كثر الكلام في المدة الأخيرة عن النموذج التنموي المغربي، وعن فشل هذا النموذج، وعن النموذج التنموي البديل أو الجديد. وهو ما حوّل عبارة “النموذج التنموي” إلى موضوع جديد “لإنشاءات” جديدة تتمرّن عليها النخبة السياسية والمثقفة، تتلهّى وتُلهي بها. لكن رغم غزارة هذه “الإنشاءات” حول النموذج التنموي المغربي، لم يتطرّق المتمرّنون فيها وعليها إلى طبيعة هذا النموذج وخصائصه ومقوّماته، والتي يفيد فهمُها في فهم أسباب فشله، مما يسمح ببناء النموذج الجديد على مقوّمات جديدة، غير تلك التي قام عليها النموذج التنموي السابق الذي ثبت فشله، وذلك لتلافي تكرار نفس الفشل للنموذج التنموي الجديد.

لا شك أن عدة عناصر تدخل في تشكيل مقوّمات النماذج التنموية لمختلف البلدان. فبالإضافة إلى الاختيارات الإيديولوجية العامّة، التي قد يكون لها تأثير على الاختيارات الاقتصادية للدول، مثل تبنّي التوجّه الرأسمالي أو الاشتراكي، هناك عنصر توفّر أو ندرة الموارد الطبيعية: ففي بلد يتوفر على البترول أو الماء والأنهار ويملك الأراضي الخصبة الصالحة للإنتاج الزراعي، يكون مخطّط التنمية الاقتصادية، الذي يعبّر عنه النموذج التنموي، مختلفا عن مثيله في بلد فقير في الموارد الطبيعية. لكن رغم أهمية عنصر الموارد الطبيعية، إلا أنه يبقى ثانويا أمام العنصر البشري، الذي يشكّل، عندما يؤهّل التأهيل الملائم، ثروة متجدّدة لا تنفد ولا تنضب، عكس الثروات الطبيعية، مثل المعادن والبترول والغاز… ولهذا نجد أن البلدان الأكثر تقدّما وتنمية، ليست تلك التي تملك ثروات طبيعية وافرة، بل تلك التي استثمرت في العنصر البشري فجعلت منه الثروة النفيسة التي تُنتج كل الثروات الأخرى. يمكن إذن القول إن مقوّمات النموذج التنموي، والتنمية بصفة عامة، تتلخّص في الاستغلال الأفضل للموارد الطبيعية المتاحة، مع ما يندرج ضمن ذلك من توزيع أفضل وأعدل لعائدات هذه الموارد، والتأهيل الأمثل للإنسان (العنصر البشري) من أجل أن يؤدّي كل ذلك إلى خلق الثروة لتحقيق التقدّم وتحسين جودة الحياة. لنحتفظ بعناصر هذا التعريف التي سنعود إليها بعد قليل.

الفساد كركن للدولة المخزنية:

الجميع يتحدّث في المغرب عن الفساد الذي تحوّل، وقبل النموذج التنموي، إلى “إنشاء” مكرور تمارسه النخبة السياسية والمثقفة، ليس في المعارضة (وهل هناك معارضة حقا؟) فحسب، بل حتى لدى الموالين لاختيارات الدولة المخزنية. ولهذا بات الوعدُ بمحاربة الفساد شبه طقس تعبّدي يحضر في جميع البرامج الانتخابية والخطابات السياسية، سواء لأحزاب إدارية أو إسلامية أو يسارية… فإذا كان هناك شيء تتفق عليه جميع التيارات السياسة في المغرب، فهو الاعتراف باستشراء الفساد وانتشاره الواسع المريع.

ولا يتعلق الأمر فقط بالفساد الأصغر الذي يجرّمه القانون، لكن الدولة تتقاعس عن تقديم المفسدين إلى العدالة، وإنما يتعلق الأمر بالفساد الأكبر والأخطر، وهو الذي لا يمنعه ولا يجرّمه القانون بفصول صريحة وواضحة، الشيء الذي يجعل منه فسادا شبه جائز ومباح. هذا الفساد الأكبر هو الذي يُمارس كريع مؤسساتي ومؤسّس، يأخذ شكل مكافآت وأعطيات وهبات وامتيازات، مثل منح رخص لاستغلال ثروات البلاد السمكية والمعدنية؛ ورخص للنقل؛ والتعيين في مناصب هامة؛ وشغل وظائف صورية لكن برواتب عالية؛ والرفع دون الحاجة إلى ذلك من عدد البرلمانيين والوزراء بأجور باهظه من أجل الاستقطاب والترضيات والتسويات التي تخدم مخطط المخزن؛ وإنشاء مؤسسات وهيئات ومجالس ومكاتب وطنية شكلية يُسند تسييرها والعمل بها، وبأجور سمينة، إلى المقرّبين والمرضيين؛ وتشكيل لجان صورية يتقاضى أعضاؤها ملايين التعويضات؛ وتوزيع أراضي الدولة، وبأسعار رمزية وزهيدة، على من تعتبرهم خدّامها؛ وإقرار تقاعد استثنائي وامتيازي لبرلمانيين ووزراء خارج الضوابط والشروط التي تحدّدها أنظمة التقاعد؛ والإعفاءات الضريبية لفائدة الموالين والمقرّبين؛ والسفر لأداء فريضة الحج من المال العامّ … كل هذه الممارسات الريعية، وهي كثيرة ومتنوّعة في أشكالها ومظاهرها، والتي تصنع الإثراء بلا سبب ولا عمل ولا إنتاج، تشكّل الفساد الأكبر الذي لا يحاسَب عليه لا مدبّروه ومقرّروه ولا المستفيدون المباشرون منه لأنه فساد شبه مشروع وحلال، كما قلت. وإذا كانت الدولة تغضّ الطرف عن الفساد الأصغر، ولا تُعمل القانون لمتابعة ناهبي المال العام، فذلك لأن الفساد الأكبر هو الذي يحمي هذا الفساد الأصغر، الذي يقف وراءه المستفيدون الكبار من الفساد الأكبر.

ولأن هذا الفساد الأكبر شبه مشروع وحلال، كما أوضحت، فهو ملازم للدولة المخزنية، يمارس كآلية لتدبير شؤونها. ولأنه ملازم لهذه الدولة وآلية لتدبيرها، فهو يشكّل ركنا لوجود هذه الدولة وبقائها واستمرارها، مثله مثل الأرض والشعب والسلطة السياسية كأركان تقليدية معروفة لقيام الدولة. ومن هنا نفهم أهمية الفساد بالنسبة للنظام المخزني وصعوبة ـ بل استحالة ـ القضاء عليه، لأن ذلك سيعني القضاء على الدولة بتقويض أحد أركانها. فالفساد بالمغرب ليس إذن ظاهرة ظرفية ولا عارضة ولا جانبية، بل هي بنيوية وتكوينية، محايثة لطبيعة النظام المخزني، وملازمة لوجوده واستمراره (انظر “فلسفة الفساد بالمغرب” ضمن كتاب “في الهوية الأمازيغية للمغرب”: http://tawiza.byethost10.com/identite.pdf). ولهذا فإن السؤال لم يعد هو: كيف تعيش دولة المغرب المخزنية بالفساد؟ وإنما هو: هل تستطيع هذه الدولة أن تعيش بلا فساد؟

ما علاقة الفساد بالتنمية والنموذج التنموي؟

قلنا إن العناصر التي تعتمد عليها الدول في إعداد نماذجها التنموية هي عنصر الموارد الطبيعية والعنصر البشري كعامل حاسم. والهدف النهائي من أي نموذج تنموي هو خلق الثروة التي تظهر نتائجها في تحقيق التقدّم وتحسين جودة الحياة. وكما أن المغرب يتميّز بهيمنة الفساد بشكل وبائي حتى غدا ركنا من أركان الدولة، فهو يتميّز كذلك ببناء سياسته التنموية، أو نموذجه التنموي، على نفس الركن الذي هو الفساد. فإذا كانت الدول تستغل مواردها الطبيعية وتؤهّل العنصر البشري من أجل تحقيق التنمية وخلق الثروة، فإن المغرب هو كذلك يستغلّ موارده الطبيعية ويؤهّل العنصر البشري، لكن ليس من أجل تحقيق التنمية وخلق الثروة، وإنما من أجل تنمية الفساد وخلق شروط انتشاره واستشرائه.

كيف يؤدّي استغلال الموارد الطبيعية وتأهيل العنصر البشري إلى استشراء الفساد؟

عندما تُمنح، مثلا، لفلان وفلان رخص الصيد في أعالي البحار، أو رخص استغلال مقالع ومناجم خاصة، أو عقارات من الأملاك العامة…، فإن استغلال هذه الموارد يُنتج حقا ثروة، لكن فقط لفائدة أصحاب هذه الأُعطيّات، الذين تنمو ثرواتهم وتتضاعف أموالهم دون أن يبذلوا ما تتطلّبه مراكمة مثل تلك الثروات من عمل وكدّ وجهد. إنه إثراء بلا سبب ولا موجب شرعي ومشروع، لا يختلف عن حيازة ثروة مسروقة. ولهذا إذا كان استغلال هذه الموارد يزيد في الثروة الفردية للمستفيد منها، فإنه يُفقر الشعب الذي يحرمه ذلك الاستغلال الفردي من عائدات موارده التي كان يجب أن يستفيد منها هو عوض أن تستفيد منها نخبة من النافذين والموالين والمقرّبين. فبدل أن تساهم هذه الموارد في التنمية الشاملة لفائدة كل الشعب، يتبرّع بها، كمكافآت ورشاوى سياسية، المسؤولون عن اقتصاد البلاد وماليته وأملاكه العامة، على من يعتبرونهم خداما لدولتهم المخزنية، ومقرّبين من أصحاب الحلّ والعقد وموالين لهم. هكذا تنتفي الشروط الضرورية لأية تنمية ولأي تقدّم بسبب تحكّم الفساد في استغلال وتوزيع الثروات الطبيعية، التي يستعملها هذا الفساد، ليس في تحقيق التنمية والتقدّم، وإنما في تنمية وتقدّم هذا الفساد نفسه، كما سبق أن قلت. وما يُمارس من فساد في استغلال وتوزيع الثروات الطبيعية لشراء الذمم والولاءات وإفساد الحياة السياسية، يسري كذلك على موارد خدماتية وتجارية تُدرّ الثروة بلا سبب ولا عمل، تُمنح تراخيص استغلاها للمقرّبين والموالين، كرخص النقل والاستيراد والاستثمار…

أما تأهيل العنصر البشري، ذو الدور الحاسم في كل تنمية حقيقية كما سبقت الإشارة، فيأخذ، في إطار سياسة إفساد السياسة، شكل تأهيل النخبة السياسية والحزبية لتتقبّل الفساد وتستفيد منه وتشارك فيه. فالتأهيل يعني التأهيل للفساد. وهذا ما جعل هذا الفساد يسود ويهيمن، ويصول ويجول بكل عربدة وصلف، ولا من يوقفه أو يمنعه. ذلك أن الأحزاب المندّدة بالفساد، والتي تؤكد في حملاتها الانتخابية أن أولوياتها، عندما تكون في البرلمان أو الحكومة، هي محاربة الفساد والاستبداد، هي مندّدة في الحقيقة ليس بالفساد في حدّ ذاته، بل بعدم استفادتها من خيراته وأمواله. ولهذا فمجرد ما تصل إلى البرلمان والحكومة وتتسلم حصتها من رواتب ومناصب الفساد شبه المشروع حتى تلوذ بالصمت. وإذا تكلّمت كررت: “عفا الله عما سلف”، كما فعل رئيس الحكومة السابق السيد عبد الإله بنكيران، لطمأنة الفاسدين والمفسدين أنهم في منأى عن أية متابعة أو محاسبة. وهكذا تنجح سياسة التأهيل السياسي للفساد لإشراك وتوريط المعارضين لهذا الفساد في نفس الفساد، فيصبحون ممارسين له، محافظين عليه ومعيدين لإنتاجه، مشكّلين بذلك وقوده وقاطرته. ولهذا غدا التوريط في الفساد أهم وسيلة يلجأ إليها المخزن لتدجين المعارضين واحتواء الخارجين عن طاعته والرافضين لاستبداده.

الفساد يؤدّي إلى مزيد من الفقر والقمع والاستبداد:

ولأن نهب الثروات الطبيعية، التي هي ملك للشعب، لا يكفي وحده لتمويل هذا الفساد ـ الضروري للدولة المخزنية لكونه ركنا لوجودها واستمرارها كما سبق أن أوضحنا ـ الذي تحتاج إعادة إنتاجه إلى مزيد من الأموال لكثرة زبنائه والمستفيدين منه والمشاركين فيه، فإن الدولة المخزنية تلجأ إلى فرض مزيد من الضرائب واقتراض مزيد من الأموال حتى أن مديونيتها بلغت أرقاما فلكية مخيفة، مع ما ينتج عن ذلك من تراجع في القدرة الشرائية للمغاربة وتدهور في الخدمات الاجتماعية التي تضطلع بها الدولة. والشعب هو الذي يؤدّي، طبعا، هذه الديون مثل ما يؤدّي الضرائب التي ترهق كاهله. وكل هذه الإجراءات التقشفية في حق الشعب، هي من أجل رفاهية وثراء الطبقة المستفيدة من الفساد، سواء كانت من النخبة الحاكمة أو النخبة السياسية والحزبية الخادمة لها. وهذا ما يعطينا الجواب عن السؤال الذي طرحه الملك في إحدى خطاباته: أين الثروة؟ الجواب هو أن هذه الثروة يبتلعها الفساد.

فبالنظر إلى الحجم المُهول للأموال التي يلتهمها الفساد، نستنتج أن المغرب بلد غني جدا. لماذا؟ لأنه يتوفر على ميزانيتين اثنتين: ميزانية خاصة بنفقات الدولة، وميزانية خاصة بنفقات الفساد. وهو ما يعني أن لولا هذا الفساد المستشري بشكل وبائي كما قلت، لما احتاجت الدولة إلى إرهاق المواطن بالضرائب ولا إلى الاقتراض الخارجي، لأن الميزانية العامة للدولة كانت ستكون أكثر من كافية لتغطية كل نفقاتها العمومية. وهو ما كانت ستظهر آثاره في تحسّن مستوى معيشة السكان وجودة الخدمات المرْفقية والاجتماعية، كالصحة والتعليم.

من الواضح أنه أمام هذا الفساد الذي أصبح سياسة ممنهجة للدولة وركنا لوجودها، والذي يلتهم الملايير من المال العام كل سنة، لا يمكن تحقيق أي نهوض أو إنجاح أية تنمية. لماذا؟ لأن الأموال التي كانت ستُرصد لإنجاز مشاريع تنموية لفائدة كل الوطن وكل الشعب، حُوّلت لتمويل الفساد وتنمية ثروة طبقة الفاسدين والمفسدين.

ومن آثار هذا الفساد أن استشراءه يؤدّي إلى استشراء القمع والاستبداد الذي أنتج هو نفسه هذا الفساد. ويتجلّى هذا الاستشراء في أن الدولة المخزنية تلجأ إلى مزيد من القمع والمنع للمتظاهرين والمحتجين السلميين ضد الفساد، والمطالبين بمحاكمة المفسدين وتوزيع عادل للثروة يقوم على معيار الاستحقاق والعمل وليس على الريع والرشاوى السياسية، مع استعمالها للعنف القضائي للقضاء على مثل هذه الاحتجاجات والتظاهرات السلمية ضد الفساد، كما فعلت مع حراك الريف وحراك جرادة. وهكذا يُنتج الاستبدادُ الفسادَ، الذي يحتاج، كي يدوم ويسود، إلى مزيد من الاستبداد ليحمي هذا الفسادَ، وهو ما ينتج عنه في النهاية مزيد من الاستبداد.

النموذج التنموي البديل:

بعد الإقرار بفشل النموذج التنموي المغربي، يجري الإعداد حاليا (نحن في ديسمبر 2018) لنموذج تنموي مغربي جديد، يُنتظر منه أن يكون ناجحا ومنتجا للثروة والشعل. ما هي شروط نجاح هذا النموذج الثاني؟ الجواب يعطيه الجواب عن السؤال حول أسباب فشل النموذج التنموي السابق. لماذا فشل؟ لأنه كان ينبني على الفساد، ينطلق منه ويصبّ فيه. إذن الشرط الواقف لنجاح النموذج التنموي الجديد هو وضع حدّ للفساد. وهذا مأزق حقيقي بالنسبة للدولة المخزنية: فحتى ينجح نموذجها التنموي وتحقق تنمية حقيقية، عليها أن تقضي على الفساد الذي يعيق كل تنمية ونهوض. وإذا قضت على الفساد فمعناه أنها ستقضي على أحد أركان وجودها واستمراها، كما سبق أن قلنا وشرحنا. فهل ستغامر الدولة المخزنية بأحد أركان وجودها واستمرارها، مما قد يهدّد وجود واستمرار هذه الدولة المخزنية نفسها؟

أمام هذا المأزق، يبدو أن الحل الوحيد، الذي سيحافظ على الدولة ويسمح في نفس الوقت بنجاح النموذج التنموي، هو التضحية بالجانب المخزني لهذه الدولة، والذي هو مصدر الفساد وعلّته. وهذا يتطلّب إعادة بناء الدولة على أسس غير مخزنية، أي على أسس ديموقراطية حيث يسمو القانون على كل ما عداه من قواعد وأعراف وتعليمات تحمي الفساد وترعاه، مع ما يعني ذلك من تطبيق هذا القانون لتجريم ومنع كل أشكال الريع التي جعلت منها سياسة الفساد ممارسة مشروعة، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين مهما كانت مواقعهم ومسؤولياتهم.

وهذه الإعادة لبناء الدولة على أسس غير مخزنية تتضمّن كذلك إعادة بناء وتخليق العمل السياسي، وذلك بالقطع، النهائي والجدي والصارم، مع التعاطي للسياسة كوسيلة للاغتناء ومراكمة الثروة، كما يجري العمل بذلك حاليا. فإذا كان المخزن هو مصدر الفساد وعلّته، كما أشرت، فذلك لأنه نجح في جعل ممارسة السياسة مصدرا للاغتناء السريع إلى درجة أن تعاطي العمل السياسي أصبح قطاعا استثماريا يدرّ أرباحا طائلة على أصحابه. ويكفي الاستشهاد بمسؤولين حزبيين ومناضلين حقوقيين، يساريين ومعارضين، لم يكونوا أغنياء ولا ميسوري الحال، ثم دخلوا العمل السياسي كبرلمانيين أو كوزراء أو كمعيّنين في هيئات عليا أو مناصب سياسية سامية، ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى أصبحوا أثرياء يملكون عقارات ويسكنون في فيلات فخمة ويتوفرون على أرصدة بنكية ضخمة.

عندما يوضع حدّ لممارسة السياسية كطريق للإثراء، وعندما يغيب العنصر المخزني للدولة، وتتحوّل إلى دولة يحكمها القانون وتحتكم إلى القانون، فإن أي نموذج تنموي سيكون، مهما كانت عيوبه ونواقصه، أنجح وأفضل من نموذج تنموي يهيئه خيرة الخبراء والسياسيين والاقتصاديين، لكن يُطبّق في ظل هيمنة الفساد وتحكّمه في كل ممارسة سياسية واقتصادية. ولهذا فإن النموذج التنموي الجديد لا يحتاج نجاحه إلى إعداده من طرف لجان من الخبراء والمتخصّصين، وإلى مكاتب دراسات. وإنما يحتاج فقط إلى إنهاء سياسة الفساد التي تجعل فشل أي نموذج تنموي أمرا مؤكّدا وحتميا. أما مواصلة إعداد وتطبيق نموذج تنموي جديد دون زحزحة غول الفساد من مكانه، فمعنى ذلك مواصلة ممارسة نفس الفساد وإعادة إنتاجه، مع ما يترتّب عن ذلك من ممارسة وإعادة إنتاج نفس الفشل السابق لكل المشاريع التنموية. وهو ما ينتج عنه أن النموذج التنموي الجديد سيفشل مثل سابقه. فنفس الأسباب تعطي دائما نفس النتائج.