بعد أن تجاوزت الهجمات بالسكاكين والاعتداءات العنيفة بين اللاجئين والسكان المحليين في مدينة كوتبوس في شرق ألمانيا حدودها، بدأت المشاعر المعادية للأجانب تطفو على السطح متجهة نحو مرحلة الغليان، فما الذي يحدث هناك؟

اليوم هو يوم السوق الشعبي في كوتبوس، التي تقع على بعد 120 كم جنوب شرق برلين، حيث تصطف بسطات الخضار والفواكه، ومحلات بيع الساندويتشات، فيما تعرض إلى جانبها في كشك الصحف، صحيفة محلية تحمل عنوان “ماذا بعد المزيد من الاشتباكات في كوتبوس”.

فمنذ بداية العام الجديد أصبحت أعمال العنف المتبادلة بين اللاجئين والسكان المحليين أمراً مألوفاً في المدينة الواقعة جنوب ولاية براندنبورغ في اقصى شرق ألمانيا.

“لا أشعر بالأمان هنا”

في الأسبوع الماضي، أصيب مراهق ألماني بجروحٍ في الوجه بعد تعرضه لهجوم من قبل مراهق سوري إثر شجارٍ، وفي حادثٍ آخر وقع يوم السبت الماضي، تم احتجاز فتاة عمرها 18 عاماً بعد ان تشاجرت مع لاجئ سوري في حفل وبدأت تصيح “فليخرج الأجانب”، وذلك قبل أن تاتي الشرطة فقامت الفتاة بالاعتداء على ضابط منهم.

وبعد ساعات قليلة، تم استدعاء الشرطة مرة أخرى بعد أن هاجم خمسة رجال ألمان رجلين يدل مظهرهما على أنهما “أجنبيان”.

أسوأ أعمال العنف وقعت في المول التجاري بليشن كار، أكبر مركز تسوق في المدينة، تقول ستيفاني البالغة من العمر 32 عاما، “الأمور أزدادت سوءاً منذ وصول اللاجئين، لقد رأى ابني الاشتباكات قبل أن يصاب هذا الصبي، وأنا بالتأكيد لا أشعر بالأمان هنا بعد الآن – وخاصة في الليل”.

في مكان قريب كان صالح، اللاجئ السورري البالغ من العمر 30 عاماً، يشرب القهوة، صالح فر من سوريا إلى ألمانيا قبل عامين، يقول “لم أتعرض لحادث بشكلٍ شخصي، لكن المزاج العام المرحب باللائجين قد أصبح اسوء بالتأكيد”، ويتابع بلغة ألمانية شبه مثالية، حيث يستعد صالح للالتحاق بالجامعة ليحصل على تدريب كعامل رعاية للأطفال، “لا يوجد تواصل كافٍ بين السكان المحليين واللاجئين، الكثير من السكان المحليين لا يريدون أن يعرفوا”.

عانت المدينة منذ فترة طويلة من حصتها الكافية من المشاكل، لا سيما مع الجناح اليميني، ففي أوائل تسعينات القرن العشرين، حاصر نازيون جدد ملجأ لطالبي اللجوء لمدة ثلاث ليال قبل أن تتمكن الشرطة من السيطرة على الوضع. وفي نهاية الأسبوع الماضى، حشدت المنظمة المناهضة للهجرة “تسوكونفت هيمات” (الوطن المستقبلي) حوالي 1500 شخص، في مظاهرة في شوارع كوتبوس، وكانت المنظمة قد تأسست في الأصل في سبريفالد القريبة احتجاجا على مأوى للاجئين.

“لا مزيد من اللاجئين الجدد”

رداً على الجريمة الأخيرة في كوتبوس ودرءاً للمشاكل اعلن عمدة كوتبوس هولغر كيلش إضافةً إلى وزير داخلية ولاية براندنبورغ كارل هاينز شروتر أن المدينة لن تستقبل بعد اليوم المزيد من اللاجئين ولن تستقبل طلبات جديدة في مركز استقبال طالبي اللجوء في ايسنهوتن شتات القريبة.

المتحدث باسم حكومة المدينة جينز غلوسمان يقول “يمكن أن نقول إن هناك تغيراً كبيراً جداً، وسريعاً جداً”، وأضاف “أعترف بأنه كان بالإمكان القيام بالمزيد من الإجراءات لتحضير السكان المحليين أكثر على استقبال اللاجئين، لكن المدينة ليس لديها خبرة كبيرة بهذا المجال مثل مدن غرب ألمانيا الكبيرة، وهذا ربما ساعد على وجود ترحيب بارد بمن أصفهم بـ “أصحاب الوجوه غير المألوفة”.

وكان عدد اللاجئين في المدينة التي تحوي حوالي 100 ألف نسمة، قد تضاعف من 4.5 بالمئة إلى 8.5 بالمئة خلال العامين الماضيين.

مخاوف من المنافسة على الوظائف

الاوضاع الاقتصادية السيئة نسبياً في كوتبوس أدت إلى تفاقم التوترات، فوفقاً لوكالة العمل الاتحادية، بلغت البطالة في كوتبوس في كانون الأول / ديسمبر 2017 نسبة 6.9 في المئة، أي بانخفاض قدره 1 في المائة عن العام السابق، ولكنها تجاوزت المتوسط الوطني البالغ 5.6 في المئة تقريبا.

يقول غلوسمان “نحن بحاجة إلى القدرة على حمل السكان المحليين واللاجئين على العمل، حتى يكون لديهم ما يفعلونه، حتى لا يدخلوا في مواجهات”، مضيفاً أن عدم وجود فرص عمل يفتح الباب أمام التعليقات من قبل السكان المحليين للاجئين بأنكم “تسرقون وظائفنا” لكن هذا ليس حقيقي”.

كما يمكن أن يشكل الإغلاق الوشيك لمحطة توليد الطاقة بالفحم البني في المدينة انتكاسة أخرى لسوق العمل في كوتبوس، حيث من المرجح أن تتأثر 8000 فرصة عمل مباشرة، كما أن الوظائف في مجال الرعاية والتدريس تعتبر هشة، لذلك فمن دون القدرة والمصادر لن تتمكن المدينة من دمج اللاجئين.

الحل، يقول غلوسمان، هو المال. ويضيف “نحتاج إلى مزيد من الأموال للتعامل مع ذلك على المستوى المحلي أو نحتاج للمزيد من الاجراءات على المستوى الوطني، فالناس بحاجة لأن يعرفوا ان مدينتهم موجودة لمساعدتهم”.

لكن كريستا البالغة من العمر 52 عاماً تعتقد ان “برلين لم تعد تكترث، لقد تركنا لقدرنا هنا، وربما لهذا صوت الكثيرون لصالح الحزب البديل من أجل ألمانيا”.

وقد حصل حزب البديل اليميني الشعبوي الذي دخل البرلمان الألمانى لأول مرة فى أيلول/ سبتمبر الماضي، على 24 بالمئة من الأصوات في كوتبوس خلال الانتخابات الأخيرة بعد قيادة حملة مناهضة للهجرة.

“أعيدوا اللاجئين من حيث أتوا”

وفي محاولة للحد من العنف، زادت سلطات المدينة كاميرات المراقبة، اضافة إلى نشر الشرطة بالزي الرسمي وغير الرسمي، لكن كريستا غير مقتنعة بان هذه الإجراءات من شأنها ان تحد من العنف، إذ أن الحل بحسب ما تقول “هو إعادة كل اللاجئين من حيث أتوا، أن يتم إعادة السيئين منهم”.

في حين لا تجيب كريستا عن سؤال “وماذا عن الألمان السيئين؟”.

عمر البالغ من العمر 29 عاماً، يقول “إنه يتفهم مخاوف بعض السكان المحليين، لكنه يتعرض لتصرفات كراهية من قبل الألمان كثيراً”.

ويضيف عمر “ليس كل من يصل إلى هنا هو شخص جيد، ولكن هذا ينطبق أيضاً على السكان المحليين، ليسوا كلهم اشخاصاً جيدين”.

يعمل عمر الآن بدوام كامل في محل لبيع الكباب، ويتابع “أحيانا يأتي بعض السكان المحليين إلى هنا، ويصيحون،”فليخرج الأجانب! ” كما تصلني أحياناً رسائل كراهية، فهناك شخص كتب على المغلف “عد إلى ديارك!”، البعض منا يحاول الاندماج، لكن العمل لتحقيق الاندماج يجب أن يأتي من الجانبين”.