بقلم: وفاء الناجي

حدث أنِ ابتلعتْ صديقتي الحديث، ولم يعد يصلح من مزاجها السيّئ شيء. اشتقت إليها، وهي بكامل قُواها الجسدية؛ للتعبير عما يختلج داخلها من سخط إزاء العالم؛ حيث تضع أصبعها على مكامن الخلل بدقة، وتعيد ترتيب الأوراق والأيام والأحداث لإرجاع الأمور إلى نِصابها. خرّت قُواها إلى حدّ أنه ما عاد للكلام جدوى. صارت تكتفي بالتحديق. أكلت كمّاً هائلا من أيام فاسدة؛ فأصبحت محتاجة إلى غسيل معـوي. فقدَ الإدراك عندها توازنه، لكنها كانت مؤمنة حدَّ اليقين أن مسألة الشكوى لغير الله مَذلة. وإن تحدثت إليّ، أحس بها دولابا متدحرجا، تتعمد تضليلي داخل متاهاتها الشائكة! لا يَصِلني من جُملها المبعثرة، والمتناثرة هنا وهناك، سوى صدى بعيدِ المدى، وبدون فحوى. أجْزِم أن اللاّوعي عندها هو الذي يخاطبني هذه المرة. لم تفلح في التخلص من ماضٍ يلاحقها، ولا من حاضر يخنقها، ولا من مستقبل يشلّ تفكيرها.. الأزمنة كلُّها تطاردها بشراسةٍ أوْدَت براحتها، وسلامها الداخلي؛ فأضْحَتْ كالذي فقد شهيته للحياة بصفة عامة، يقبل عليها مُكْرَها بدعوى أنْ ليس ثمة بديل!
كلّ معضلات عصرنا الآني وجدت لها حلا، إلا أزمة الأصدقاء! نتوق إلى سماع خبر مَتاجرَ كبرى متخصِّصة في كراء/ رهن/ شراء/ بيع صديق بالجملة والتقسيط! كنت سأشتريهم جميعا لو كان الأمر كذلك!… بربِّكُمْ، أ لم يَزُرْكم الحنين يوما إلى ذاك الصديق/ الجسد والروح معا، الذي كان يطرق باب البيت، وتنزل عنده أنت بكل تذمر وتأفف، تدري أنه جاء ليُمسك بيدك، فيخرجك من الأسوار. تقضي معه ساعاتٍ طِوالا في الأخذ والرّد، في المواضيع الأهمّ، ثم المُهمّة، ثم الأقل أهمية، ثم في ثرثرة لا أكثر. التكنولوجيا، ولاسيما ما يُطلق عليه “وسائل التواصل الاجتماعي”، ورم خبيثٌ وفتاك أفْقَرَتْنا، وجرَدَتْنا من كل ما كنا نَمْلكه!

ﺷﻜﺮﺍً ﻋﻤﻴﻘﺎ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺃﺣَﺒُّونا، ونحن في منتهى الحدة والهشاشة، ونحن في غاية الشغف والضجر. نحن لا نتغير إطلاقا. نحن نشعر بالتعب منا.. منهم.. من كل ما يُحيط بنا. نتعب جدا؛ فنشعر، أو نعتقد، أننا تغيرنا!…

البعضُ منا لا يسأل عن أمور طالما حيّرته. ربما يعتقد أنه لا يملك الحق في السؤال حتى. ينظر إلى السؤال، وكأنه اعتراض على مشيئة الله، وهو ليس بالمعترِض؛ فيترك جانبا السؤال عن أشياء لطالما أخذت من تفكيره الحيز الأكبر، لكنْ، حتما، ستُسْمِع سؤالك الآني، يوما ما، على لسان أحدهم، فكن يَقِظا في التقاط الجواب؛ فحيرة غيرك غالبا ما تشبه حيرتك – صوت القطار مزعج، أ ليس كذلك؟ – كلا، ليس بحسب ظني؛ لأنني – ولا يوجد لدي من أخبره بهذا الأمر – منزعج! الفراغ مزعج أكثر.. الفراغ كارثة، وصوت الأفكار برأسي أكثر إزعاجا!…

تأتي على المرء أيام عسيرة خانقة حتى لَيكاد يجزم بدوامها، غير أن “دوام الحال من المحال”.. هي، فقط، دروس وابتلاءات حياتية تأخذ مجراها الطبيعي، وتمتحن تلميذها الساذَج، والضربة التي لا تقتلك تُقوّيك، والنفس التي لا تتألم، يا صديقي، لا تستحق أن تسمو في فضاء الإنسانية الرحيب، ومن صور هذا الألم البكاءُ؛ فمن لا يبكي لا يمكن أن يكون إنسانا!! إن الدموع، يا صديقي، هي مَطافئ الحزن الكبير، الذي يكاد يستوطننا للأبد لولا قدرةُ قادر، لكن صدّقني.. لو فقدت كل شيء، ولو كسّر الحرمان أضلاعك، ستجتاز هذه الحياة كما يجتازها أي واحد؛ فاختر الرضا يَهُن عليك العبور…

منحت وقدّمت. كانت عطاؤها كَسخاء السماء.. عندما تمطر ترحم الجميع، بل إنها أوقدت أصابع يدها شموعا من أجله؛ لتدرك أنه لم يكن سوى سراب، ثم اختفى سريعا. غابت الكلمات.. غابت الأم الحاضنة لجروحنا!! إنها بحاجة إليك، وأنت لم تلحظ ذلك، وهذا ما يَحِز في نفسها أكثر من أي شيء آخر. ثم إن الأصدقاء ما عادوا قتلة ضجر! أما بعد، هل أتَحْت لنفسك يوما فرصةً لتقيّم، بصورة موضوعية، ما مضى؟ هل سألت نفسك، وأنت في كامل قُواك العقلية والنفسية: أ كان شخصا جيدا ذلك الذي ألْحَحْت بسؤالك على الله كثيرا أن يأتيك به؟”… وغدت أكبر كوابيسنا الاستيقاظ كل صباح بصفر هدف. الصباحيات ذاعرة للغاية، وصِفر هدف يستوجب الإقصاء من الحياة على كل حال لولا قدرة قادر…

يحْدُث أن نشعر بتدَحْرُجنا، على الدوام، من الداخل، وكأنّ بنا دُولابا لا يتوقف، ثم نصبح مفلسين إفلاسا ذريعا من الكلمات؛ حيث تُؤخذ منا الكلمات أخْذا! نحتاج إلى حوارات شجاعة لكي نخْلُص إلى هكذا نتائج.. هي أيضاً كانت بصبر أيوب عند كل عثرة! لكن، بعد زفرة طويلة، تأوّهت: “في أحد الأيام، ستتنازل مجْبَراً عن بعض أحلامك لتعيش واقعك!”. على اﻹنسان ألاّ يتحدث، وألاّ يصمت! لا أعرف ما الذي أريد قوله بالتحديد، لكن – بشكل عام – على الإنسان أن يخبّئ نفسه من الإنسان الآخر الذي يسكن العالم العربي كله! والثقة لطالما كانت المشكل الذي أرّق العديدين! فناهيك عن تجارب تخص الأفراد في علاقاتهم ببعضهم بعضا.. علاقات متمايزة جدا؛ من صداقة، وحب، وعلاقات عائلية، وأخرى مع الجيران! إلا أنّ الكل يبكي، اليوم وغداً، ضياع هذه الثقة، وفقدانها داخل المجتمعات، وفي الأوساط جميعها! الكلّ – حسب قولهم – خذل! لكنْ من خذل الآخر؟! بات هذا السؤال يَطرح نفسه بشدة.. من خان الآخر؟ ومَن خذل الآخر؟! الكل يبرّئ نفسه مشيراً بالأصبع نحو الآخر.. الآخر الذي يمكن أن يشمل الكل سواي أنا! وفي نهاية الأمر، هذا ليس تعريفي أنا للآخر!.. هو تعريف يمكن أن يكون بإجماع الكلّ! المشكل، صديقتي، أعظم من مفردة “…”! إنه مشكل ذو مستويات عمودية؛ بدأ من الفرد لينطلق نحو العالم، أو العكس! لكن، في اعتقادي، أنّ الفرد هو مَنْ سَبّبَه بداءةً، قبل أن ينتقل إلى العالَم مِنْ حوله؛ باعتبار أن هذا الأخيرَ مجموعةُ أفراد! أنا أعتقد أن الخيانة هي متلازمة الثقة بامتياز!.. “خذلتني بمعنى أضعت ثقتي فيك بكل بساطة!!”. إنّ العالم جرّاء هذا الورم الخبيث، الذي تفشى في أوساطه، يعاني حالياً، بل أكثر من هذا هو ينزف! فلو لم يكن الخائن بيننا، ما كان لعلاقات الحب أن تضيع، ولا للصداقات أن تهدم، ولا للروابط العائلية أن تفسخ، ولا للأجواء الأخوية مع الجيران أن تندثر، ولا للبلدان العربية أن تخرّب، ولا للقدس أن يُسلب منا! القدس لَربّما أكبر شاهد على جريمة بَشِعة كان سببها انحلال عَقد الثقة لتكون النتيجة أقسى جدا على النفوس!