يعتبر التجمهر أو الوقفة الاحتجاجية سلطة ضد التسلط وأبرز أشكال التعبير عن الرأي، وهو فعل اجتماعي هدفه التشكي، من خلال تجمع غير منظم لمجموعة من الأشخاص في الطريق أو الساحات العمومية، من أجل التعبير عن آرائهم ومواقفهم من قضايا معينة، أو في سياق تظلم علني من وقائع أو أوضاع معينة، أو كرد فعل عن القيام بفعل أو الامتناع عن القيام به، وتبليغه إلى الجهات المسؤولة عنه مما يجعله أسلوبا للحوار والتواصل معها ويتضمن عدة أطراف من بينها المحتج والمحتج ضده والمحتج من أجله والغير.
وقد أثار انتباهي منذ بداية حالة الطوارئ الصحية، تنظيم بعض التجمهرات والوقفات الاحتجاجية، بشكل عفوي، ومخالف تماما لمسيرة الفتنة، من طرف مجموعات من الأشخاص، ارتباطا بالفيضانات التي عرفتها مجموعة من المناطق في الآونة الأخيرة، وكذا المساعدات الخيرية وطرق توزيعها، مما يجسد صراعا اجتماعيا يهدفون من خلاله تدخل السلطات الولائية والإقليمية، باعتبارها صاحبة الاختصاصات الواسعة في ظل حالة الطوارئ الصحية، وإن كانت مطالبهم مشروعة، إلا أنه في الظرفية الراهنة، تعتبر مجازفة ومخاطرة لا تحمد عقباها.


وفي هذا السياق، ومما لا شك فيه أن احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، واحترام دور الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية وكل المنظمات غير الحكومية، هي عناصر أساسية من أجل البناء الديمقراطي، والسير ببلادنا نحو تحقيق تنمية مستدامة ومندمجة.


هذه البلاد، التي عملت منذ بزوغ فجر الاستقلال، على التراجع عن ظهير 29 يونيو 1935 المتعلق بزجر المخالفة للنظام العام والمس بالاحترام الواجب للسلطة، وهو الظهير الذي كان يطبق بشكل موسع قصد ترويض المناهضين للسياسة المتبعة آنذاك، وكان يسمى بقانون كل ما من شأنه، فأصدرت العديد من القوانين المرتبطة بالحريات العامة، ومن بنيها الظهير الشريف رقم 1.58.377 بشأن التجمعات العمومية بتاريخ 15 نونبر 1958، كما وقع تغييره وتتميمه بواسطة الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.284 بتاريخ 10 أبريل 1973، والقانون رقم 76.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.200 بتاريخ 10 اكتوبر 2002، والذي حدد شروط عقد التجمعات العمومية، في حين لم يمنع التجمهر غير المسلح إذا كان لا يخل بالأمن العمومي، إلا أنه يمكن تفريقه عبر توجيه الأمر للمتجمهرين بفض التجمهر والانصراف، وإلا تم اللجوء إلى التفريق بالقوة بعد الإنذار الثالث.


والتعديد الأخير الذي طرأ على هذا الظهير بتاريخ 10 اكتوبر 2002، شكل قفزة نوعية، وقد صدر في عهد حكومة التناوب، ومن أهم الإصلاحات التي تضمنها تخفيض العقوبة المنصوص عليها في الفصل 12 من (مدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات) إلى (مدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر)، والفصل 13 من (مدة تتراوح بين سنة واحدة وثلاث سنوات) إلى (مدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر)، وعدة تغييرات ذات طابع حقوقي.


ومعلوم كذلك، أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الموقع عليه من طرف المغرب بتاريخ 19 يناير 1977، والمصادق عليه بموجب ظهير 1.78.4 بتاريخ 21 ماي 1979، نشر بالجريدة الرسمية عدد 3525 بتاريخ 21 ماي 1980، قد نص في المادة 21 منه على أنه يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. كما أن الفقرة الثانية من الفصل 28 من الدستور تنص على أنه للجميع الحق في التعبير … بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة، والفقرة الأولى من الفصل 29 منه تنص على أن حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي… مضمونة، ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات.


وعليه، وفي إطار الشرعية القانونية، وضرورة سيادة أحكام القانون باعتبارها أهم ضمانة لصون الحقوق والحريات، فالحق في التجمهر الممنوح للمواطنات والمواطنين بموجب المواثيق الدولية والدستور وباقي القوانين الوطنية، لا يمكن تقييده إلا بقانون، وفي هذا السياق أصبح التجمهر والوقفات الاحتجاجية في ظل حالة الطوارئ الصحية، ممنوعا، بمقتضى ما نص عليه في البند (ج) من المادة الثانية من المرسوم رقم 2.20.293 يتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا ـ كوفيد 19، والمتعلق بمنع أي تجمع أو تجمهر أو اجتماع لمجموعة من الأشخاص مهما كانت الأسباب الداعية إلى ذلك، ويستثنى من هذا المنع الاجتماعات التي تنعقد لأغراض مهنية، مع مراعاة التدابير الوقائية المقررة من قبل السلطات الصحية. وعدم التقيد بهذا القرار يجعل الأشخاص المتجمهرين محط متابعة قضائية من أجل عدم بالتقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية بشأن حالة الطوارئ الصحية طبقا للمادة 4 من مرسوم بقانون رقم 2.20.292 بتاريخ 23 مارس 2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.


وبهذا المقتضى القانوني، فإن التجمهر والوقفات الاحتجاجية أفعال غير قانونية، ومعاقب عليها، ولا ينبغي القيام بها مهما كانت الأسباب، بالرغم من كوننا من المطالبين بتوسيع دائرة الحريات العامة من خلال حماية حق المواطنات والمواطنين في تنظيم المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، لأن مفهوم الحرية هو مفهوم غير مطلق بل هو نسبي، بحيث تقف حرية الفرد عند حدود عدم المس بحرية غيره، لذلك فهي مؤطرة بالقانون داخل كل المجتمعات الديمقراطية، بهدف تحقيق نوع من التعايش المشترك لأفرادها، وهذا لا يعني استصدار حرية الفرد وحرمانه منها، بل حماية حريته في التصرف بشكل يضمن حقه في الحياة وسلامة شخصه وأقربائه، دون المساس أو الإضرار بالآخر، وهو مبدأ عالمي، أكدته الفقرة الثانية من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي، وبالتالي فالحق في التجمهر والاحتجاج يتعارض مع حق المواطنات والمواطنين في الحياة وفي سلامتهم وصحتهم.


ومما يزكي هذا أيضا، قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح مقيدة، والمفاسد هنا هو إمكانية تفشي جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، وبالتالي، ومن خلال التهور واللجوء إلى التجمهر والوقفات الاحتجاجية من أجل إعلان مطالب معينة وتبليغها إلى الجهات المعنية، يمكن تهديد أمن وسلامة المواطنات والمواطنين عامة، والأسرة بصفة خاصة، سيما أننا اليوم أمام تحدي جديد، ألا وهو التفشي في بؤر وبائية عائلية، والذي طالبت بموجبه وزارة الصحة على العمل بتطبيق العزل الصحي حتى داخل البيوت لتفادي انتشاره داخل الوسط العائلي، وبالأحرى حينما يتعلق الأمر بتجمع جماهيري.


ومما يبرره أيضا، هو منع الضرر الذي يهدد البلاد، وبالتالي علينا أن نتفهم هذه الظروف، ونساهم في الدفاع عن الوطن تجاه هذه الجائحة، وإذا كان ضروريا من تبليغ مطالب ما، فوسائل التواصل الاجتماعي متوفرة للجميع، وتمكن من التداول عن بعد، وبالتالي إعلانها من خلال بيانات أو نداءات أو غير ذلك.


ختاما، إن المنع الحالي لا يتناقض مع المسار الديمقراطي الذي اختارته بلادنا منذ زمن بعيد، والذي تم تكريسه في دستور 2011، والذي ينبغي أن يتعزز عبر تعديل وتطوير مجال الحريات العامة للأفراد والجماعات التي يمارسونها ويتمتعون بها، وجعلها تتلاءم مع الدستور والمعايير المتعارف عليها عالميا، سواء على مستوى تأسيس الجمعيات أو على صعيد التجمعات والتظاهر العمومي.
فلنبق في منازلنا، ولنحترم حياة وسلامة الآخرين.

بقلم البرلماني سعيد بعزيز