع خاص، حسب قول الراوي.

وقد انفلت التحاور السياسي من إطار موضوعي إلى إطار يطفح بالذاتية، في صور مواجهات فردية للحمار أسنوس مع بعض الخصوم، أبرزها صورة المبارزة بينه وبين أسد أهوج بتدبير من صاحب السيرك، يقول الراوي:

«أخذت أعبث بعضوي وقد انتصب، فأُنزله كما لو هو سيف أريد أن أفتك به، ثم أضرب به صدري، كمن يضرب على طبل، وأنا واقف في وضع إنساني فيثير ذلك خوف الأسد. أعتذر لمن يسمع حديثي وتلويحي بعضوي…».(10)

بغض النظر عن أن الراوي لم يخبرنا كيف يمكن لحمار أن يعبث بعضوه، فإن الذي يثيرنا أكثر هو عبارة «أعتذر لمن يسمع». فمن الذي يسمع؟ إننا نقرأ. هذا الارتباك في العبارة يوحي ‌بأن الراوي كتب الصورة بمشاعر من يتكلم، واختلطت لديه رغبة الكلام بفعل الكتابة، من هنا ندرك أن هذه الصورة مقصودة للتحاور، وقد ظهرت فحولة الفحش لدى أسنوس، كمن يفقد صوابه ويُلوّح بعضوه في وجه غريمه، ثم يعتذر للآخرين، ولكن بعد أن يكون قد أشفى غليله ومرَّر خطابه الفاحش لمن يستحقه. هنا يبرز القصد، وهنا تتجلى مظاهر تحاور مبطَّن كذلك.

نفس مشاعر التحاور الذاتي تبرز في صورة أخرى وردت بعد أن انتصر الحمار على الأسد ونال وشاح الحرية، في تحاور مع صاحب السيرك، حيث نقرأ:

«أهذه حقيقتك يا صاحب السيرك، أردت القضاء علي دون أن تحمل نفسك هذه الفعلة الشنعاء، ألقيت بي في أتون المعركة مع سبع أهوج وأنت تُقدّر أنه سيمزقني شر ممزق، ولم تتوقع أني أستطيع أن أنتصر، وليس النصر بالنسبة إلي إلا الإبقاء على الحياة. لسوف تسعى أن تسحب هذا النصر إليك، وتزعم أن الحمار حمارك، ولكني أعرف طويتك. ولم أعد منذ اليوم حمارك، روضت الأسد والفيل والقرد، وتخلصت منها بسهولة وأردت التخلص مني بذكاء يعفيك من المسؤولية. ها أنا لا أزال حيا يا صاحب السيرك، ها أنا حر يا صاحب السيرك.. حرّ رغم جراحي ورغم ندوبي».(11)

غير خاف ما تتضمنه هذه الصورة من تحاور مفعم بمشاعر الأوبة والجراح والانفعال النابض. هو تحاور موجَّه، يطفح بالذاتية وتسيح منه دلالات تجربة مريرة وملامح انتشاء بالحرية أكثر من الانتصار، فأبلغ ما يمكن أن يحققه حمار أعزل أمام أسد هو أن يبقى حيا. لينخرط البطل الراوي بعد ذلك في تأملات غائرة فيها إحساس بالضيق والحزن والانسحاق والانتكاس الروحي، في صور سردية تدعو القارئ ليتسكع فيها وينغمر في نبضها الإنساني العميق. وبذلك تنفتح الصورة على الحميم والفخم في لعبة سردية تنبش في الذات والتاريخ، طالما أن الرواية، بحسب غولدمان، سيرة وتاريخ اجتماعي.

لقد حاور الراوي الجبهة الاجتماعية والإنسانية، وحاور السياسة والسياسيين، كما سبق أن رأينا، ونبش كذلك في جدلية السلطة والمجتمع في أكثر من صورة، وغطت كل مراحل مغامرات أسنوس، غير أنها تتسم بالامتداد والتعميم والإسقاط في صورة وردت بعد أن هاجم أسد جمهور السيرك وتدخّل صاحب السيرك الذي هدد الأسد بدرَّة، فاستكان الأسد، نقرأ قول الراوي:

«لو أعمَل الأسد عقله لأدرك أن الدرة ليست بالقوة التي تثنيه، ولكنه رُوِّض على خشيتها، وكذلك الشعوب، فهي تخشى قوى ضعيفة لا يمكن أن تثبت أمامها لو هي أبانت عن قواها، ولكنها رُوضت على الخوف فرضخت».(12)

مرة أخرى ينعطف الراوي بنقاشه من موضوع إلى موضوع، على سبيل التوليد والإسقاط، غير أنه هذه المرة يجنح إلى التعميم، ويعمل على توتير الوضعية الإنسانية عبر التاريخ، فالأمر يتعلق بالشعوب وليس بشعب محدد. ورغم ذلك فالصورة لا تخلو من نغمة الاستقراء والعصف الذهني وتوليد التأمل، وهي تحاور هؤلاء وهؤلاء، فيها تشبيه يبدو تعسفيا ينتقل من حالة إلى حالة، لكنه وظيفي في إطار الوظيفة الإيديولوجية التي يضطلع بها الراوي على امتداد الرواية، ولعل ذلك من طبائع المحاوِرين، حيث إنهم بارعون في نقل النقاش من قضية إلى أخرى، على سبيل التعدي والتوليد.

عموما يمكن القول؛ إن الراوي حاور على أكثر من جبهة، وكان واصفا اجتماعيا ومُجادلا سياسيا، وناقش الضحية والجاني، واستثمر السؤال في محاوراته بكثافة، من خلال أسئلة بلاغية لا يُراد منها الجواب، لأنها هي الجواب. وبذلك يكون قد اتبع أسلوب الاستقراء السقراطي، استقراء يولد أسئلة تهدف إلى إبعاد الهوى والمعتقدات الزائفة والأفكار المسبقة والأجوبة الخاطئة، فتوليده لا يهدف إلى بث معتقدات، بل يهدف إلى إزالة المعرفة الزائفة عن الروح، والدفع بها إلى بوتقة الشك(13)، أو إلى وصفها وتفسير خلفياتها.

وفي أثناء رحلة تقصي سمة التحاور في النص، تشكل لدينا انطباع بأن الراوي يتقمص كل ملامح المجادل الشرس الموسوعي الذي لا يعرف الكلل، بما يجعله نموذجا لشخصية المُحاوِر. فقد سبق أن رأينا، أثناء تحليل صورة الانطلاق، كيف أنه بدا مولَعا بالعصف الذهني والتفكير الأشمل، كما أنه كان على امتداد النص يمزق الأشرطة والمعتقدات ويلقي بها في مهب الريح ليراها الجميع، سواء من خلال ملاحظات أسنوس أو محاورات الحكيم. ثم إن السجال في النص كان عقليا، مستنِدا إلى تراكم معرفي مكن الراوي من المناورة العقلية التي ينطوي عليها التشكيك في طريقة التفكير السائدة، وقد ظهر ذلك بوضوح أثناء هذا المحور.

إلى جانب ذلك، بدا الراوي سريع الفطنة والبداهة، حين أنقذ نفسه من الرجم بالمنطق الحيواني، أي النزو، وكذلك حين انتصر على الأسد بإعمال العقل والتفكير المسبَق في الحِيَل. ثم إن لديه قوة اقتراحية هائلة، ودليل ذلك أنه اقترح تطوير لغة الحمير عند بني سنوس، واقترح كذلك تطوير نمط إنتاجهم، وكان أيضا محرِجا للإنسان بكثرة الأسئلة. ورأيناه في صور كثيرة يلعب دور المهضوم حقه ويفيض بمشاعر المظلومية.

إضافة إلى كل ذلك، كشف عن قدرة على إزعاج الآخرين والتسبب في ضيقهم وحنقهم، لأنه لم يكن حمارا كامل الأوصاف. وبدا كذلك أكثر فهما لتفكير الآخرين وأفكارهم المعارِضة، من ذلك مثلا قوله:

«ومن العسير كذلك الحديث إلى من يحملون معتقدات، فإما أن تحمل نفس المعتقدات، فتعزز رأي مخاطبك، وإما تخالفه، فيعرض عنك ويرميك بكل شائن… ».(14)

كما أنه ظهر ميالا إلى التحرر والاستقلالية من خلال محاورته لصاحب السيرك بعد انتصاره على الأسد، وكذا من خلال الرغبة المتواصلة في الإفلات من الاستغلال والأسر أثناء مغامراته.

إلا أنه كان يحسم النقاشات دون أن يبني إجماعا حولها، حيث بدا في صور عديدة في وضع المغلوب على أمره وهو يبحث عن آليات تنفيذ مقترحاته على الأرض، من ذلك مثلا قوله:

«وقد قدرت أن أربط العلاقة مع زملائي من الحيوانات الأخرى في السيرك، ولكن التواصل معها تعذر، فقد ظلت حيوانات لا تخرج عن الدور الذي روضت عليه».(15)

وظهر كذلك في صورة من لا تروق له المراوغة:

«لنا ذهنية هندسية تفضِّل الخط المستقيم على المنحنى».(16)

علاوة على أنه بدا صادقا وغير آبه بأن يكون رقيق الشعور أو رحيما، حيث جاور في صور عديدة بين الإنسان والحيوان، ولوَّح بفحش في الكلام والنزو، وأمعن بلا رحمة في تصوير تردي الإنسان وانحداره، وكان أيضا شديد السخرية والتهكم من خصومه في كل أطوار مغامراته.

ومع كل ذلك، فقد ظهر لديه بعض التناقض، خصوصا حين نقرأ في نهاية النص على لسان حاتبوت:

«…هي معتقداتنا نحن القبطيين. لكي يتخلص الإنسان من عنصره الحيواني عليه أن يقوم بسفر داخلي».(17)

فكيف لمن يهاجم المعتقدات ويمزقها ويشكك فيها، أن يركن في النهاية إلى معتقد ويُهادِنه؟ غير أن هذا التناقض يدخل في تشكيل شخصية المحاور.(18)

ولعل سمات شخصية المحاور التي ميزت الصورة السردية للبطل الراوي أسنوس، تؤهله لأن يتقمص ملامح محامي الشيطان، لكن ليس بالمعنى الذي ظهر به هذا الوصف في الكنيسة الرومانية، وإنما بمعناه في الثقافة الفرنسية بكونه «من يقف ضد التيار العام ويفكر تفكيرا مختلفا في موضوع تراه الأغلبية حقا، وهو يراه باطلا أو العكس».(19)

ثمة جبهات تحاورية أخرى في ثنايا الحكاية، تبدو خلال رحلة الأوبة، من تامودا إلى أليلي، بعد أن نال وشاح الحرية وقفل عائدا إلى حيث وقع التحول أول مرة، آملا أن يعود إلى سيرته الأولى. وفي أثناء هذه الرحلة تحدث الراوي عن ذئاب وكلاب وطيور وضباع، وتحدث حديثا روحيا وفكريا فيه كثير من الإسقاط والتحاور.غير أن كُنْه التحاور هنا يحدسه القارئ على سبيل الظن، لذلك لن نخوض فيه، لأن النقد لا يعتمد على مجرد الحدس والظن، بل على قرائن بنائية وجمالية سياقية.

****

لقد تضمن النص ثلاثة رواة؛ أذربال، أسنوس والصوت الثالث الضمني. ولقد تكفل كل من أذربال وأسنوس بسرد أطوار الحكاية، كل من موقعه، في إطار حبكة متنامية ومتدرجة وفق تنظيم زمني ومنطقي أكسب الحكاية تماسكها الداخلي، وخاطبا طبقات من القراء. بينما تكفل الصوت الثالث بمهمة التحاور، حيث لاحظ وناقش وجادل، وافترع موضوعات عديدة في نتوءات المحكي، وبدا صوته هامسا لكن صداه كان قويا، ناور على جبهات تحاورية عدة، وسيلته قوة الملاحظة والتأمل وضبط إيقاع التداخل بين السرد والتحاور، فبدت الموضوعات وكأنها منبثقة من صميم الحكاية ومكملة لحبكتها. غير أنها في الحقيقة منخرطة في سياق تخاطبي مقصود لتمرير موقف من الوجود، من خلال رصد مظاهر الثقافة. لذلك يبدو النص وسيلة وليس غاية في حد ذاته، إذ يتشكل انطباع بأنه موجه إلى كل طبقات القراء، وإلى قارئ بمواصفات خاصة، قد لا نستطيع تحديد مواصفاته، لكنه بكل تأكيد قارئ يروم تأويل الثقافة. هكذا تضمن النص طبقات سردية، وجعل كل طبقة من القراء تتلمس طبقتها الحكائية؛ هنا يكمن سحر هذه الرواية ومناورتها الجمالية…

هوامش:

(1)- سيرة حمار، حسن أوريد، منشورات دار الأمان- 2015، ص: 33.

(2)- سيرة حمار، ص:21.

(3)- سيرة حمار، ص:42.

(4)- سيرة حمار، ص: 86-87.

(5)- سيرة حمار، ص: 28.

(6)- محمد أنقار، ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية نقطة النور لبهاء طاهر، منشورات مرايا، ص124.

(7)- سيرة حمار، ص: 38-39.

(8)- سيرة حمار، ص: 91.

(9)- سيرة حمار، ص: 88.

(10)- سيرة حمار، ص: 102.

(11)- سيرة حمار، ص:104.

(12)- سيرة حمار، ص: 96.

(13)- محي الدين صبحي، النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم، الدار العربية للكتاب، 1988، ص: 24.

(14)- سيرة حمار، ص: 94.

(15)- سيرة حمار، ص: 91.

(16)- سيرة حمار، ص: 38.

(17)- سيرة حمار، ص: 126.

(18)- انظر سمات شخصية المحاور على:(www.16personalitiers.com) .

(19)- شاكر النابلسي، محامي الشيطان، دراسة في فكر العفيف الأخضر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1- 2005، ص: 15.