أحمد شقوبي: الجوع منطق لا يدحض في فهم صيرورة الناس و التاريخ و الحياة . ولعل أكبر دليل هو هذا الشهر الكريم فمن غاياته الإلهية أن يحس الغني بحاجة الفقير وأن يعيش و يجرب الجوع طيلة المدة الزمنية الفاصلة ما بين آذان الفجر وآذان المغرب ، ويعرف أن استمرار الجوع يهدد الحياة ومن ثم قد يتعاطف من يسر عليه الأمر على من عسر عليه .. الكثير من ثورات العالم كانت شعلتها الجوع، وكان حطبها أغنيـــاء وفقراء على السواء. إذا لماذا الحديث عن الجوع ؟
كتب غسان كنفاني رواية ” ما تبقى لكم ” عن شعب ضاع منه كل شيء إلا الأمل والصمــــــود والمقاومة … وهنا نريد الحديث عما تبقى بطعم مرارة آخر هو طعم الجوع، وبصوت آخر لا يشبه صوت الرصاص الملعلع بل صوت الأمعاء تصطك جدرانها من هول الفراغ . ما تبقى هو مصير مستحقات مؤطرات محو الأمية وقد مضى عليها سنتان طويلتان : إنه صيام طويل ..هيه أنتم ما رأيكم ؟ .. بل هو تجويع قسري . وهو أمر لا يستطيع لا العقل ولا المنطق ولا كل ما يبرر وجودنا أن يفهمه ..قد يستهين البعض بذلك خصوصا من كانوا مسؤولين عن هذا العبث أو الحجز أو هذا الاختلاس . …
و بالعودة إلى الجوع، فنحن في الشهر الكريم ثم تليه العطلة الصيفية حيث العطالة من جهة وضجيج (المصروف) الحياة من الجهة الأخرى: عيد الفطر والأضحى يليه الدخول المدرسي… لذلك فهذه المستحقات وهذا الأجر الزهيد هو قبس النور الذي تجرأ إنكيدو  وسرقه من آلهة الشمس ليضيء البشرية، تلك النسبة يمكنها أن تسد الرمق، يمكنها أن تكون يدا تربت على كتف من يتقن إليها وتقول لهن : ها بقية أجركن على العمل الذي قمتن به طيلة موسم كامل ومواسم سابقة 20 بالمائة لموسم 2014/2015 و 201/2016 وأيضا 30 و 20 بالمائة لموسم 2016/2017 و أخيرا 100 بالمائة للموسم الحالي 2017/2018 . عندما أفكر في ذلك بجوارح من ينتظرن الإفراج عنها والفرج بها، تكاد الدموع تنفرط من عيني، لأني أدرك الفرق الذي ستشكله وكل ما أستطعنه بذلك القدر المالي، حقهن وما تبقى لهن وما يمكن أن يدرأ عنهن الجوع .
تلتقي المؤطرات أحيانا و قد ضاقت بهن السبل، يطرقن الأبواب ويقفن على العتبات ويتحادثن فيما يخص مستحقاتهن، يضعن آذانهن على باب الأمل الموصد، وعند كل بارقة أو خبر أو همسة يبرق الفرح وترفرف عصافير القلب وينسين كل الانتظار وتبدأ الأمنيات : سوف.. سوف أزيح حصة من فواتير الكهرباء المتكدسة، و سوف أشتري كيسا من دقيق القمح الطري والصلب، سوف … ويمر الوقت والموعد ويتشبعن إحباطا ويأسا حد التخمة، ثم موعد آخر وأمل جديد ثم إحباط ويأس وجنون وهكذا دواليك.
ليس الأمر بسيطا ولا هينا لكل مسؤول عن هذا الوضع الإنساني، إنه أمر يخص الكرامة والحياة، وما يحدث الآن هو تمريغ لهذه الكرامة، وقتل للحياة .. لقد وصلت اللامبالاة إلى حد الحرج.. نناشد مرة أخرى كل مسؤول أن يبادر بالتدخل للإفراج عن هذا الحق وللذين يحتجزونه نقول لهم : لا تجعلونا بين قوسين ( الوكالة والمديرية الإقليمية لوزارة التربية والتكوين بجرسيف) فلا شأن لنا بهذا، أعطونا رغيف خبزنا، أعطونا رغيف خبزنا، ثمن عرقنا وصوتنا المبحوح، اعطونا ما تبقى عندكم، لأن هذا ما تبقي لنا .