تقديم وترجمة: سامر أبو القاسم

على عكس ما يمكن أن يحسه البعض منا من عزلة وضيق وحرج، نتيجة حالة الطوارئ الصحية كإجراء لازم وملح لمواجهة وباء “كورونا”، تولدت لدي قناعة بأنه حين ننكفئ على ذواتنا، ونخصص للقراءة جزءا من وقتنا، ونمنح للتواصل مع محيطنا ومثقفينا وسياسيينا حيزا من اهتمامنا، ونتفحص بعضا من مسلماتنا واعتقاداتنا، ونبدي قليلا من الاستعداد لتغيير عاداتنا وتصرفاتنا وسلوكاتنا، ونعصر اليسير من الخلاصات والاستنتاجات عبر تفكيرنا واستخدام عقولنا، نتمكن فعلا من الوقوف على أجزاء من الحكمة والتعقل من خلال بعض الكتابات العابرة هنا أو هناك.

فمن خلال تصفحي لمحتويات إحدى المجموعات التواصلية، أثارتني مقالة حديثة العهد لجاك أتالي باللغة الفرنسية بموقع www.attali.com. وبعد قراءتي لها بتمعن، وجدتها مهمة، وتستحق الترجمة إلى اللغة العربية وإعادة نشرها. وهذا ما قمت به لتعميم الفائدة.

قراءة ممتعة.

ما الذي سيولد؟

اليوم ، ليس هناك ما هو أكثر إلحاحاً من السيطرة على أمواج تسونامي الصحية والاقتصادية التي تقع في العالم. علما بأنه ليس هناك ما يضمن حدوث ذلك. وإذا ما فشلنا فيه، بالتأكيد تنتظرنا سنوات مظلمة للغاية. فالأسوأ غير مؤكد، ولاستبعاده يتوجب النظر بعيدا، إلى الوراء وإلى الأمام، لفهم ما يتم من لعب هنا:

أدى كل وباء كبير على مدى الألف سنة الماضية إلى تغييرات أساسية في النظام السياسي للأمم، وفي الثقافة التي تكمن وراء ذلك النظام.

فعلى سبيل المثال – ودون الرغبة في اختزال تعقيدات التاريخ- يمكننا القول إن الطاعون الكبير في القرن الرابع عشر – الذي نعرف أنه خفض بنسبة الثلث سكان أوروبا – شارك في طرح التساؤل الراديكالي، في القارة العجوز، عن الوضعية السياسية للمتدينين، فتم إرساء الشرطة باعتبارها الشكل الفعال الوحيد لحماية حياة الناس، وميلاد الدولة الحديثة كتفكير علمي. وقد تولد كل ذلك كعواقب وموجات صدمة لهذه المأساة الصحية الهائلة.

وتشير كلتا النتيجتين في الواقع إلى نفس المصدر: مساءلة السلطة الدينية والسياسية للكنيسة التي عجزت على إنقاذ الأرواح وإعطاء معنى للموت. وهو ما جعل الشرطي يحل محل الكاهن. وينطبق الشيء نفسه في نهاية القرن الثامن عشر، عندما حل الطبيب محل الشرطي باعتباره أفضل حصن ضد الموت.

لذلك انتقلنا خلال بضعة قرون من سلطة قائمة على الإيمان، إلى سلطة قائمة على احترام القوة، ومن ثم إلى سلطة أكثر فعالية، على أساس احترام سيادة القانون.

يمكننا أن نأخذ أمثلة أخرى، وسنرى أنه في كل مرة تدمر فيها جائحة قارة، فإنها تعمل على إفقاد مصداقية نظام المعتقدات والتحكم، الذي فشل في منع وفاة عدد لا يحصى من الناس؛ وينتقم الناجون من أسيادهم، مما يعمل على تشويش العلاقة مع السلطة.

حتى اليوم، إذا أثبتت السلطات القائمة في الغرب عجزها على السيطرة على المأساة التي بدأت، فإن نظام السلطة بأكمله، وجميع الأسس الإيديولوجية للسلطة سوف تكون موضع شك، ليتم استبدالها بعد فترة مظلمة، بنموذج جديد قائم على سلطة أخرى وثقة في نظام قيم آخر.

وبعبارة أخرى، يمكن أن ينهار نظام السلطة القائم على حماية الحقوق الفردية. ومعه، ستنهار الآليتان اللتان وضعهما: السوق والديمقراطية، لإدارة تقاسم الموارد النادرة، مع احترام حقوق الأفراد.

فإذا فشلت الأنظمة الغربية، لن نرى سوى أنظمة المراقبة الاستبدادية بشكل فعال للغاية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومعها أنظمة تخصيص الموارد الاستبدادية. (وستبدأ في الأماكن الأقل استعدادا والأكثر غرابة: في مانهاتن، لم يُسمح لأحد أمس بشراء أكثر من عبوتين من الأرز).

لحسن الحظ، هناك درس آخر من هذه الأزمات، هو أن الرغبة في الحياة هي الأقوى دائمًا. وذلك، في النهاية، يجعل البشر يسقطون كل ما يمنعهم من الاستمتاع باللحظات النادرة لمرورهم على الأرض.

وعندما يزول الوباء، سنرى ولادة (بعد لحظة من التساؤل العميق للسلطة، مرحلة من الانحدار الاستبدادي في محاولة للحفاظ على سلاسل السلطة في مكانها، ومرحلة الإغاثة الجبانة)، شرعية جديدة للسلطة؛ لن تقوم على الإيمان، ولا على القوة، ولا على العقل (ولا حتى على المال بدون شك ولا على الصورة الرمزية للعقل).

ستنتمي السلطة السياسية إلى أولئك الذين يمكنهم إظهار التعاطف الأكبر مع الآخرين. وستكون القطاعات الاقتصادية السائدة هي التعاطف: الصحة، الضيافة، الغذاء، التعليم، البيئة. من خلال الاعتماد، بالطبع، على الشبكات الكبيرة لإنتاج وتداول الطاقة والمعلومات اللازمة في أي حال.

سنتوقف عن شراء أشياء غير ضرورية بشكل محموم، وسنعود إلى الأساسيات، وهي الاستفادة القصوى من وقتنا على هذا الكوكب. الوقت الذي تعلمنا أن ندرك أنه نادر وثمين. دورنا هو جعل هذا الانتقال سلسًا قدر الإمكان، وليس حقلًا من الأنقاض. وكلما أسرعنا في تنفيذ هذه الاستراتيجية، كلما خرجنا من هذا الوباء والأزمة الاقتصادية الرهيبة التي ستلي ذلك.