مولاي التهامي بهطاط : لحسن الحظ أن المغرب فشل في الانتصار على الثلاثي الأمريكي في سباق كأس العالم..

أولا، لأنه لو فاز لاكتشف الناس أن الأمر كان حلم حزب سياسي وليس حلم أمة.. حزب أسقطت عاصفة المقاطعة كثيرا من قصور الرمال التي بناها في الهواء.. وثانيا، لأن ملايير الدولارات التي كانت ستخصص لتأهيل بنيات البلد لهذا الحدث العظيم، لم يكن هناك من يضمن أنها لن تتعرض لما تعرضت له ميزانيات سابقة ولاحقة “طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون”..

والأنكى من ذلك، أنه مع تقديم المغرب ترشيحه لاحتضان مونديال 2026، اكتشف المغاربة عبارة “الفيل الأبيض”، التي بدا في الوهلة الأولى أنها ستكون سبب حرمانه من هذا الشرف “العظيم” الذي سعى إليه أكثر من مرة خلال على مدى أكثر من ربع قرن.

ما يهمنا في هذا الاكتشاف، أنه حمل درسا بليغا في مجال إدارة الدول، وتدبير شؤونها.

فـ”الفيل الأبيض” الذي أخرجته الفيفا من قبعتها في آخر لحظة، والذي أحس القائمون على حملة الترشيح المغربية أن ملفهم هو المستهدف به، يعني ببساطة شديدة:”مغامرة مالية فشلت في الارتقاء إلى مستوى التوقعات”، أو “مِلكيَّة لا يُمكن لصاحبها لا التخلص منها بسبب تكلفتها العالية، ولا صيانتها”.

إنه درس كان المفروض أن يحفظه عباقرة التدبير القادمون من القطاع الخاص، والناجحون في مقاولاتهم الشخصية، قبل أن يسمعوه من القائمين على شؤون الكرة العالمية.

إنه درس قاس ومفيد في نفس الوقت، لكنه لن يترك أثرا، رغم النتيجة الكارثية التي انتهت إليها عملية اختيار عريس 2026، لأن مهندسي المرحلة في المغرب لا ينظرون إلى إمكانات بلدهم وحجمه من زاوية واقعية، بل تأخذهم “الحمية” فيبحرون على متن قوارب الأحلام التي عادة ما لا تصل إلى بر الأمان بسلام.

كان بإمكان المغرب أن يتعلم تلقائيا من تجاربه الفاشلة الماضية، التي عمل فيها دائما على تقديم مجسمات “الماكيط” مصحوبة بزفة فلكورية وأجواء فانتازية تقدم البلد على أنه ليس أكثر من استوديو كبير لتصوير حلقات من “ألف ليلة وليلة”.. حتى أن السي إدريس بنهيمة فكر ذات ترشيح، في استضافة ملايين المشجعين في خيام على الشواطئ للتغطية على العجز الفادح في البنية الفندقية.

إن أول ما كان ينبغي تعلمه من الفشل المتتالي والمتراكم، هو أن أهم شرط لنجاح “مشروع” من هذا الحجم، يتطلب بداية تحويله إلى “حلم” شعب بأكمله، وليس مجرد حملة علاقات عامة يكون المستفيد الأول هو شركات التواصل والعلاقات العامة التي تنشغل غالبا بتلميع حاملي الملف بدل الملف نفسه..

وهذه الخطوة ليست سهلة، لأن إقناع شعب لا يجد الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، بالمنافسة على احتضان تظاهرة هي الأكبر من نوعها على مستوى العالم، قد يبدو أمرا عبثيا خاصة حين لا تدار الأمور بالطريقة الصحيحة..
لو كانت هناك فعلا “سياسة” في هذا المسألة، لكان التحرك السليم هو توفير البنيات التحتية خدمة للمواطن أولا، وليس ربطها بتنظيم المونديال.. ورقم 15 مليار دولار الذي تم الحديث عنه أكبر دليل على عدم الجدية..
فهذا المبلغ لا يساوي شيئا خاصة عندما يكون موزعا على عدة سنوات..

فلماذا لم تعمل الدولة المغربية أولا على تنفيذ “ماكيطاتها”، من أجل الارتقاء بالبنية التحتية لفائدة الوطن والمواطن، وبعد ذلك تسعى لاحتضان المونديال؟
لماذا لا يكون النهوض بالرياضة الوطنية أولوية قبل التطلع لمنافسة الكبار في تنظيم التظاهرات الدولية، علما أنه عندما كان هؤلاء يبنون بلدانهم كان المغاربة منشغلين بأشياء أخرى من ضمنها ترديد لازمة “العام زين”..
أليس الفوز بكأس العالم أسهل وأقل كلفة من الفوز بتنظيمه..

فالفوز بالكأس لا يحتاج إلى توفير مطارات وطرق سيارة وبنيات تحتية تنافس ما عند كندا وأمريكا.. بل حتى المكسيك “الكادحة” نظمت مونديالين -دون شريك- أولهما سنة 1970، وثانيهما سنة 1986..

لا أسوق هذا الكلام من باب التثبيط والتوهين، والنظر إلى الجزء الفارغ من الكوب.. بل من باب الواقعية والموضوعية.
ولنتوقف عند هذه المشاهد..
من يتحرك في شوارع العاصمة يعاني يوميا وفي كل دقيقة مع فوضى السير والجولان، مع أننا لا نتحدث لا عن أوطاوا ولا عن ميكسيكو.. أو نيويورك.
فهل هناك حل سحري لهذه المعضلة المزمنة التي يزيدها “جهل” مستعملي الطريق طينها بلة..؟
في محيط محطة القطار بأكدال التي يصفها أصحابها بأنها “أيقونة الحضارة”، وعلى مدى شهور تسببت الأشغال المتواصلة في قطع الأزقة واكتظاظ الشوارع المجاورة، الشيء الذي أدى بدوره إلى عرقلة حركة السيارات بشكل يومي..
فهل تدخلت جهة ما لإعداد تصميم مؤقت لحل هذه الإشكاليات؟
أبدا.. بل لم يتم حتى وضع علامات جديدة للتشوير لتسهيل الحركة..
هل تحرك وعي المواطن للتعامل مع هذا الوضع الاستثنائي بنضج أكبر؟
إطلاقا.. بل على العكس من ذلك، فإن كثيرين يركنون سياراتهم في الأزقة الضيقة التي تستعملها شاحنات وحافلات ..
فهل بهذا “الوعي” سنستقبل عشرات الآلاف من المشجعين من كل الجنسيات المتحضرة والمنضبطة؟
لا أتحدث عن الفوضى التي تعرفها الشوارع التي يمر التراموي عبرها… في أجمل عاصمة في العالم..
ولا أتحدث عن وضعية النقل الحضري الكارثية، ولا عن فوضى سيارات الأجرة الكبيرة، ولا عن جيوش “الخطافة”.. ولا عن ممارسات أصحاب سيارات الأجرة الصغيرة الذين لا يعتبرون الراكب زبونا، له حقوق، بل يظنون أنهم أصحاب فضل عليه لأنهم أركبوه في “سياراتهم”.. فهذه المصائب تحتاج إلى مجلدات..
ولا أتحدث عن المناطق الخضراء التي تقف دليلا شاهدا على سوء التدبير.. فهذه الحدائق تعرضت لهجوم كاسح للجراد البشري حتى قبل أن تنتهي الأشغال بها، ومن يزور كثيرا منها اليوم يكتشف حجم الخراب الذي طالها.. فهل هذه هي الصورة “الحضارية” التي تريدون نقلها عن الشعب المغربي إلى العالم؟
ولا أتحدث عن غياب النظافة الذي صار جزء من الثقافة العامة..
لا أتحدث عن هذا وغيره كثير وكثير جدا.. بل أعود إلى قطاع السكك الحديدية الذي يفترض أن يعرض خدمات في مستوى عالمي خلال المونديال..
بصدق.. الأمر يحتاج إلى أكثر من معجزة ..
من يرى المحطة الفرعونية التي تبنى اليوم في حي أكدال والتي تضاهي مطارات -وليس فقط محطات- أوروبا، قد يخيل إليه أن قطاراتنا تنافس في الجودة والدقة قطارات اليابان أو حتى قطارات بعض جيراننا الشماليين .. والحال أن كم اللعنات الذي يصب فوق رؤوس القائمين على شؤون هذه المؤسسة يوميا من طرف “ضحايا” تأخر قطاراتها، لو تحول إلى حجارة لكانت أعلى قمة على وجه الأرض..
قطار يفترض أن ينطلق عند الساعة السابعة.. بعد تأخير تجاوز 15 دقيقة تتكرم المذيعة الداخلية بإخبار الركاب “المحتجزين” بأنه سيتأخر لـ 10 دقائق إضافية بسبب حادث غير متوقع.. وبعد نصف ساعة تعود نفس المذيعة لتخبر “الرهائن” بأن القطار سيتأخر 55 دقيقة -هكذا بالضبط- بسبب “أشغال ما”….
وحين يتأخر أول قطار أكثر من ساعة ونصف عن موعده المعلن.. لكم أن تتخيلوا مصير القطارات التالية.. بل وحتى تلك القادمة من الاتجاه الآخر..
فهل ستتعامل المؤسسة “الحضارية” مع الجماهير الأوروبية والآسيوية والأمريكية “المفترضة” كما تتعامل مع المغاربة؟
إن أي حديث عن تحديث وتأهيل … قبل 2026 سيكون من باب الضحك على الذقون..
والدليل البسيط على ذلك يتمثل في الفشل في تدبير حالة استثنائية بسيطة من قبيل حدث الملتقى الدولي للفلاحة في يومه ما قبل الأخير في دورته الأخيرة .. حيث إن أول قطار انطلق من الرباط في اتجاه مكناس بعد الساعة الثامنة والنصف صباحا ووصل إلى وجهته في حدود الساعة الحادية عشر..
ألم يكن بإمكان عباقرة التدبير السككي أن يخصصوا رحلات إضافية مبكرة تفاعلا ودعما لهذا الحدث الذي يحظى باهتمام وطني وإفريقي ودولي متزايد..؟
وكيف سيكون الوضع خلال مونديال 2026 إذا قررت جماهير ما استعمال القطار في تنقلاتها؟ هل سيكون عليها الانتظار ساعات، وتفهم تردي الخدمات خاصة إذا كانت منتخباتها ستتبارى في ملعب وجدة مثلا؟
هل سيكون عليها تحمل قذارة المراحيض؟ والروائح النتنة في العربات؟
هل سيكون عليها التدخين السلبي مرغمة لأن الإدارة لا تحرص على فرض قانون منع التدخين وتكتفي بتعليق إعلانات ملونة أو بتنبيهات صوتية عديمة المفعول؟
هل سيكون عليها تحمل الفوضى التي يخلقها بعض المنحرفين بشكل دائم؟
إن هذه الأسئلة كان المفروض أن يجيب عنها حاملو ملف الترشيح المغربي قبل انطلاق رحلاتهم المكوكية في جميع الاتجاهات.. وقبل أن تشهر في وجوههم اللجنة المختصة ورقة “الفيل الأبيض”… وقبل أن يحاسبوا “الأشقاء” على غدرهم..