الطالب الباحث: يوسف سالك ، المدرسة العليا للأساتذة – مكناس
تخصص ماستر المناهج اللغوية والأدبية

تبلورت نظرية الخطاب السردي ضمن نسق عام وشامل، منذ نشوء ما يصطلح عليه “بعلم الأدب”، فهي امتداد لبويطيقا الشكلانيين وتطوير لها؛ حيث تغذت بأبحاث (Todorov) واللسانيين اللاحقين، كما أن نظرية (Genette) السردانية ليست نظرية عامة للخطاب ولهذا فإن “فهم خصوصية مقولاتها النظرية وحدودها المنهجية لا يمكن أن تتم بمعزل عن فهم علاقاتها بهذه الحقول المعرفية ضمن النسق الشعري العام”.

وقد ارتبطت جل أعمال الشكلانية الروسية بمبدأ الاستقلالية، أي استقلالية الأدب والأدبية كعلم للأدب، ذلك أن موضوع هذا العلم الذي دعا هؤلاء إلى تأسيسه “ليس الأدب بوجه عام، وإنما الأدبية، أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا”، وبهذا أرسى الشكلانيون فهما جديدا للشعرية وطوره اللسانيون اللاحقون مثل: (تودوروف) و(Cohen). وأصبحت السردانية تأخذ موقعها وأهميتها الخاصة بين سائر العلوم المجاورة، فهي فرع من فروع علم النص العام، مثل اللسانيات والسيميائيات، وغيرها، واعتبرتها (Meik Bal) العلم الذي يقبل صياغة النصوص السردية في بنيتها السردية، 

كما ذهبت (بال) إلى أن النص السردي يمكن أن يلاحظ من ثلاث زوايا: تعلقت الأولى بازدواجية السارد في النص تمثل ذلك في تنقله من شخصية لأخرى و من دور لآخر، وارتبطت الثانية بمبدأ التمييز بين الطبقات الثلاثة في النص السردي القابلة للوصف “النص والقصة وFabula”، أما الثالثة فاتصلت بالمحتويات التي ينقلها النص السردي إلى قرائه في سلسلة من الأحداث المرتبطة فيما بينها من طرف الجهات الفاعلة في النص. 

وفي نهاية الستينيات من القرن الماضي بدأ يتشكل اتجاهان سرديان بارزان، عُرِفَ الأول بسيميولوجيا السرد، وسمي الثاني ببويطيقا السرد، حيث يتخذان من الحكي موضوعا لهما، رغم اختلافهما في كيفية مقاربته وتحليله، سنعرفهما كالآتي:

الاتجاه الأول: هو اتجاه السيميائيات السردية، و”يعرف أيضا بالسردانية العامة أو الموسعة لأنه يعتبر المحكي في معناه العام والواسع، حيث لا يشكل النص السردي أو الروائي تحديدا سوى أحد تحققاته الممكنة”، وكانت الانطلاقة الفعلية لهذا المسار على يد (Propp) في كتابه الشهير “مورفولوجيا القصة”، ليتطور بعد ذلك مع (Greimas) و(Bemond) وغيرهم. ويشتغل هذا الاتجاه بسردية القصة من خلال دارسة مضامينها الخاصة، حيث ذهب غريماص إلى أن بناء نظرية حول السرد لتبرير التحليل السردي ومنحه الشرعية لكونه مجالا للأبحاث المكتفية ذاتيا من وجهة نظر منهجية، يتمثل في إقامة البنى السردية باعتبارها بناءً مستقلا ضمن التنظيم العام للسيمائيات فهي علم للدلالة، فتوليد هذه الأخيرة مرتبط في مساره بالبنى السردية التي تنتج الخطاب ذا الدلالة والمنظم في بلاغات.

الاتجاه الثاني: يدرس الخطاب في مفهومه الضيق، ويسمى أيضا “بسردانية حصرية لأنه لا يهتم بالمحكي بمعناه الواسع ولا يتخذ من القصة موضوعا له، بل يسعى إلى دراسة المحكي بمفهومه الضيق”، ويمثل هذا الاتجاه كل من (جنيت) و(طودوروف). 

شكل مقال هذا الأخير في العدد الثامن من مجلة Communications سنة 1966 الانطلاقة الفعلية لعلم السرد، تحت عنوان “مقولات السرد الأدبي” Les Categories du Recit Littérairé، يتحدث فيه عن السرد بوصفه قصةً وبوصفه خطابًا، حيث مَيَّزَ في الأول بين مستويين للقصة، مستوى منطق الأفعال الروائية ومستوى الشخصيات وعلاقاتها، وفَصَّلَ في الثاني بين طرائق ثلاث واعتبرها مقولات للخطاب السردي وهي:

مقولة الزمن: تعبر عنها العلاقة بين زمن القصة وزمن الخطاب.

مقولة المظهر: وهي الكيفية التي تدرك بها القصة من طرف السارد.

مقولة الصيغة: المرتبطة بأنماط السرد المتوقفة على نوع الخطاب المستعمل من طرف السارد من أجل إبلاغنا القصة. 

ويجدر هنا، التأكيد على تطابق هذا التحديد مع التحليل اللساني “فإن كان اللساني في تحليله الفعل بحسب زمنه(Temps) وجهته(Aspect) وصيغته (Mode) فإن مكونات الخطاب الحكائي بحسب هذا التصور هي مكونات الجملة الفعلية”، ولقد اعتمد جنيت على التقسيم الذي قدمه تودوروف، مستفيدا في الوقت ذاته من لسانيات(Benveniste) ومن تمييزه الهام بين إطار القصة وإطار الخطاب. 

وقدم جنيت في كتابه «خطاب الحكاية» مشروعه النظري في مقولات ثلاثة تتضمن بنية مصطلحية منسجمة ومتماسكة، وهي: “مقولة الزمن ومقولة الصيغة ومقولة الصوت”، وفيما يلي تعريف بهذه المقولات:

مقولة الزمن: وتتعلق بدراسة مختلف التنويعات الزمنية التي تنسج في شكل علاقات بين محوري زمن القصة أو زمن المسرود وزمن المحكي، أو بين زمن الدال وزمن المدلول، وحدد جنيت ثلاثة أنواع من العلاقات وهي على التوالي: علاقات الترتيب وعلاقات المدة وعلاقات التردد.

مقولة الصيغة: ويميز فيها جنيت بين مفهومي المسافة والمنظور، وتضم المسافة: محكي الأقوال، ومحكي الأحداث، حيث يحدد أنواع الخطابات بناءً على ثنائية المحاكاة والحكاية. ويكشف هذا الخلط السائد بين الصوت والرؤية، أي بين “من يرى؟” و”ومن يتكلم؟” الذي سقط فيه العديد من المنظرين الغربيين.

مقولة الصوت: وفيها يتم التركيز بالدرجة الأولى على السرد ذاته بوصفه نشاطا منتجا للخطاب السردي، أي مقتضى السرد وأوضاعه المختلفة التي يحتلها الخطاب.

عموما شكل هذين التيارين السياق العام الذي قامت عليه نظرية الخطاب السردي، حيث كان هدف الاتجاه الأول تأسيس سردانية عامة تشتغل على سردية القصة من خلال دراسة مضامينها الخاصة، أما الاتجاه الثاني فراهن عبر مقولات السرد الأدبي على تأسيس سردانية حصرية لا تهتم بالمحكي في معناه الواسع، ولا تتخذ من القصة موضوعا لها، وإنما هي سردانية تدرس الخطاب في مفهومه الضيق.

لائحة المصادر والمراجع:

باللغة العربية:

إبراهيم عمري، خطاب الرواية المغاربية، منشورات شعبة الآداب واللغات والتواصل، أنف وبرانت فاس، الطبعة 2014.

تزفيطان طودوروف، مقولات السرد الـأدبي، ترجمة: الحسين سيحان وفؤاد صفا، طرائق تحليل السرد الأدبي.

الجيرداس جوليان غريماص، في المعنى “دراسات سيميائية”، تعريب أ.د. نجيب غزاوي، مطبعة الحداد اللاذقية، رقم الإيداع :469000.

سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي (الزمن-السرد-التبئير)، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة 1997.

باللغة الفرنسية:
                                              Genette, Figures 3, Edition du Seuil 1972Meik Bal, Narratology, Introduction to the theory of Narrative ,    Second Edition, Ubiversity ok Toronto Press Incorporated, 1997

T.Todorov, 1966, Les Categories du recit littérairé, Communications N: 8, Seul , Paris.