المخزن والناس

ليس المقصود بالموضوع الخوض في مصطلح المخزن وتعريفه وذكر تاريخه، لكن أقصد بالمخزن مفهومه عند عامة الناس، وأحاول الحديث عن علاقة المخزن بالمواطن والاسباب التي تؤثر ايجابا او سلبا في العلاقة بين المخزن والناس، أو على الاصح بين الدولة والمواطن.

لاشك أن للمخزن الدور المركزي في تنظيم المجتمع، ولا يمكن بأي حال الاستغناء عنه، وحاجة الناس إلى المخزن تتساوى مع حاجة المخزن للناس، العلاقة بين الطرفين ليست هينة، بل معقدة بشكل كبير، قد يقول قائل ان العلاقة بين المخزن والناس ينظمها القانون، ويتحكم فيها، ويضع لها الضوابط التي تضمن التوازن بين هذا الطرف أو ذلك، لكن هذا الكلام ينطبق على العلاقة بين الدولة والمواطن، أما المخزن بمفهومه البسيط عند الناس هو القوة التي ليست فوقها سلطان يمنعها من الشطط أو يجبرها على الامتثال للقانون، او التقيد بالأعراف.

لقد كان المخزن يملي على الناس ما يقومون به، فإن رفضوا أجبرهم على ذلك، وبالمقابل لا يسمح بأن يملى عليه، علاقة المخزن بالناس شبيهة بالعلاقة بين الرقيق وسيده، لا يتصور الأمر إلا في اتجاه واحد، الاتجاه الآخر يجب عليه أن يبدي الطاعة والإخلاص دون أدنى مناقشة، وهذه الثقافة لا زالت سائدة إلى الآن بين بعض ممثلي المخزن والناس، او بتعبير متحضر بين الدولة والمواطن، مثل هذه العلاقة يتعطل فيها القانون بين الطرفين، طرف قوي له سلطة يستمدها من مزاجه الخاص، وطرف ضعيف همه ان يقضي الحاجة التي رمت به في دهاليز المخزن بأقل قدر من الخسائر المادية أو المعنوية أو هما معا.

هذا الوضع غير السليم الذي نلاحظه في كل زمان ومكان، بمناسبة التدبير اليومي لمصالح الناس، واضطرارهم للتواصل مع المخزن تحت ضغط حاجات إدارية او خدماتية، يؤثر سلبا على الطرفين، ويجعل المخزن في أعين الناس شبحا مخيفا بدل ان يجعله مصدر الأمن والأمان والحماية.
أما أهم الأسباب التي تؤدي إلى تدهور العلاقة بين المخزن والناس فهو الظلم، والظلم عموما يعرف بتجاوز الحد، لا يمكن لأحد أن يدعي، سواء في الماضي أو الحاضر، أن رجال المخزن في سلة واحدة يحكمون بالمزاج ويعتبرون مصدر شطط، ففي كل زمان ومكان ممثلون عن المخزن في مستوى المسؤولية، والتاريخ يحتفظ للمخلصين منهم استقامتهم وتقيدهم بقواعد الإنصاف سواء كان مصدرها الدين أو العرف او حتى الاجتهاد الخاص، وبالمقابل يذكر المنحرفين والمتهورين الذين تسببوا في انهيار الدولة بأكملها.

في وقتنا الحاضر، في البوادي والحواضر لا زال المخزن يسيطر على مخيلة الناس، لا زلنا في مجتمعنا بعيدين عن مفهوم الدولة والمجتمع، أو على الأصح بين الدولة والمواطن، قد يقال أن المخزن اختفى بإحداث مؤسسات دستورية عديدة ينظمها القانون وتحمي المصلحة العامة، وتوازن بينها وبين المصالح الخاصة، وأن هناك أحزاب سياسية ومنظمات أهلية، وأندية للدفاع عن حقوق الانسان، بل هناك وزارة خاصة لذلك لضمان الحريات، والتحكم في شطط استعمال السلطة، وإذا ما وقع الإنحراف تقومه السلطة القضائية وتنصف المظلوم وتردع الظالم، وتتحقق العدالة، هذا كلام جميل لكن ما مدى مطابقته للواقع، والتراجع عن المكتسبات الحقوقية مستمر بوثيرة مخيفة ؟

لقد تأثرت كثيرا علاقة الناس بالمخزن، او علاقة الدولة بالمواطن احتراما للذين يؤمنون أن عهد المخزن أصبح من ذكريات الماضي، فما يلاحظ يوميا من أحداث، بعضها يدون على صفحات التواصل الاجتماعي، وأغلبها يبقي بعيدا ويدفن حيا قبل إشاعته، يعد مؤشرا على وجود تصدع لا يعلم مداه وحجم ضرره، لكنه موجود ويتسع يوما بعد يوم، والمتسبب فيه ليس المواطن وحده، بل أغلب القضايا المرتبطة بالموضوع يتسبب فيها ممثل الدولة او الإدارة او المؤسسة التي تقدم خدمتها الناس بمقابل او بدونه، وليست هناك وزارة او مرفق يخلو من الاصطدامات مع الناس بصفتهم مواطنين أو زبناء، هذا التوثر يخلق عداوة اتجاه مل ما هو رسمي، بل ينسب إلى الدولة الاختلالات التي لا تعود لمصالحها.

أعداء الدولة لم يعودوا من المواطنين، يعني الأعداء التقليديين الذين يطمحون إلى تغيير النظام والابتلاء على الحكم، هذه النظرة ولت بانقضاء زمنها، اعداؤها الحقيقون هم بعض ممثليها الذين يتصرفون في مكاتبهم كالسادة في قلاعهم أو ضيعاتهم، ويخاطبون المواطنين بعجرفة، ويبتزونهم كلما وجدوا الفرصة لذلك سبيلا، هذا السلوك شبيه بمناشير القنصلية السعودية، له تأثيره الهدام، فلا مفر للدولة إذا أرادت ان تؤمن المجتمع من هذه الامراض وما يمكن أن تنتجه من انزلاقات غير محسوبة، أن تحسن اختيار ممثليها باستخدام معايير النزاهة والتأهيل واحترام القانون، ففي كل تنظيم كيفما كان حجمه وكيفما كانت وظيفته والعرض الذي وجد من أجله يوجد المسؤول النافع والمسؤول الضار، وبتعبير ابن خلدون على الدولة ومؤسساتها أن تتخذ معياري الكفاءة والثقة لاختيار ممثليها، وأحسن فئة في التنظيم، وهي قلة قليلة، عبر عنه هذا العام الجليل بقوله “المطلع بأمره والموثوق فيما يحصل بيده”.