محمد الهيني: لم يكن اشد المتشائمين في مسار تشكيل الحكومة يتوقع هذا السيناريو التراجيدي الذي عشنا فصوله هذا اليوم التاريخي 3/01/2016 من اصدار امانة حزب العدالة والتنمية لبلاغ خيانتها لعهد قطعته مع حزب الاستقلال وزعيمه شباط بإشراكه في التوليفة الحكومية .

هذه الخيانة كانت بطعم المصلحة الوطنية والتاريخ وكأن حزب الاستقلال ارتكب جريمة الخيانة العظمى تستدعي التبرؤ منه واقصاءه من تشكيل الاغلبية الحكومية، فهل الالتزام بالعهود والمواثيق مخالف للمصلحة الوطنية ويجري في تضاد مع التاريخ، فمتى كانت اخلاق الالتزام السياسي والوضوح القيمي تعاكس مصلحة الوطن ؟ فهل اصبحت الخيانة قيمة القيم السياسية، ومن مستوجبات الاسقاط والتبرم ؟

ان المتأمل لبلادة أسلوب البلاغ وغموضه بالاختباء وراء مفاهيم نبيلة وغايات جميلة عنوانها تثمين موقف حزب الاستقلال وحقيقتها الطلاق البائن منه دون القدرة او الجرأة على اعلان الطلاق ومنطوقه في ختم البلاغ يعكس حياء وخجلا بئيسا وخيانة واضحة لحليف الامس.

والخطير في الامر ومن مكر التاريخ هو وضع البلاغ حزب الاستقلال في موقع الجاني الذي يتحمل مسؤولية نتائجه باختياره لزعيمه المتسبب الوحيد في الطلاق او التطليق بشكل يزيد في تعميق ازمته الداخلية وأزمة زعيمه بجعله في فوهة المدفع باختياره المبكر الاصطفاف الى جوار حزب نقض العهد واستحل الفراق .

والنكتة الكبرى للبلاغ هي الحديث عن الاستقلال الحزبي والصمود والموقع التاريخي وهي مفاهيم مضحكة ومبكية لأنها تناقض كلية نصا وجوهرا للخيانة والاقصاء ،لان الاستقلال والصمود والتاريخ هو الوفاء للعهود وليس التحلل منها،فحتى المفاهيم جرى السطو على مدلولاتها بشكل يبين السحر والشعودة اللغوية المستعملة في القاموس السياسي للبلاغ .

لقد اثبت حزب العدالة والتنمية اليوم كما كنا نقول دائما انه حزب يؤمن لأعضائه الكراسي والمناصب ولا تهمه لا مصلحة الوطن ولا الوضوح القيمي للحزب واختياراته ومرجعيته ولا تبيئة وانضاج الحقل السياسي وعقلنته وتخليقه ،لان الغايات تبرر الوسيلة، وان الاخلاق لا مجال لها في السياسية وان الدين فقط تجارة مربحة للتدليس على بسطاء الشعب وربح اصواتهم، لان مصلحة بقاء الحزب اولى من اي شيء اخر ، فالحزب خلق ليبقى ويحكم وليسود الشرع ويستمر رضى الرب على الحزب ومريديه.

ولعل ما كان ينقص البلاغ هو فقط اعتبار التخلي عن حزب الاستقلال ارادة ربانية ليسكت ويفرح فرسان الاصلاح بالفايسبوك الذين اختفوا امام حقيقة التدليس السياسي الممارس من قبل صناع الخيانة ،فالتموقع مع التاريخ هو الوفاء للقيم الحقة وليس اللهت وراء مناصب زائلة، لانه من غشنا فليس منا، وعلامات المنافق ثلاث “اذا وعد اخلف واذا حدث كذب واذا ائتمن خان”، فالايمان هو الوفاء بالعهود والعقود لقول الله تعالى”يا ايها الذين امنوا اوفوا بالعقود”( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ) .

ونختم بالقول ان بلاغ الخيانة عرى على حقيقة نظرة تيار الاسلام السياسي و رؤيته للسياسة والاخلاق بانها مجال لفقه السياسة الشرعية المحللة لفقه الحيل والتدليس لبقاء بيضة الجماعة حية لان فيها انتصار للدين بمشيئة الله كما يصورون ذلك لعبادهم لبلوغ جنة المناصب عفوا جنة الخيانة .

ان بلاغ الخيانة اكد صحة مواقف حزب الاستقلال ورفع من شان زعيمه شباط بصموده في دفاعه عن استقلالية قراره الحزبي مهما كانت التضحيات لكنه في المقابل مرغ سمعة الحزب الإسلامي في التراب امام الشعب بانه مجرد واجهة لاستغلال الدين في السياسة بفقر معرفي واخلاقي وبافتقاد للخبرة في إدارة شؤون الحكومة رافقه توحش في تاليه المواقع الحكومية وما تدره من أموال على حساب الوفاء للقيم والتاريخ والشرف .